الرأي

لمُّ الشمل العربي.. الجزائر ومقدمات النجاح

بقلم: علي لكحل 
  • 360
  • 0

ثلاثة نماذج، قدمتها الجزائر، لإنجاح مسار لمِّ الشمل العربي: نموذج المصالحة الفلسطينية، وتفكيك ملف الحضور السوري، وتقديم نموذج السيادة الوطني.

أولا: المصالحة الفلسطينية

المصالحة الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية، أو كما قال الرئيس، عبد المجيد تبون، “أم القضايا”. وبالرغم من البيئة الضاغطة على صانع القرار الفلسطيني، المتعلقة بالانقسام، والتدخل الخارجي، والتنسيق الأمني مع الاحتلال، والمشروطية السياسية للمساعدات الاقتصادية القادمة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن كل هذه الضغوط لم تمنع الفلسطينيين من الحضور للتوقيع على اعلان الجزائر. وكان ذلك رسالة مصغرة قدمتها الجزائر قبل القمة العربية، أشارت إلى الإمكانية العملية للتوافق العربي رغم كل الخلافات، بدليل الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، التي تم تجاوزها. إن السلطة الفلسطينية والمقاومة التي تعاني المواجهة اليومية مع الاحتلال والقوى الداعمة لها في العالم، لم تمنع السلطة والمقاومة من تجاوز كل الضغوط لأجل تقريب المسافات السياسية المتباعدة وتوقيع إعلان الجزائر، ولكن وقبل بداية القمة يأتي من يحاول أن يقنعنا أو يبرِّر لنا أنَّ دولا عربية تتعرض لعديد الضغوط بسبب القمة العربية بالجزائر.

كان من أهداف لمِّ الشمل الفلسطيني، الدفع باتجاه مواقف وطنية وقومية عربية تتجاوز كل الضغوط وتنسف كل الالتزامات لصالح التضامن العربي، وقد قدّم الفلسطينيون القدوة وهم تحت سلطة الاحتلال. وهذا الوضع يفترض أن يدفع بقية الدول التي تنعم بالاستقلال والسيادة إلى مواقف أكثر تحرُّرا في اتخاذ قراراتها القومية. وهي مواقف سجَّلها الفلسطينيون وهم تحت سلطة الاحتلال.

النموذج الذي قدّمته الجزائر للعرب هو نموذج رجولي لقدرة سلطة ومقاومة فلسطينية تحت الاحتلال على تقديم درس التوافق في ظل البيئة الداخلية والخارجية الضاغطة، وتقويض نظرية التفكيك الفلسطيني وتعميقها، لاستمرار الصراع الداخلي الفلسطيني. وكان من أهداف لمِّ الشمل الفلسطيني، الدفع باتجاه مواقف وطنية وقومية عربية تتجاوز كل الضغوط وتنسف كل الالتزامات لصالح التضامن العربي، وقد قدّم الفلسطينيون القدوة وهم تحت سلطة الاحتلال. وهذا الوضع يفترض أن يدفع بقية الدول التي تنعم بالاستقلال والسيادة إلى مواقف أكثر تحرُّرا في اتخاذ قراراتها القومية. وهي مواقف سجَّلها الفلسطينيون وهم تحت سلطة الاحتلال.

لذلك، فإن أي تبرير للتخلف العربي عن أداء أدوار الأمة القومية، أو الخلط بين المصالح والمبادئ في معركة الوجود، أو التنصُّل من الالتزام القومي لصالح الالتزامات التي فرضتها توازناتُ قوة قابلة للتغيير في أي لحظة، كل ذلك قد يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم الاستقلال الوطني ومفهوم السيادة وصناعة القرار العربي، فمن غير المعقول أن تقبل فلسطين المحتلة التحدّي وتتخلف عنه دولٌ مستقلة. لقد قادت الحكمة الجزائرية إلى تجاوز سياسة المحاور العربية التي تشكّلت بسبب الموضوع الفلسطيني، فلمُّ الشمل الفلسطيني كمقدمة للمِّ الشمل العربي، أجندة ذكية وحكيمة سحبت ألغام قمم سابقة ميَّزها الخلاف بين تياري المقاومة والتسوية. لذلك، فإن أي توجُّه تبريري اليوم إنما يحاول أصحابُه التشكيك في سلوك الأمة، وخاصة دول قدرها أن تكون في القيادة والريادة العربية والإسلامية.

