الجزائر
الفنانة بهية راشدي تكشف وجهها الآخر لـ "الشروق":

لم أعتزل لأنني بلا كفيل ولا معاش.. وهذه قصتي مع الإنجاب

جواهر الشروق
  • 35471
  • 0
الشروق
الفنانة بهية راشدي

هي قامة من قامات الفن الجزائري الأصيل، سيدة راقية في فنًها وحديثها وهمساتها وإيماءاتها.. تجربتها في الحياة جعلتها مدرسة نستلهم منها العبر والدروس، ليس في مجال الفن والتمثيل وحسب، وإنما في مختلف تجارب الحياة التي قد تمر بها المرأة، هي السيدة بهية راشدي التي ارتقت ببساطتها وتواضعها إلى مصاف العظماء بعد أن ملكت قلوب محبيها.

 

كيف تقيمين مسيرتك الفنية وهل أنت راضية عنها؟

 أستطيع القول أنني راضية بنسبة 35 بالمائة؟ 

 

 فقط؟

  نعم فقط؟ سأقول لك لماذا، لأن الفنان لا يعمل وحده، فهو لكي ينتج ويقدم تحفة فنية للجمهور يحتاج إلى طاقم، ولن يكون باستطاعة الفنان أن يكون في المستوى نسبيا والأشخاص من حوله دون المستوى فهذا يجعل الصورة مختلة.

 

 أي الأدوار وجدتها قريبة من شخصية بهية راشدي؟

 الأدوار التي قمت بها جميعها كانت تخدم المرأة الجزائرية، وتأكدي أنني أحسها لأننا نعيش في هذا المجتمع.. نحن أفراد منه، ومن المستحيل أن نحس بالسعادة ومن حولنا لا يتنعم ولا يتلذذ بها.

وأقرب الأدوار إلى نفسي دور “صابرة” بدرجة أولى، يليه دوري في “امرأتان”.. كل امرأة، ومن باب التجربة، لا تكتمل أنوثتها إلا حين تصبح أما، ومن باب الخبرة والتجربة أيضا المرأة التي لم تنجب تريد – من قوة الظلم الممارس عليها – أن تلبس لباس الرجل لكي تدافع عن نفسها، فهذه الأدوار جعلتني أتعلم أشياء كنت أجهلها أو ممكن كنت أعرفها، لكن كانت مكتومة في صدري.

 

 ما رأيك في وضع المرأة الفنانة؟

 الوضع يختلف من جيل لجيل، ما بين 1948 و1962 كان عدد الفنانات قليلا، لكن عندهن قيمة، كن متميزات بأخلاقهن وجدارتهن وقدراتهن، ولما تصعد على الركح السيدة نورية أو السيدة وهيبة أو السيدة كلثوم يصفق لهن الجمهور، وكن يفتخرن باللباس التقليدي لمختلف المناطق كن يبلغن رسالة وكن رمزا للجزائر، كانت الفنانة آنذاك تستعمل كل السبل والحيل لكي تقول إننا جزائريون ولدينا ثقافة ولباس وعادات وتقاليد.

من جهة أخرى، كن يعملن بدون مقابل تقريبا، وكن يبعن ممتلكاتهن من أجل إنجاز عمل ما، من بينهم السيدة نورية التي أحبها كثيرا.

أما جيلي فمنهن من لم يدرسن أبدا أي غير متكونات علميا، وفيهن المتخرجات من معاهد متخصصة، والفرق بينهن ليس كبيرا فأغلبهن كن عصاميات.. كنت أتمنى أن يجمع جيل اليوم بين العصامية والتكوين.

حين نريد أن نتعلم.. أبسط شيء أن نسمع لغيرنا، لكن مشكلتنا في هذا العصر أن أغلب الفنانات فيهن عيوب كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولا يتعلق الأمر بكلهن طبعا. فلا يكفي أن تكون الفنانة جميلة أو بارعة في التمثيل.. المهم في كل هذا التربية، فالفنان ثقافة وحضارة وأدب واحتشام وخبرة، وهو يحمل رسالة هي رسالة الضمير المهني، ونعني به أيضا القدوة الرئيسة والسفير للبلد والشعب.

