.. لهذا أنا لا أحب المتنبي ولا ابن خلدون
- الحلقة الأولى
- 1 – المتنبي :
- لقد راكم لنا التاريخ العربي للمعرفة، عبر القرون المتلاحقة من تاريخ الكتابة البيانية، جملة من القناعات والإيمانات المغلوطة والخطيرة على الفكر والتفكير، ومن خلال هذا الركام صنع لنا هذا التاريخ صورتين كبيرتين مقدستين تصل إلى حدود التأليه الديني لاسمين، شغلا طبقات الفهماء لقرون طويلة، أحدهما في المعرفة الشعرية وأقصد به الشاعر أبا الطيب المتنبي والثاني في المعرفة العقلانية التاريخية وأعني به عبد الرحمن بن خلدون. والصورة التي صنعها العقل العربي النقلي “العنعني” لهذين العلمين بما تحويه من تقديس وتبجيل وتأليه صورة فوق النقد
- وأكبر من كل مراجعة أو معارضة، حتى بات الإنسان العربي المثقف، جيلا بعد جيل، يقرأ بعقل غيره، ويحكم بمقاييس غيره، ويمدح بلسان غيره، حتى تبدى هذا الإنسان العربي »مغتربا« عن تراثه من حيث أنه يعتقد بأنه يعيش حالة انتماء إليه. لقد حجب التقديس الذي صنعه العقل العربي البياني “الوراثي ” حول هذين العلمين كل نقد وكل مراجعة .
- أقرأ هذا البيت للمتنبي شاعر العرب والعربية الأول فأصاب بالدوار الفكري، يقول مخاطبا سيده ومولاه كافور بعد أن أعطاه كما تقول الروايات ست مائة دينار ذهبا ووعده بـ”ولاية” أو “وزارة” أو “مزرعة”، يقول المتنبي في قصيدة مدح تأليهية طويلة (وتمعنوا جيدا في البيت):
- أبا المسك هل في الكأس من فضل أناله؟، فإني أغني منذ حين وتشرب
- أقرأ هذا البيت الذي يمثل قمة التذلل والحقارة والتملق، وأدعوكم لقراءته جيدا والإمعان فيه، أقرأه وأقول: أهذا هو متنبي الشعر العربي، أهذا هو من تنسب إليه اللغة العربية رمزيا فيقال “لغة المتنبي”؟؟؟
- أعيد قراءة هذا البيت، لشاعر جعل التاريخ الأدبي شعره قريبا من مرتبة “كلام الله”، حجة في النحو والبلاغة والوزن والصورة والمعنى، وأشعر بأننا نحن العرب، والمقصود هنا طبقة المثقفين ومنتجي الأفكار والنصوص
- واللغة، نبني تاريخ ثقافتنا على أسس ” كاذبة ” أو خاضعة لـ ” وراثية ” في الفكر على مقياس الوراثية في الخلافة .
- كثير من المثقفين يملكون في مكتباتهم الخاصة “ديوان المتنبي” وهو متوفر بطبعات عديدة، شعبية وملكية، وهم ينظرون إليه بالعين المبجلة التي رآه بها القدامى بدءا بشيخ المعرة أبي العلاء المعري الذي ألف في شرحه كتابا سماه “معجز أحمد”، ولاحظوا معي كيف يصادر المعري، وهو العقلاني الذي لم يتخلص من ثقافة التأليه، كيف يصادر على قارئه كل فرص الـ”سؤال” انطلاقا من العنوان التقديسي ذي الطعم الديني: “معجز -إعجاز- كلام اللة” “أحمد – المتنبي – محمد – النبي” عنوان “لاهوتي” لقراءة إنتاج بشري.
- واللغة هنا خطيرة تمارس سلطة الديني من أجل تكريس المقدس في الثقافة والإبداع وتلغي المساءلة والشك .
