الرأي

لمصلحة من هذا الاقتتالُ بين المسلمين؟

يوجد دائما من يقرأ التاريخ بنظر حسير، ويحب أن يرى الأشياء كما يريدها أن تكون ولو جاءت على خلاف ما يريد ويهوى. إن رفض المحكمة العليا الأمريكية طلب السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير التابعة لها تعليق حكم قضائي بتعويضات كبيرة لضحايا أمريكيين سقطوا في القدس قبل عقدين ونيِّف، يعزز القناعة بأن كل من تخلى عن الكفاح المسلح لتحرير وطنه وهجره من أجل السلطة والمال وُكِل إلى ما هاجر إليه، ومن ترك الدنيا من أجل دينه وبلده أتته الدنيا وهي راغمة؛ مصداقا للحديث النبوي الصحيح: “جُعِلَ رِزْقي تحت ظِلِّ رُمْحي”.
إذا لم يكتوِ الاحتلال الصهيوني بـ”لطشة” الكهرباء عالية التوتر فلن يتوقف عن عدوانه. العجيبُ حقا أن تنطلق الثورة السورية من درعا وتُسقط نظاما قاسيا له داعمون أقوياء بتضحيات جسيمة ولا يستطيع أهلُها اليوم أن يصطادوا تماسيح تغزوا بلادهم! بل الأعجب من ذلك أن يتحنَّط الحكم الجديد عن فعل أي شيء يدفع به عن قومه الصائلَ والمذلة، ولو بتسليح نشامى المنطقة أو جلب مجاهدين من بلاد مسلمة كثيرة تشتاق للقاء الصهاينة كما فعل مع ثوار الإيغور التركمان، أم أن قادة سورية يتحسَّبون لغضب “ترامب” وتراجعه عن بناء برجه الشاهق الذي سينتصب في أحضان الفيحاء!؟

شرُّ هؤلاء الصهاينة أصاب البشر والحجر، وتأذى منه المسلمون والمسيحيون وحتى اليهود المناهضون للصهيونية. لا بد من تغيير تسمية هؤلاء من “مستوطنين” إلى اسم آخر، كأشرار، أو شياطين أو أبالسة أو إرهابيين أو عصابات أو كفار… على الأرمن الذين تهان مقدساتهم في كل مرة بالقدس أن يخرجوا من بينهم أمثال فاروق رمضان التلي، فإن لهم حمى ومن حقهم الذود عنها بكل ما يلزم لصد هؤلاء الأشرار؛ إن الأمة الإسلامية تدعمهم، والعالم المسيحي الحر معهم.

إدارة المصالح والصراعات بين مكوّنات الأمة الواحدة مثل إدارتها في إطار العائلة الواحدة. وجهُ الشبه بينهما في العصر الذي نعيش هو صلة الرحم المقطوعة بين أفرادها إلى درجة العقوق، والتي تجعل من الفرقة ضعفا ومن الوحدة قوة. لا يزال أهل السنة والشيعة يعانون من الحسابات الضيقة، والتي تتبدل كالفصول سلما في وقت السلم وحربا إذا ما جد جدُّها، في غياب الوعي بمصالح الأمة العليا وهم في مواجهة تنين لا يرحم. حزب الله لا يمكنه الاستمرار في لعبة التخفي والتلوُّن هذه، ولا يمكن للمحيط السني أن يهمِّش الشيعة ويتغافل عن المقاومة الشعبية المنظمة في صفوفهم. على الجميع واجب الإخلاص لله وللأمة والسعي إلى الوحدة والصفح عن جراحات الماضي؛ وإذا ما تحقق ذلك فإن بشائر التحرير والنهضة العمرانية قد لاحت بإذن الله تعالى.