أما فناناتنا اليوم فبمجرد أن تقوم بدور رئيسي تعتقد نفسها نجمة وتنسى أن  المشوار مازال طويلا، ربما بعدها ستسقط في الهاوية.

أغلب الفنانات اليوم للأسف عندما تصبح مشهورة أول ماتقع فيه هو الغرور، والغرور يؤدي إلى الجحيم، وتصبح بعدها فريسة لكل من هب ودب، كل ثعلب على رأسه تاج من ذهب يتبعنه.. هذا غلط.. باختصار فنانات اليوم أغلبهن يعتمدن على التسويق لجسدهن وانحلالهن من أجل البروز.

 

 هذا يحيلنا إلى الحديث عن بطاقة الفنان وأهليتها.. من الذي ينبغي أن يحوزها؟ 

 تطرقنا إلى الموضوع في المجلس الوطني للفنان مع الوزيرة منذ فترة، وتناقشنا حول الفنانين الذين يحق لهم حيازة البطاقة. وأنا أعارض بشدة منح البطاقة المهنية لأي فنان يستقدم سيرة ذاتية بها 5 أو 6 أفلام، حيث يجب منح البطاقة لمن تتوفر فيه الصفات اللازمة مع الاحتفاظ بحق سحبها متى استدعى الأمر ذلك، إذ يمكن أن نتغاضى عن بعض الأخطاء الطفيفة التي قد يسيء بها الفنان إلى نفسه، لكن لما يسيء هذا الأخير إلى وطنه أو يقوم بسلوك غير أخلاقي هنا يجب أن تسحب منه البطاقة. وتمنح البطاقة أيضا لمن يمتلك تكوينا وشهادات، أما في حال عدم توفر ذلك فلابد من إثبات الجدارة على الميدان.

 

 نتطفل قليلا على حياتك الخاصة.. تكفلت بتربية بنتين، حدثينا عن قصتك مع الكفالة؟

 تكفلت ببنتين، هما بنتا أختي الشقيقتين ولكل منهما قصة.. بنتي الأولى اسمها سعاد وهي أم لستة أطفال وجدة منذ فترة، والثانية اسمها صليحة وهي أم أيضا.

سعاد قصدت كفالتها وطلبت من أختي ذلك فقبلت، أما صليحة فلم أنو كفالتها، إلا أنني تعلقت بها بعد ذلك، ولم أستطع فراقها، وكانت من أجمل ما أهدتني أختي. 

المرأة التي لا تنجب مشكلة حقيقية، والتكفل أيضا صعب للغاية، لأن المجتمع لا يساعد، فالأم الطبيعية منحت الحياة لهذا الطفل، لكن الأم التي تتكفل تقدم حياتها لهذا الطفل والتضحية بالحياة أمر صعب جدا.

الأم المتكفلة تعيش صراعا رهيبا في كل يوم يمر، تخشى أن يطالب الآباء الحقيقيون بابنهما فالخوف من المجهول يلازمها دائما.

ابنتي سعاد التي كفلتها جميلة جدا، شقيقتي وافقت على أن أربيها، ولما بلغت 5 سنوات كانت والدتها تخرجها من حين لأخر وتخبرها أنها أمها، وأنا كنت أرفض وأقول لها أنني أمها أيضا وأعترف أنني ربما كنت قد أخطأت، لكني كنت صغيرة جدا ورغبتي جامحة في أن أكون أما، لذا أنصح كل من ترغب في التكفل بأن نقول للطفل الحقيقة مبكرا جدا أو متأخرا جدا، لكن مجتمعنا لا يتيح لنا الفرصة لقول الحقيقة متأخرا ويسبقنا لذلك الجار أو الأهل أو المعلم.

أعود لموضوع سعاد، عاشت البنت في صراع، كنت مثل اللبؤة أقول لأختي إياك أن تقولي لها أنا أمك. في كل سنة كانت سعاد تطلب معرفة الحقيقة وأرفض إلى أن تزوجت، قالت لي أريد معرفة الحقيقة من فمك “من هي أمي الحقيقية” فقلت لها الحقيقة، لكنها صدمت كثيرا فقد كان الوقت متأخرا جدا، وعانت من مشاكل نفسية شديدة، لولا ستر الله.