- أقرأ هذا البيت وغيره كثير، وأقرأ في كتاب “معجز أحمد” للمعري “العقلاني”؟؟ (للمعري مواقف خطيرة فيما يتصل بوأد المرأة مثلا، وذاك حديث آخر ليوم آخر ومقام آخر) وأشعر أننا نحن العرب قتلتنا البلاغة
- والبلاغيون، نحن أمة ضحية بلاغتها، وكان المعري هو الآخر ضحية هذه البلاغة العربية فأكد ” نبوية “المتنبي وبالتالي أخرجه من خانة » التاريخي ” .
- أما كان المتنبي ذكيا جدا حين أسقط الفكر الأدبي والإبداعية العربية كلها،
- ولقرون طويلة، ولا تزال الحال مستمرة، أسقطها في نقاش البلاغة والنحو
- وأمراضهما فظل الجميع يردد حكايته مع ابن جني والتي يروى أنه قال له فيها مستهزئا ومستخفا من نحاة عصره وشارحيه الكثر :
- ” أنام ملء جفوني عن شواردها == ويسهر الخلق جراها ويختصم “
- أما جنى المتنبي على اللغة العربية نفسها إذ أصبحنا من خلال هوسنا بالبلاغة والنحو لا نعلم اللغة العربية لمتعلميها بل نعلم لهم “قانون السير” (code de route) للغة العربية. وهذا أمر خطير جدا.
- الآن أتساءل لماذا لا يحب القارئ الغربي شعرنا العربي الكلاسيكي وعلى رأس ذلك شعر المتنبي؟ أقول، وهذا رأيي الخاص وبعيدا عن كل تبرير مستهلك عن استحالة أو صعوبة ترجمة الشعر وهذه أيضا أسطوانة صدئت، أقول لا يتذوق القارئ الأجنبي الشعر العربي، لكون هذا الشعر حمل البلاغة الوصفية أكثر ما حمل الفكر الوجودي بالصورة واللغة، وحين يحمل “فكرا” لا يبرح جغرافيا “المديح” أو “الهجاء” وبيت المتنبي الذي ذكرته أعلاه خير صاعقة، أزيد من 90 بالمائة من شعر المتنبي هو شعر مدح في سيف الدولة وكافور وعضد الدولة والقياد والولاة وأولي نعمته .
- قضى المتنبي حياته كلها لاهثا وراء السلطة والسلطان والمال. قضى حياته باحثا عن منصب “حاجب” أو “وال” أو “رئيس الحاشية”، لم تكفه سلطة البيان والشعر والبلاغة، بل كان يرغب في سلطة المال والسياسة فوظف خطابه الشعري لذلك. لم يكن معارضا ولا متمردا (بمفهوم لغة عصره) بل كان على أعتاب السلطان يدلق قلمه في حبر المذلة والمهانة والتملق، ما كانت له شجاعة بشار بن برد أو أبي نواس المسكونين بحيرة الوجود لا حيرة ” الجيب ” ، وهذا أبو نواس يقول :
- يا ناظرا في الدين ما الأمر لا قدر صح وجبر
- ما صح عندي من جميع الذي يذكر إلا الموت والقبر
- لهذا استرجع في هذا المقام قصة وموقفا: قصة البروفيسور جمال الدين بن الشيخ وموقف الشاعر الكبير سعيد عقل. حدثني جمال الدين بن الشيخ يوما (كان ذلك ذات ماي 1995 وهذا مسجل في الحلقة التي استضفته فيها بباريس ببيته لبرنامج أقواس الذي كنت أعده وأقدمه للتلفزيون الجزائري) أنه ذهب إلى دمشق لإعداد بحث عن المتنبي وبعد أن قرأ شعره تركه ليسقط في حب بشار بن برد، الآن وأنا أعيد قراءة ديوان المتنبي أدرك لماذا اختار جمال الدين بن الشيخ، وهو الشاعر والجامعي والمفكر والمترجم، لماذا اختار بشار بن برد وتخلى عن المتنبي. أما موقف الشاعر سعيد عقل من شعر المتنبي فكان واضحا، فهو يعتبر أنه من العيب على العرب اعتبار المتنبي الذليل والمتملق والمتسلق شاعر العربية، إن شاعرا ذليلا وسعيدا بمذلته لا يمكنه أن ينتج شعرا إنسانيا، والشعر وجود وكرامة وجود، كما أن هجاءه لكافور لم يكن مؤسسا على موقف إنساني أو حضاري عميق، بل كان ناتجا عن فكر ” عنصري ” متحجر، ضد الإنسان الأسود .
