لماذ اختفى المجد الثقافي لمسجد باريس؟
دليل المأساة الثقافية الجزائرية لا يتوقف على الداخل كما مرّ معنا في مناسبات سابقة، وكثيرة هي الأمثلة التي يمكن سردها لـتأكيد غياب الاستراتيجية الثقافية المسطرة ضمن رؤية تطوير تنموي شامل. كاتب هذه السطور الذي عاد من الجزائر مؤخرا بعد إلقائه محاضرة بمقر الجاحظية تحت عنوان”المهاجرون والثقافة أو تراجيديا الضياع المزدوج”، يسمح لنفسه وظيفيا وليس دعائيا أن يعود للإشكالية الأبدية التي تستمر رغم تغير وزراء الثقافة واستفحال الثقافة المناسباتية التي أصبحت البديل الديماغوجي لفعل ثقافي حقيقي مبلور على النحو الذي يترك أثره على المواطن فكريا وحضاريا وينعكس على سلوكه وحياته الاجتماعية اليومية.
قراء الشروق الذين سيكتشفون بعد أيام الدكتور حسين رايس، المسؤول الثقافي السابق في مسجد باريس، سيشاطرونني الحزن والأسى حينما سيعرفون أن المكاسب الثقافية التي تحققت في مسجد باريس طيلة المدة التي أوكلها فيها العميد الراحل الشيخ عباس بن شيخ قد توقفت كما توقفت ودادية الجزائريين في أوروبا التي كانت تؤطر أبناء المهاجرين تربويا على الرغم من كل السلبيات السياسية التي ميّزت مرحلتها في سياق حكم الحزب الواحد المستمر حتى في ظل التعددية الحزبية المزعومة، ولعل تساؤل العديد من المهاجرين العرب والجزائريين عن سر التقهقر الثقافي الذي مازال يميز الجزائر مقارنة بعدة دول عربية يفسر التراجعات الثقافية في مختلف المجالات داخليا وخارجيا.
وإذا كنا قد توقفنا عند الكثير منها داخليا في هذا المقام، فإن توقف النشاط الثقافي الرائع الذي كان يشرف عليه الدكتور حسين رايس حتى عام 2007 في مسجد باريس يعد حالة صارخة من التقهقر الثقافي في الخارج مثلها مثل حالة المركز الثقافي الجزائري الذي يفتقد لميزانية كافية بحسب كل المديرين الذين تداولوا على إدارته، وهو المركز الذي لا يمتلئ بالجمهور إلا عند برمجة سهرة شطيح ورديح تتسبب في جو يتغلب فيه الطايح على النايض. مسجد باريس الذي يؤدي دوره التقليدي مثل أي مسجد ويعتبر معلما سياحيا يستهوي السياح الأجانب، باعتباره رمزا للمعمار الإسلامي الأخّاذ، فقد وظيفته الثقافية بتوقف نشاطه الذي مكن من استضافة مفكرين أجانب مسلمين وغير مسلمين من أمثال غارودي وموريس بوكاي وفانسان مونتاي وروجيه كاراتينيه ومحمد أركون وروجيه ايرنناديز ضمن برنامج محاضرات وندوات ومعارض كتب كانت تشع فكرا عالميا وإنسانيا كما شهد عليها الرئيس شيراك عند زيارته المسجد.
عوض دعم المكاسب المذكورة وتجديدها وتعميق أثرها، توقفت نشاطات مسجد باريس الثقافية ولم يتساءل وزراء الشؤون الدينية الذين يقومون بزيارته باستمرار، بحكم مسؤوليتهم عن السبب، لكنهم يتعجبون بعد ذلك لموقف الغرب الذي يربط بين جهل الشباب المسلم والتطرف والإرهاب، رغم أن أسباب ذلك أعمق من هذا التفسير الصحيح جزئيا.