وفي قصة كفالتي لصليحة استوعبت الدرس ووظفت الخبرة والايجابيات معها، وليومنا هذا صليحة قانعة وسعيدة.

أمور التكفل مثلما تخدم الطفل قد تدمره، لذا على المتكفل والمجتمع أن يعي ذلك ولا يتدخل أحد في الأمر.

 

 لماذا تبنيت الإناث دون الذكور، أم أن الأمر وليد الصدفة؟

 في عائلاتنا الذكور قلائل، من المستحيل أن أطلب ذلك، كما أنني أحب الأنثى، أحس نفسي أقرب إليها، لو مازال في العمر بقية لتبنيت طفلة أيضا.

 

 بعض وسائل الإعلام روجت أخبارا عن اعتزالك وتحجبك، هل هذه حقيقة؟ 

 لالا.. أبدا.. الصحفيون لم يخطئوا معي، قلت إنني أنوي الاعتزال، لأن في فترة ما أهانوا الفنانين، من بينهم محمد راشدي، زوجي، رحمه الله، وصادف أن اتصل بي صحفي فقلت له “إنك تتصل بي وأنا شبه منهارة” وقلت له أيضا “أفكر جديا في الاعتزال وارتداء الحجاب والمكوث بالبيت”.

في لحظة غضب يمكن أن نقول أي شيء، لكن النية موجودة وتبقى تلازمني، وإن شاء الله لن أموت إلا وأنا متحجبة.

ومع هذا فأنا مؤمنة وأخشى الله كثيرا وأراعي ربي في كل ما أقوم به، ولا أؤخر صلاتي، حتى أنني أركن سيارتي وأصلي على حافة الطريق عندما يحين وقت الصلاة وأكون خارج البيت، فأنا أحمل معي دوما لباس الصلاة وحجر التيمم.. هناك أمر آخر لو قلته لك لبكيت، لكن لن أقوله.

 

 قوليه من فضلك؟ 

 أضع في سيارتي إزارا أبيضَ أحتفظ به وأقول لو مت يسترني الناس به.. أرأيت أنا إنسانة مؤمنة وأعرف أن الأجل قد يصيبنا في أي لحظة.. أتمنى أن أموت وسط مجموعة من الرجال.. لا أريد أن تكون المرأة إلى جانبي، لأن الرجل رزين في إيمانه، في حكمته، هذه أمنيتي، أتمنى أن تتحقق.

 

 وبدموع تتهاطل تواصل حديثها..

 لا أحب “الكشفة” سواء كنت صغيرة أو كبيرة، تلازمني دوما فكرة الاعتزال في الوقت المناسب.. تقدم بنا السن ولم نعتزل لأنه لا يوجد من يتكفل بنا.. لا يوجد تقاعد أو معاش للفنان أو ما يوفر له حاجياته اليومية..

 

 معذرة ولكن حجتك قد لا يهضمها الكثير من القراء، فهل يعقل أن فنانة بحجمك لم تدخر ما يعيلها في كبرها؟

 الفنان لا يدخر المال، فالإنسان الذي يعمل مرة في السنة كيف له أن يدخر؟ ثم إن الحجاب لا يمنع أن أواصل عملي كفنانة.

 

 كيف لا يمنع؟

 معناها الأمور التي أرفضها وأنا بالحجاب لن أقبلها وأنا بدونه، مثلا كأن يسند إلي دور المرأة الأرستقراطية التي تدخن السيجارة أبدا لن أؤديه.. أنا عندي تاريخ.. رصيد والله لو تقدم إلي الملايير لن أقبل. أحد المخرجين طلب مني أن أطفئ النور وأنام في الفراش بعد أن أقدم الدواء لزوجي طريح الفراش في الفيلم .. فقلت له”كي تلاقى السماء مع الأرض لن يحدث هذا”.. إذن متحجبة أو غير متحجبة المسألة مسألة مبدأ، وفني ليس للمساومة لو يعطونني مال قارون، ليس لأني بهية راشدي، ووصلت بل لأني جزائرية لي رصيد ولي جمهوري الذي أمثله.