- وأنا أستعيد المتنبي اليوم أشعر أن هذا الشاعر الذي وضعه العرب في مرتبة “الأنبياء” شاعر غير مقروء، فلو قرأه العرب المعاصرون لأعادوا تقييمه وأعادوا ترتيبه، ولكن المثقف العربي مثقف لم يتخلص بعد من “مصيبة”، “القراءة الغائبة” أو “القراءة بالوكالة”، إن علاقة المثقف العربي بالمتنبي هي علاقة ” احتفاء ” خارجي وليست علاقة ” قراءة ” ومساءلة .
- يحتاج تاريخ معرفتنا الثقافية والأدبية، كما يحتاج تاريخ مثقفينا
- ومبدعينا إعادة قراءة على ضوء مقاربة جديدة، بعيدة عن النمطية
- والكليشيهات الثقافية اللغوية التي لا تحمل نقدا ولا رؤية مغايرة، بل تكرس فكرا نمطيا، يعادي كل أسئلة الإحراج المعرفية .
- الحلقة الثانية
- لهذا لا أحب ابن خلدون
- .
- “أعز ما يطلب، السلطة”:”العلاّمة” هكذا سماه القدامى وسار على هذه التسمية المحدثون وكذا أيضا سماه الأديب الوزير بنسالم حميش في روايته “العلاّمة” التي حصل بها على جائزة نجيب محفوظ 2002 .
ولكني حين أعود لقراءة السيرة الذاتية والسياسية والمهنية لعبد الرحمن بن خلدون يتحرك في داخلي نوع من الاشمئزاز والقنط تجاه مسار مثقف كبير في الفهم
والفهوم صغير ومكسور تجاه السلطان والأنظمة التي خدمها أو بالأحرى عبدها ولم يستعمل حاسة العلم لديه لنقدها أو معارضتها أو مقاطعتها، فإذا كان المتنبي قد أشفى غليله في ذم كافور الإخشيدي بعد أن كان يتمنى أن يشرب قليلا من “حثالة” كأسه، فحتى مثل هذا الموقف الفارغ وأيضا الخارج عن سياقه التاريخي والسياسي لم يصدر من ابن خلدون وهو الرجل العقلاني “الفهّامة العلاّمة”.
لقد خدم ابن خلدون الجميع وركع للجميع وبرر للجميع مواقفهم إن كتابة أو صمتا أو هروبا “اعتكافيا” وقضى للجميع حاجته وقضى من الجميع حاجاته الصغيرة، في كل المواقع التي تولاها وفي كل الأنظمة المتناقضة والمتقاتلة والمنقلبة على بعضها بعض كان دائما المثقف الذليل، حاجبا وقاضيا ودبلوماسيا وفقيها وكاتب ديوان:
من سلطان فاس
إلى سلطان بجاية
إلى سلطان تلمسان
إلى سلطان غرناطة
إلى سلطان تونس
إلى سلطان مصر
إلى الغازي التاتاري تيمورلنك الأعرج…
من سلطان إلى آخر، وكم كانت بين هؤلاء السلاطين في المغرب الإسلامي من صراعات وضغائن وصلت حد الاقتتال والتآمر على بعضهم البعض وقتل بعضهم لبعض، وتأييد معارضيهم وتأليب أعدائهم عليهم من إخوتهم أو أعمامهم وأبنائهم، وفي كل ذلك كان عبد الرحمن بن خلدون في ظل “السلطة” يخدم المنتصر من موقعه “في القضاء
والعدل والحجابة والمشورة؟؟؟” أي عدل وأي قضاء وأية مشورة لسلاطين همهم المال
والتآمر والبقاء ولو على حساب البلد والعباد والدين؟.
