-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
2/2

لماذا يختلف الناس؟

التهامي مجوري
  • 203
  • 0
لماذا يختلف الناس؟

من أسباب الاختلاف بين الناس أيضا، التعصب المذهبي والحزبي والطائفي والأيديولوجي، بسبب انزواء وانغلاق كل فئة من هذه الفئات على مفاهيمها ومعتقداتها المذهبية الحزبية الطائفية الأيديولوجية؛ لأن تعصب كل فئة لمعتقداتها ومفاهيمها ومواقفها وآرائها والتشبث بخياراتها الثقافية والسياسية والفكرية، يعميها عن رؤية واكتشاف عيوبها ومحاسن غيرها من الفئات وكما قال المتنبي:

عين الرضى عن كل عيب كليلة *** وعين السخط تبدي المساوي

لقد كانت العصبية والطائفية دائما من أسباب تشرذم المجتمعات واختلافها وتنازعها، بسبب ما فيها من انتصار الناس للفئة والقوم والمذهب، وبسبب ما فيها من التعصب الذي يرفضه العلم ولا تقبل به القيم الإنسانية السليمة، فمثلما كان على القبائل والأسر أن تذوب في ظل الخيارات الاجتماعية الكبيرة ونظمها الاجتماعية والسياسية والثقافية، يُطلب من الأفراد الاندماج في الكتل الأكبر؛ لأنها في العادة هي الأرشد والأقدر على تذويب الصِّعاب والتغلب على المتاعب، ولذلك كان الترغيب في التزام الجماعة وما تحمل من قيم فاضلة والابتعاد عن الفردية والأنانية العصبية والفئوية.

إن غايات الإنسان الكبرى موجودة في أجزاء الكمال الإنساني الموزَّعة على البشرية جمعاء، فكل جماعة أو فئة أو نِحلة أو حزب، يوجد فيها من القيم والأفكار والسلوكات، ما يحتاج إليه غيرها، فتعدُّ مرجعا وقدوة لغيرها فيه… ومن ثم فإنّ انفتاح الناس، بعضهم على تجارب بعض وخبراتهم، يفتح أبوابا مغلقة، تفتح بفضل ذلك أبواب من التقارب بينهم بالقدر الذي شعروا فيه بالحاجة إلى الجزء المكمل المفقود الذي يوجد عند الغير، خصما كان أو منافسا أو معارضا أو حتى عدوا، ولذلك كانت “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها” لأن الحكمة لا تقبل الاحتكار بسبب ما تتمتع به من الحرية التي لا تقبل الاستعباد، فلا يمكن لصاحب حكمة أن يكون عبدا؛ بل إن الانسان العادي إذا كان سويا لا يقبل الاستعباد، وكما قال حكيم الجزائر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: “محالٌ أن يتحرر بدنٌ يحمل عقلا عبدا”.

وعند غياب هذا الشعور بالحاجة لبعض ما يوجد عند الغير من مكملات قيمية، يبقى الإنسان معرَّضا للاختلاف مع غيره، لمجرد أنه مختلف عنه أو مختلف معه في بعض ما جرى اختياره من آراء ومواقف.

وهنا أجدني مستغربا من التنافر الحاصل بين الفئات المعارضة والسلطات السياسية، في صرامة المؤسسات الرسمية في تهميش خصومها السياسيين واستعدائهم واستبعادهم، وفي ابتعاد خصومها وسوء ظنهم بها، في حين أن حاجة كل منهما للآخر تقتضي أن يستفيد الجميع من تجارب كل طرف، فيما تحمل برامجهم من منافع تعود على الجميع بالخير، إذ يستفيد المجتمع من فضائل السلطة والمعارضة في الوقت ذاته، كما يمكن أن تشعر المعارضة بأنها مشاركة في بناء المجتمع ورعاية مصالحه بسبب تبنِّي بعض أهدافها من قبل المؤسسات الرسمية.

رابعا: من أسباب الاختلاف بين الناس أيضا، عجزهم عن تبليغ أفكارهم وآرائهم إلى غيرهم من الناس، بسبب الضعف اللغوي أو تواضع المستوى الفكري، إذ تكون للفرد أو الجماعة قناعات معينة في شكل آراء ومواقف وخيارات، وتكون واضحة تمام الوضوح في أذهان أصحابها، ولكنهم يعجزون عن التعبير عنها للناس بالوضوح القائم في أذهانهم، فلا يصل منها إلى الناس ما يريدون. وردُّ الفعل الطبيعي للجماهير الواسعة من المتلقين، هو رفض هذه الأفكار التي عجز أصحابها عن إيصالها إليهم، ولا يعتبرونها شيئا وربما اعتبروها كذبا وخداعا ومراوغات، وفي أحسن الأحوال يعاملونهم على قدر ما فهموا منهم، وربما يكون هذا الفهم على عكس ما يريد أصحاب الفكرة، فيُظَنّ أنهم يكرهونهم أو يعادونهم، بينما في الحقيقة هي أن العجز عن تبليغ تلك القناعات هو السبب في عدم الفهم، وليس الذين يراد تبليغهم تلك القناعات، ولذلك كان شرط التبليغ في رسالة الإسلام “البلاغ المبين”، وليس البلاغ فحسب، وأحيانا لا يكون العجز عن التعبير هو السبب في الاختلاف، وإنما يكون السبب في سوء التعبير أيضا، فيكون سوء التعبير هو السبب، إذ تصل الأفكار مشوَّهة وليست كما يريد لها أصحابها أن تصل.