بين جُرجَة وابن الوليد
قراءات المسؤولين الأمريكيين وإعلامهم للحرب الجارية تقتصر على تأثيرات الأوراق التي يستخدمها الخصم في الصراعات الدولية، ولا تتعمق في طبيعة العقل الذي يلعب بهذه الأوراق كيف يفكر ومن أين له بهذا الإصرار والصلابة لكون ذلك هو سر القوة لا القوة نفسها، وإنه لتتوفر أدواتٌ فاعلة جدا لأكثر الدول في السياسة الدولية ولكنها لا تستخدمها، مثل قناة السويس لمصر، والطاقة للجزائر، ومضيق جبل طارق للمغرب، والبوسفور لتركية، والغاز لقطر، وخير من ذلكم كله الثقافة الإيمانية التي تمتلكها كل هذه الدول… ومن الأحسن للساسة الأمريكيين أن يتساءلوا عن أسرار القوة هذه من أين مأتاها لا عن القوة نفسها. وهذا ما تفطَّن إليه القائد الروماني “جُرْجَة/ جورجيوس” في معركة اليرموك حينما سأل خالدًا ابن الوليد (رضي الله عنه) عن أمور دلّت على ذكائه وحكمته، وأدت بعد ذلك إلى إسلامه.
تقارير الصحافة الأجنبية التي تتحدث عن العائلات الغنية في الخليج العربي والتي باتت تميل أكثر إلى إعداد وصايا الإرث في المملكة المتحدة عوضا عن المحاكم الشرعية في بلدانها لكي تكون التركة متوازنة بين الجنسين، يبيِّن حجم تبني اليبيرالية الغربية في الأوساط المالية الخليجية، وهي أوساط قريبة من مركز القرار وتعمل بالتنسيق معه. كما تعزِّز هذه التقرير النظرة النمطية للتغلغل الإنجليزي في البيوت الثرية في الخليج وكيف عملت أياديها الخفية على تربية الأجيال التي تبحر الآن بالسفينة على قيم مخالفة لقيمها. كما يبيّن مكانة الشريعة السمحة في نفوس هؤلاء، وأنها لا تعدو أن تكون خيارا تاريخيا فحسب، إذ يمكن أن يُستخدم الدين كورقة توت. كما يؤشر ذلك أيضا إلى الخوف المتنامي لدى هذه الشرائح الاجتماعية النافذة من مستقبلها في هذه المنطقة، إذا ما هُزمت الولايات المتحدة في حربها الحالية مع إيران.
لمصلحة من هذا الاقتتال بين طائفتين من المسلمين خاصة وأن الخسائر لا تُقدَّر بثمن؟ على السعودية أن تتحمل أمرا وعلى “أنصار الله” أمرا مثله. الأول منهما أن يعيد ملوك آل سعود تموضعهم المبدئي ليكون الولاء فيه لله ولرسوله ولأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) فحسب، وأن تأخذ المملكة حكومة وشعبا ما آتاها الله من كتاب بقوة وتعمل به تاما غير منقوص؛ وأما ما على جماعة الحوثي فعله، فأن تتعامل مع الكيان الصهيوني بمثل هذا القدر من البأس أو أشد تنكيلا، لأن الصهاينة عادوا إلى سيرتهم الأولى في استهداف أهلنا في غزة، و”مجلس السلام” لن يجلب لأهلنا في القطاع حقوقهم المشروعة، بل إنه يمثل خرشاء جديدة لأفعى “إسرائيل”.

مصالح النصارى في المشرق
إن شعوبنا تتقلب بسرعة في هذه المرحلة نحو العودة الواعية إلى هويتها الحقيقية، هويتها الإسلامية، إسلام فطري درجت عليه عبر القرون، وما على أهلنا المسيحيين إلا أن يستوعبوا هذه الحقيقة وألا يراهنوا على الغزاة والمحتلين، الذين سيكون مصيرهم كمصير الصليبيين الذين قضوا دهرا في هذه البلاد ثم غادروها إلى غير رجعة، ولم يبق في الوادي غير حجارته، وأهل الذمة من هذه الحجارة، ولا يجدر بهم أن يمدّوا يدا إلا إلى شركائهم المسلمين، الذين هم الضمان الباقي لوجودهم حتى يأذن الله بالأوبة إليه جميعا.
أنطون صحناوي هذا نموذجٌ لتزلف العملاء إلى أسيادهم كيما يقبضوا الثمن من الصهيوني المحتل، ثمن الواجب الذي أدوه من شرفهم وشرف لبنان الذي تجري مياهه في دمائهم، ولكن ما هو الواجب الذي أدّوه قبل أن يفروا إلى عشاء المهانة مع “النتن ياهو” حقا؟ وهل ما ساهم فيه هؤلاء النافذون من تردٍّ للأحوال اللبنانية كان جزءا من تلك العمالة؟ وكم أنطون لا يزال في دواليب الحكم اللبنانية؟ ولماذا لا توجد في طائفته مغسلة للعار إذا ما خان فردٌ وطنه منها؟
شرُّ هؤلاء الصهاينة أصاب البشر والحجر، وتأذى منه المسلمون والمسيحيون وحتى اليهود المناهضون للصهيونية. لا بد من تغيير تسمية هؤلاء من “مستوطنين” إلى اسم آخر، كأشرار، أو شياطين أو أبالسة أو إرهابيين أو عصابات أو كفار… على الأرمن الذين تهان مقدساتهم في كل مرة بالقدس أن يخرجوا من بينهم أمثال فاروق رمضان التلي، فإن لهم حمى ومن حقهم الذود عنها بكل ما يلزم لصد هؤلاء الأشرار؛ إن الأمة الإسلامية تدعمهم، والعالم المسيحي الحر معهم.

مقالات ذات صلة