الرأي

لماذا يُخصي الجزائريون فحولهم..؟

نحمد الله أنّ السلطات العمومية سارعت لتدارك الفضيحة التي هزت الرأي العام، بإنهائها فوريّا مهام الأمين العام والمدير العام للرياضة، بوزارة الشباب والرياضة، على خلفية تلك الصور المخزية والمُهينة لأبطال الجزائر من ذوي الهمم العالية، العائدين بالذهب والفضة من طوكيو، وقد أحسن التعبيرَ من أطلق هذا الوصف النبيل على شريحة تتحدى الإعاقة وسوء الأخلاق من أفراد عنصريين في المجتمع، وموظفين سامين باسم الدولة لم يؤدوا الأمانة على وجهها الإداري ولا الإنساني.

ولم تخطئ أبدا الوزارة الأولى في تعليل إنهاء المهام بالإهمال المسجَّل في أداء الواجبات وغياب روح المسؤولية والتقصير، بعدما عاش الجزائريون بحسرة بالغة سوء استقبال رياضيين رفعوا الراية الوطنية عالية بين الأمم، لكنهم حين عادوا إلى أرض الجزائر لم يجدوا أحدا بالمطار يفرح بصنيعهم سوى ذويهم الأقربين، ويا لها من خيبة وجحود قاصميْن لإرادة النجاح والنصر.

والغريب الصادم أكثر في هذه القضية التي قد يبسّطها البعض، لكن دلالاتها الرمزية والمعنوية تبقى عميقة، هو أنها جاءت في سياق مناقض تماما لإرادة السلطات العمومية على أعلى مستوى، حيث يقتطع رئيس الجمهوريّة من وقته الثمين، على كثرة مسؤولياته الرسمية، ليستقبل نوابغَ الجزائر من تلامذة الحساب الذهني المتوَّجين مؤخرا في مسابقة دولية، في رسالة قوية ذات بُعدين، في تحليلنا الخاص على الأقل، وهما تقدير النجاح والاحتفاء بأصحابه، لتحفيز باقي أبنائنا ومن ورائهم كل جزائري على المبادرة والإبداع، وكذلك تكريس توجُّه الدولة نحو تطوير تعليم الرياضيات والاستثمار في عباقرتها.

بينما في الاتجاه المعاكس لتلك المبادرة الرئاسيّة التي لقيت تجاوبًا نخبويّا وشعبيّا واسعًا، يُمعن مسؤولون بوزارة الرياضة في تجاهل أبطال آخرين، هُم في أمسّ الحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي، ليس فقط من باب التضامن الإنساني، بل وفق ما تُمليه التزامات مؤسسات الدولة وقوانينها التي كفلت لفئة ذوي الاحتجاجات كامل الحقوق والتسهيلات المتعارف عليها عالميّا.

ولا يمكن في “واقعة أبطال طوكيو” التماس أي عذر لكل من يتحمل قسطا ولو يسيرا من مسؤولية حادثة الإهانة، حيث لا تفسير لها سوى ممارسات “الحقرة” والتمييز والكيْل بمكياليْن، لأنّ نفس المسؤولين تدافعوا جماعات وفرادى قبل أسابيع قليلة على مطار هواري بومدين، لاستقبال نادٍ رياضي إثر عودته خاوي الوفاض من أدغال إفريقيا، فقط لإدراكهم أنَّ الغياب عن الموعد يكلّفهم الغضب السياسي، بينما توهّموا أنّ الضعيف لا حاميَ له، قبل أن يُفاجَؤوا بردِّ فعل رواد الفضاء الأزرق والسلطات على أعلى مستوى.

لكن للأمانة، فإنّ الجحود في حق هؤلاء الأبطال لم يطلهم فقط من مسؤولين مركزيين تجرَّدوا من قيم الأمانة والإنسانيّة، بل تعرَّضوا كذلك للإقصاء والتهميش من مسؤولين محليين، إذ ظهرت في فيديو مصوَّر إحدى الرياضيّات الفائزات بالذهب في اليابان وهي تشتكي قبل سفريّة اليابان منْعَها من دخول ملعب قسنطينة للتَّدريب، ما أجبرها على التحضير في مكان غير لائق بكل المقاييس، وننتظر أن يُحاسَب هؤلاء في إطار استكمال التحقيق الذي وعدت به الوزارةُ الأولى في القضيّة.

وحتّى الصحافة الوطنية والمجتمع المدني لم يعيرا الحدثَ الاهتمامَ المستحق، فلم نجد لهما أثرا يوم الاستقبال، فلا الإعلاميون تهافتوا على الرياضيين لاستجوابهم، ولا الجمعيات التي تقتات باسم الرياضة كلفت نفسها عناء التنقل إلى المطار لمشاركتهم فرحة العودة والتتويج.

إنّ هذه الواقعة المُحزِنة، على محدوديتها، تقودنا إلى مسألة أخطر ذات بُعد حضاري أشمل في ثقافة الشعب الجزائري، وهي عدم تقدير الرموز، إذ يقول المؤرخ الكبير ناصر الدين سعيدوني “كثيرا ما ينتهي المتتبِّع لأحداث تاريخ الجزائر إلى تكوين قناعة شخصية، مفادها أن هناك ميلا عامّا يطبع نفسية الجزائري، يتمثل في الانتقاص من قيمة الشخص مهما عظُم عملُه، والحط من شأن الجماعة مهما علا شأنُها”.

وقد تحوَّل هذا الميل بفعل الديمومة والاستمرارية إلى إحدى الظواهر البارزة التي تطبع سلوك الفرد وتتحكم في اتجاه الرأي العام، حتّى أدى إلى محو مظاهر الإبداع وإلى الحدِّ من جوانب التفوُّق في الإنسان الجزائري، بحسب سعيدوني.

ونتج عن ذلك ما أطلق عليه الرَّجلُ في التاريخ الجزائري “نهاية الرجال المأساوية” وخاتمة الأبطال غير المشرِّفة، منذ يوغرطة الذي قضى نحبه يعاني ألم الجوع ونوبات الجنون في سجون روما، إلى التجاهل والتقزيم الذي جعل الأمير عبد القادر ينفي نفسه في حياة التصوُّف بالمشرق، حتى جهر حفيدُه الأمير خالد بمقولته الشهيرة “إن الجزائريين يخصون فحولهم”!

مقالات ذات صلة