والشيخ نحناح رحمه الله في إحدى تصويراته البلاغية التي استعملها في دعوته إلى التجديد قوله “لو كان النبي بيننا للبس الألباغا، وهو يريد أن يعبر عن أن المؤمن مطالَب بأن يلبس لباس قومه، لأنه ليس في الإسلام لباس معين، وما كان لباس النبي صلى الله عليه وسلم للقميص مثلا، إلا أن قومه يلبسونه لا أكثر، فعِيب على الشيخ رحمه الله هذا التعبير؛ لأن الألباغا وإن كانت لباس الناس اليوم، فهي قماش فيه حرير، والنبي لا يمكن أن يلبس الحرير، فعبارة الشيخ نحناح بليغة ولا شك، ولكنها لا تليق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي جزئية ولكنها معرَّضة لعدم فهمها لذلك السبب.

خامسا: ومثلما كان العجز في التبليغ سببا في الاخلاف بين الناس، يمكن أن يكون العجز في الفهم أو سوء الفهم أيضا، إذ من الناس من لا يفهم ما يقال، فيتعلق بما فهم من مقولات الناس، سلبا وإيجابا، فيتبنى ما فهم ويدافع عنه، أو ينكره فيعارضه ويشهّر به وينقله إلى غيره على أنه من مثالب معارضه، وهو في الحقيقة لم ينقل ما حُكي وأعلن، إنما نقل فهمه للموضوع.

سادسا: يختلف الناس في الأمور بسبب الخلفية المعرفية والثقافية، فمنهم من يتكلم عن أمر بوصفه عبادة، والآخر يتناوله على أساس أنه عادة تدخل في معاملات الناس فيما بينهم، مقدَّرة بقدر ما تحقق من مصالح ومفاسد، والفرق بين الأمرين واضح، وهو أن الأصل في العبادة الوحي من نصوص القرآن والحديث؛ لأن العبادات لا تشرَّع بالعقل، وإنما لا بد من النص، بينما العادة والمعاملات عموما خاضعة لما يتحقق من مصالح ومفاسد، بما في الأمور المنصوص عليها، فهي معللة بما تؤول من مصالح ومفاسد.

ومن الشواهد التي يمكن استحضارها هنا فكرة الاحتفال بالمولد النبوي، ففي كل عام نسمع من يمنع ذلك ويعتبره بدعة، ومنهم من يجيزه ويعتبره من البر الذي يحسن إشاعته.

والسبب في هذا الاختلاف، أن الذي اعتبره بدعة تناوله من جانب أن الناس يتعاملون مع الموضوع على أنه عبادة، والعبادة لا تثبت إلا بنص، ومن ثم فإن الاحتفال بالمولد من العبادات غير المشروعة؛ لأنه لم يرد فيه نص يدعو إليه أو يشجع على فعله.

ومن أجازه انطلق من أنه عادة تُستغل في التذكير بالنبي صلى الله عليه وسلم ورسالته وسيرته ويشاد بمناقبه، وبفضل ما يكون فيه توسعة على العيال من أكل وشرب وإلى غير ذلك من العادات التي سنَّها الناس في حياتهم بهذه المناسبة.

الاختلاف إذن في تكييف الموضوع، فإذا كان الناس يحتفلون ويريدون باحتفالهم التعبد، فهو بدعة لأنه لم يشرَّع في العهد الأول، وإنما شرِّع بعد ذلك بكثير، وربما شرِّع في ظل منظومة بدعية كبيرة مثلما كان عليه الفاطميون من قيم تعبدية شيعية داخلة في مفهوم تعظيمهم لآل البيت… أما إذا كان المقصود أن ذلك عادة من العادات لا تتجاوز الاستفادة من المناسبة كذكرى تقرِّب الناس من الحقائق وتبعدها عن الأباطيل، وفذلك مشروع، إذ ليس فيه تقوُّلٌ على الشرع والزيادة في العبادة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!