الرأي

لماذا يمكن أن ترفض “البوليساريو” قرار مجلس الأمن؟

حمدي يحظيه
  • 1626
  • 0
أرشيف
البوليساريو

منذ حوالي أكثر من ستين سنة وقضية تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية أو بصيغة أخرى قضية تقرير مصير الشعب الصحراوي موضوعة بين يدي الأمم المتحدة، لكن، وللأسف الشديد، إلى اليوم لم تستطيع هذه الهيئة أن تلعب الدور المنوط بها وهو حل هذه القضية طبقا للقانون الدولي.

إذا تمعنا في معطيات قضية الصحراء الغربية نجد إنها: قضية تصفية استعمار وتقرير مصير واضحة وبسيطة؛ قضية بتت فيها محكمة العدل الدولية سنة 1975م وقالت أن لا سيادة لأحد عليها ما عدا الشعب الصحراوي؛ بتت فيها، أيضا، محكمة العدل الأوروبية سنة 2024م، وبت فيها المستشار القانوني للأمم المتحدة سنة 2002م وقال أن لا أحد يمتلك عليها السيادة.

بالإضافة إلى كل هذا هناك ترسانة من القرارات الأممية التي تؤكد أنها قضية تقرير مصير واضحة. إذن، بخلاصة، قضية الصحراء الغربية هي قضية تصفية استعمار بسيطة من اختصاص الأمم المتحدة، ويجب حلها تحت إشراف الأمم المتحدة طبقا للقانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة.

مجلس الأمن والكيل بمكيالين

لم يستطيع مجلس الأمن أن يمنع غزو المغرب للصحراء الغربية سنة 1975م، كما لم يلزم إسبانيا بالبقاء فيها حتى يقرر سكانها مصيرهم تحت إشراف الأمم المتحدة. منذ 1975م، ورغم وجود الاتحاد السوفياتي آنذاك، سكت مجلس الأمن عن قضية الصحراء الغربية إلى سنة 1990م، واستفاق سنة 1991م، وأصدر، بالإجماع، قرار 690م الذي طالب فيه بتنظيم استفتاء تقرير مصير الشعب الصحراوي.

لكن رغم الإجماع والحماس لم يُطبق ذلك القرار إلى اليوم  كما لم يحرك مجلس الأمن ساكنا لمعاقبة المغرب الذي نفض يده من تطبيق القرار المذكور. إذا كان المغرب أفشل قرار مجلس الأمن 690 الذي تم التصويت عليه بالإجماع ولم تتم معاقبته فماذا سيحدث للبوليساريو إذا رفضت،  اليوم، قرارا بدون إجماع ويشكل خرقا لقانون الأمم المتحدة ولقراراتها ولسياستها التي ظلت تتبعها منذ خمسين سنة في قضية الصحراء الغربية، أم حلال على المغرب وحرام على البوليساريو؟

قصة الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة القلم

أثناء محاولات مجلس الأمن تطبيق قرار 690 سنة 1991م سقط الاتحاد السوفياتي، ووجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وحيدة في زعامة العالم، فأصبحت هي التي تكتب وتحرر القرارات في مجلس الأمن، وهي التي تنقح وتشطب وتزيد وتنقص طبقا لمصالحها.

وبما أن قضية الصحراء الغربية هي قضية قارة في الأمم المتحدة، فقد تولت الولايات المتحدة، بدون منافس ولا متحج، صياغة القرارات والمسودات التي تخص تلك القضية، ومن هنا نشأت قصة: الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة القلم في قضية الصحراء الغربية.

“البوليساريو”….. الحركة المتمسكة بالقانون الدولي

قبل أن تتواجد بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية(المينورسو)، كانت البوليساريو دائما تقوم بدور التلميذ النجيب في تعاملها مع الأمم المتحدة، تطالب بتقرير المصير وبتطبيق الشرعية الدولية وبالمفاوضات وبتنظيم الاستفتاء.

منذ سنة 1992م، رغم رفض المغرب تنظيم الاستفتاء، ورغم تغاضي مجلس الأمن عن خرق المغرب لقرار 690، واصلت جبهة البوليساريو الانصياع للشرعية الدولية، وواصلت التعاون البَناء مع الأمم المتحدة ومع مجلس الأمن ولم ترفض في أي يوم من الأيام توصية أو قرارا رغم الإجحاف الكبير بحقها في اغلبية القرارات الأممية.