 

 هل تنوين زيارة البقاع المقدسة؟

 من يمكنه الاستغناء عن زيارة مقام ابراهيم الخليل.. أمنيتي أن أعتمر. أهديت لي عمرة من قبل بلدية سيدي محمد في عيد المرأة بمناسبة 8 مارس الفارط، تمنيت أن أعتمر في رمضان ولكن لم يكتب لي ذلك، ربما أذهب في المولد النبوي الشريف.

 

 عشت تجربة صعبة خلال مرض زوجك رحمه الله.. أخفيت عنه الحقيقة وتألمت في صمت، كيف استطعت تحمل كل هذا؟ ولماذا؟

 لعبت عدة أدوار في وقت واحد.. هنا كنت أمثل حقيقة.

البداية كانت مع البروفيسور كيساح في مستشفى مايو بالأمراض الصدرية (أحييها بالمناسبة) كنت أصحبه يوميا إلى مستشفى باب الوادي وأجري له التحاليل، بعدها عرفوا أنه مصاب بالسرطان، بعدها أشارت الطبيبة بأن تتحدث إلي لوحدنا، طلبت من زوجي تركنا لدقائق وعندما خرج قالت لي…

 

هنا تنفجر بالبكاء

 الجملة الأولى قالت لي “زوجك مريض جدا” والثانية “زوجك مصاب بسرطان” الثالثة “لا نستطيع إخضاعه للجراحة، لأن الورم موجود في الغشاء الذي يغطي الرئتين معا، وهو شفاف جدا” رابعا وهي الضربة القاضية والصاعقة “بقي له 3 أشهر ويموت”.. الأجل يعلم به الله، لكن كلامها هذه المرة كان في محله.. قالتها لي في 23 مارس، وفي 23 جوان توفي رحمة الله عليه، 3 أشهر بالتمام.

بقيت كالصنم ولم أستطع البكاء، رددت فقط “مستحيل هذا مستحيل” قلتها ألف مرة في تلك اللحظة، وطلبت مني الطبيبة إبقاء زوجي في المستشفى، ليتلقى بعض المقويات وغيرها، ومكثت معه في المستشفى. وفورا طلبت منها أمرا واحدا، أن لا تبلغه بحقيقة المرض.. فقبلت وقالت “لي لك كامل الحق في عدم إخباره بالأمر”. خشيت عليه أمورا كثيرا كأن يصاب بسكتة قلبية تقتله وتقضي عليه، لا نستطيع التنبؤ برد فعله، فالموت صعب جدا وسماه الله مصيبة.

لقد عاش 20 سنة تهميشا، لم أرد أن أضيف له عبئا، فبقيت أحافظ على هذا الجانب ولم أخبره وقلنا له أن مصاب بالتهابات صدرية.. تصوري ذهب إلى مركز “بيار ماري كوري” أين كنا نزور المرضى، ولم ينتبه لشيء، وبالمناسبة أحيي البروفيسور بوزيد والدكتور كيبوة.

وبقي على يقين أنه لا يعاني من شيء، ولما يتحدث إليه الأطباء ينظر إلي إن كان ما يقولونه صحيحا أم لا.. توفي على الرابعة إلا خمس دقائق.. يوميا في تلك الساعة أقرأ الفاتحة على روحه أينما كنت. 

 

 معذرة لأننا أبكيناك لم نكن نقصد تجديد همومك وآلامك.

 بالعكس حبيبتي أنا أبكي يوميا.. الناس الذين لا يعطونك فرصة لتبكي هم أعداؤك.

 

 رسالتك للمرأة؟

 أنصح فتاة اليوم التي أثبتت وجودها بكفاءتها وبثقافتها وبصرامتها أن تحاول أخذ الدفء من يد المرأة التي مدت لها بالأمس، لأنها قد تصاب ببرودة الزمن والقدر ولا تجد غيرها.. الجيل القادم سيعاقبها إذا خانت الأمانة، إياكن.. وأبناؤكن فلذات أكبادكن.

مقالات ذات صلة