ثانيا: تفكيك لغم الملف السوري

سعت الجزائر جاهدة إلى عودة طبيعية لسوريا إلى دورها العربي، والعودة إلى مقعدها بالجامعة العربية. وبالرغم من ذلك، وتفاديا لأيِّ خلافات عربية عربية، تم تجاوز الحضور السوري مع حضور ملف الوضع السوري الذي لا يمكن تجاوزه، وبتفكيك هذا اللغم الذي ساهم فيه تفهُّمُ الأشقاء السوريين، سحبت الجزائر المبرر الذي بإمكانه الدفع باتجاه أي تردد عربي لحضور القمة وإنجاحها، وكان يمكن لتلك الحكمة الدبلوماسية الجزائرية للرئيس تبون أن تكون مدخلا لبعض اللوم السوري، لكن الحكمة الدبلوماسية هنا قوبلت بحكمة سورية هناك، وأكثر من ذلك، فإن السوريين اعتقدوا أن أفضل ما في القمة العربية هو انعقادها بالجزائر، وتفهم الأشقاء وتهيأت البيئة السياسية لمزيد من الحضور والتوافق العربي.

لقد قدَّمت سوريا بهذا الموقف الفرصة لمزيد من التوافقات العربية العربية، كما أن الجزائر حدَّدت بموقفها أولويات القمة، التي هي أولويات الأمة. ولأنّ الزمن جزءٌ من العلاج، فإنه لم يكن بالمقدور أن تحلّ القمة في الزمن المتاح لها والبيئة المحيطة بها، كل قضايا العرب، وهي كثيرة. فتحديد الأولويات لا يعني التخلي عن الأهداف، وإنما ترك بعضها للزمن الكفيل بعلاجها، وقد عرفنا العديد من القضايا التي تحولت الأدوار فيها مع تحول توازنات القوى دوليا وإقليميا.

ثالثا: نموذج قرار السيادة 

السلوك الجزائري شكَّل القدوة في ادراك أهمية المصير العربي المشترك، والقدوة في سيادة القرار الوطني، وهي رسالة أخرى للعرب للوقوف المشترك بوجه التهديدات والمخاطر المشتركة وحفظ السيادة.

لقد عملت الجزائر على تقديم نموذج للمِّ الشمل على المستوى الفلسطيني رغم كل الضغوط المحيطة بالفلسطينيين، وسحبت لغم الملف السوري للحفاظ على ما تبقى من التضامن العربي، وقدّمت السياسة الخارجية الجزائرية نفسها نموذجا للسيادة ورفض التدخلات والأجندات الخارجية، وكل ذلك لهدف استراتيجي تحدث عنه وزير الخارجية رمطان لعمامرة مرات عديدة وهو يتعلق بعالم يتكون نظامُه الدولي الجديد، ومن غير المعقول أن يكون فيه العرب مغيَّبين، ولابد أن تكون لهم مكانة في التحول القادم.

الجزائر قدمت أسباب النجاح للقمة العربية، وهذا دورها الطبيعي باعتبارها ترأس القمة العربية، ولذلك، فإن المطبلين للفشل لم يفهموا بعد أننا مكلفون تاريخيا بأخذ الأسباب الممكنة للتغيير نحو غد عربي أفضل، ولكن النتائج إيجابا أو سلبا لا تتحملها الجزائر وحدها، لأنها قمة لجميع العرب وليست للجزائر وحدها.

وضمن الأجندة الجزائرية للمِّ الشمل العربي اتضحت النيَّات الحسنة لقيادة البلاد، التي وفرت كل الإمكانات لتيسير مَهمَّة الوفود العربية السياسية والإعلامية. لكن تشاء بعض الأطراف المضي في أجندات التشكيك والتفرقة لصالح قوى دولية وإقليمية ازعجها التحدي والإنجاز الجزائري. وبعضها قدِم بشكل خاص لتفجير القمة، لكن الواقع يؤكد أنه عمل فقط على تفويت الفرصة على بلاده للمساهمة في مَهمَّة تاريخية تُعنى بلم الشمل العربي والدفاع عن قضايا الأمة المركزية، وأبان عن سيادة منتهَكة، وعن قرار خارج مؤسسات الدولة، وتبعية لأجندات تفتيتية تجزيئية.

إن الجزائر اليوم تصنع التاريخ وتكتبه، ولا يهمها من اختار أن يكون على هامش التاريخ.

مقالات ذات صلة