حتى حين لم يعد أحد اليوم يؤمن بالقانون الدولي وبفعاليته ولا بقرارات مجلس الأمن واصلت البوليساريو احترام كل ما يصدر عن مؤسسة الأمم المتحدة كونها المرجعية الوحيدة لتنظيم العالم حتى لا يجنح إلى الفوضى.

الفرق بين مسودة القرار والقرار

منذ أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة القلم، بدون منازع، في قضية الصحراء الغربية ظنت إنها أصبحت هي الأمم المتحدة وهي مجلس الأمن معا، وكلما حان موعد مناقشة قضية الصحراء الغربية في مجلس الأمن تبدأ الولايات المتحدة تحرر مسودة القرار الخاص بها دون التشاور مع أي طرف آخر ما عدا المغرب، وللأمانة التاريخية فكل المسودات -وليس القرارات- التي حررتها الولايات المتحدة كانت دائما منحازة للمغرب، ما عدا مسودة واحدة قدمتها سنة 2013م، اقترحت فيها أن تقوم بعثة المينورسو بمراقبة وضعية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، لكن تم اجهاضها قبل تحويلها إلى قرار وتم سحبها.

إذن، بالنسبة للمسودات الأمريكية المنحازة للمغرب، كانت دائما تحدث حولها نقاشات ساخنة تنتهي دائما بتعديلها وتحويلها إلى قرار توضع فيها نقطة أو اثنتين يحافظ من خلالهما مجلس الأمن على الخطوط الحمراء للقانون الدولي مثل تقرير المصير وعدم فرض القرارات الأحادية.

وبالإضافة إلى أن مجلس الأمن كان يحافظ في قراراته الصادرة بخصوص قضية الصحراء الغربية على روح القانون الدولي مثل تقرير المصير فإنه، من جهة أخرى، كان يحافظ على سمعته المهزوزة أصلا وفي نفس الوقت يتفادى نفض جبهة البوليساريو ليدها من العملية كلها بسبب الانحراف الخطير عن مبادئ الأمم المتحدة.

كيف وصلنا إلى المسودة الحالية المثيرة للجدل؟

منذ أيام تم تسريب مسودة قرار أمريكية مكتوبة بلغة غير دبلوماسية وصياغتها ضعيفة وركيكة ولا علاقة لها بصياغة القرارات الأممية التي نعرف، وفيها تأكيد على أن الحكم الذاتي المغربي هو أساس حل قضية الصحراء الغربية.

حين نعود قليلا إلى الوراء نتذكر مشروع الحكم الذاتي المغربي الذي تم تقديمه سنة 2007م، ونتذكر اقتراح البوليساريو الذي تم تقديمه في نفس السنة والذي تقبل فيه الحركة بإدماج الحكم الذاتي كخيار مثل خيار الاستقلال أو الانضمام، وتشترط فقط أن يحدث عليه استفتاء.

وللمعلومات فقط، فالحكم الذاتي المغربي لم يتم ذِكره في متن أي قرار من قرارات مجلس الأمن، وكلما ادرجته الولايات المتحدة في متن أية مسودة من مسودات القرارات التي تحررها حول قضية الصحراء الغربية يرفضه الأعضاء الآخرون ويتم نزعه من المتن والدفع به إلى الديباجة التي لا تعني الشيء الكثير، وكان يتم ذكره دائما جنبا إلى جنب مع مقترح البوليساريو.

للمعلومات، أيضا، فالحكم الذاتي لا يمثل شكلا من أشكال تقرير المصير ولا يمكن اعتباره حلا لقضية تصفية استعمار، وهو مجرد ترتيبات تحدث في داخل الدولة الواحدة بإعطاء صلاحيات لأقاليم لها خصوصيات تاريخية أو ثقافية مثلما هو الحال في إقليمي كتالونيا وبلاد الباسك في إسبانيا.

إذا تتبعنا سياق تحرير المسودة الأمريكية الحالية والمنحازة، نجد إنها تأتي في إطار دولي يتميز بمحاولة إسرائيل وحلفائها تصفية القضايا العادلة مثل القضية الفلسطينية مستقلة حرب غزة، وبكل تأكيد أن المغرب،  بالتشاور مع الكيان الصهيوني، دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى محاولة تصفية القضية الصحراوية بالتزامن مع محاولة تصفية القضية الفلسطينية. الشيء الآخر المهم هو أن ترامب يريد أن يوهم نفسه بحل القضية الصحراوية ليقول لمؤيديه أنه حل ثماني مشكلات عويصة.

 “البوليساريو” ستكون مضطرة إلى قول ” لا ” هذه المرة

بالتوازي مع صدور مسودة القرار الأمريكية المثيرة للجدل، اعلنت جبهة البوليساريو عن توسيع مقترحها الذي قدمته سنة 2007م، وأضافت تأكيدات وتعهدات جديدة وهي: تقرير المصير خط أحمر، لكن هناك تعهد بتقاسم فاتورة السلام فيما يخص الثروات والاضرار والمستوطنين والكثير من القضايا الأخرى المهمة.

رغم هذه التعهدات الجديدة والمشجعة لا يبدو أن حامل القلم فهم الرسالة، وتم توزيع مسودة قرار جديد يدمج هذه المرة الحكم الذاتي في متن مسودة القرار هو الذي كان يأتي دائما في الديباجة، كما يتجاهل المقترح الصحراوي الموسع. إصرار صاحبة القلم على إدراج الحكم الذاتي المغربي في متن مسودة القرار، دفع البوليساريو إلى وضع النقاط على الحروف وكتابة رسالة إلى رئيس مجلس الأمن تشعره برفضها المسودة في حالة تحولها إلى قرار مصادق عليه من مجلس الأمن.

إذن، محاولة صاحبة القلم إدراج الحكم الذاتي في متن مسودة القرار القادم عكس ما كان يحدث في القرارات السابقة كان هو النقطة التي افاضت الكأس ودفعت البوليساريو إلى التهديد برفض المسودة وربما برفض العملية برمتها.

انعكاسات انسحاب البوليساريو من العملية السلمية

قدمت البوليساريو الكثير من المبادرات والتنازلات من أجل التوصل إلى حل سلمي، وساعدت مجلس الأمن والأمم المتحدة في مرات كثيرة، لكن لا يبدو إنها ستظل ملتزمة إلى ما لا نهاية. فمثلا حين لم يتدخل مجلس الأمن لمنع المغرب من خرق وقف إطلاق النار سنة 2020م، ولم يمنعه من بناء جدار جديد طوله 20 كلم، قررت البوليساريو العودة إلى الكفاح المسلح.

الآن، بعد مسودة قرار الولايات المتحدة، وفي حالة يتبناها مجلس الأمن بدون تعديلات جوهرية ستنفذ جبهة البوليساريو تهديداتها برفض القرار. وسيزداد الطين بلة إذا تم تهديها من طرف الولايات المتحدة بتصنيفها حركة إرهابية إذا رفضت القرار.

نفضُ جبهة البوليساريو ليدها من العملية السلمية سيجعلها تتخلى عن الدور الذي كانت تلعبه في أمن منطقة الساحل، كما لن تجد الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة شريكا معترفا به ليتفاوض حول الحكم الذاتي مع المغرب، كما أن الأمم المتحدة ستوقع على نهايتها عمليا ما دامت لم تستطيع حل قضية بسيطة من اختصاصها بالدرجة الأولى.

رب ضارة نافعة

مسودة القرار الامريكي الحالية المنحازة خطأ كبير، يشبه الخطأ الذي ارتكبه ترامب سنة 2020م عبر تغريدته التي اعترف فيها بالحكم الذاتي المغربي.

إذا نجحت هذه المسودة وانسحبت البوليساريو من العملية السلمية ستصبح المنطقة على كف عفريت، وستتضرر سمعة الأمم المتحدة أو تتفكك، ولن ينجح حل الحكم الذاتي الذي يروج له المغرب لعدم وجود شريك مفاوض، كما ستسحب جبهة البوليساريو مقترحها لتقاسم فاتورة السلم.

من جهة أخرى، سيواجه الاتحاد الإفريقي مثل الأمم المتحدة مشكلة كبيرة: كيف سيتم القفز على دولة كاملة السيادة من مؤسسي الاتحاد الافريقي بجرة قلم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية؟ أما إذا فشلت مسودة القرار فسيشكل ذلك ضربة قاصمة للمقترح المغربي للحكم الذاتي، الذي سيتم إقباره إلى الأبد، ولن يجد فرصة أخرى أحسن من هذه ليتم تقديمه.

المنطقي والمعقول أن يتجاوز مجلس الأمن هذا الخطأ الفادح ، وأن لا يخضع لأهواء دولة تقود العالم نحو الهاوية.

مقالات ذات صلة