وهو، أي ابن خلدون، بين مؤيد لهذا الأمير ثم مؤيد لأخيه أو ابن عمه أو ابنه المنقلب عليه كان مقتنعا بتبعية المثقف للسلطان، والكلام على لسان ابن خلدون نفسه:
“اعلم أن السيف والقلم، كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره” .
أعود، اليوم، إلى قراءة سيرة ابن خلدون السياسية والمهنية لأنها تعطينا صورة سلوكية عن العلاقة التاريخية للمثقف العربي والسلطة، ويمثل ابن خلدون نموذجا لمثل هذه الحالة المرضية التي تحكم علاقة السلطان بـ”الفهمان”، وأنا أعود إلى هذه السيرة أتساءل: كم من الوقت أعطاه ابن خلدون من عمره للعلم؟ يبدو لي أن ابن خلدون كان يعود إلى خلوته العلمية فقط عندما يشعر بمضايقات أو يعزل أو يهمش، فوقت العلم كان لديه عبارة عن هامش هروب سيكولوجي تعويضي وليس ذلك الهم الأساسي المركزي، فخلوته مثلا في تلمسان بالعباد عند مقام سيدي بومدين الغوث كانت هروبا من مضايقات السلطان عبد العزيز وحاشيته. كما أن خلوته في بني سلامة بضواحي فرندة (تيارت) التي دامت أربع سنوات والتي أنتجت جزءا من كتابه “المقدمة وكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” هي خلوة هروبا من السلطان أو بالأحرى انتظار عودة أخرى إلى بلاط آخر وغالب آخر أو قاتل آخر.
لم يصرف ابن خلدون من عمره في خدمة العلم عُشُرَ ما قدمه من وقته للسلاطين
والقتلة والمنقلبين على بعضهم البعض والمهزومين والدمويين. حاولت وأنا أتتبع سيرة ابن خلدون أن أحصي بعض تلك الـ “فترات العالِمَة” التي صرفها ابن خلدون في الكتابة والتأليف والإملاء فلم أجد من هذا الوقت إلا بعض سنوات: أيام العباد
وسنوات بني سلامة وأيام السجن بفاس والأيام التي قضاها بين تنحية وأخرى من منصب قاضية المالكية في القاهرة وأيام قضاها في كتابة تقرير لتمورلنك عن المغرب الذي كان يرغب في غزوه وبعض الخلوات الأخرى.
إن شهية السلطة وألقها وفتنتها جعلت عبد الرحمن بن خلدون يتنكر ولا يذكر حتى أخاه يحيى بن خلدون الذي كان مؤرخ بني عبد الواد وهي غيرة قاتلة من كون هذا الأخ قد تربع على “حجابة” أمراء تلمسان حتى وإن كانت نهاية يحيى بن خلدون نهاية مأساوية إذ اغتيل شنقا في أروقة القصر الذي كان فيه ذات يوم قريبا من الأسياد عالما مؤرخا.
كما أن خلافه وخصامه مع “صديقيه” الأديبين ابن مرزوق وابن الخطيب كان سببه السلطة والتفرد والانفراد بالمنصب العالي والحظوة الأميرية.
اقرؤوا معي ما يقوله ابن خلدون وهو يصل إمارة بجاية متلهفا لأرقى وظيفة لدى أميرها أبي عبد الله: “… وفعلا ما دخلتها (أي بجاية) حتى نلت منه ما ابتغيت، قضيت وقتا في الحجابة؟؟؟ ويا ما تعاظمت في هذا المنصب وتبخترت، حتى نبراتي الصوتية تصلبت وتسلطنت وأوداجي امتلأت وانتفخت وإشاراتي تعجرفت واحتدت. وكيف لا تحصل لي هذه التحولات وأخرى وأهل الدولة أصبحوا يباكرون بابي،
والهامات والظهور أضحت تنحني أمامي، وأمارات الأبهة تحوط سيري وقعودي.”
أما في القاهرة فقد عاش أيامه فيها تحت سلطة الأمير برقوق الذي فسدت الدنيا فسادا كبيرا في ظل حكمه، ولمعرفة قليل من فساد هذا الزمن علينا أن نعود لقراءة كتاب جريء ونبوي لقاض وفقيه مغاربي جزائري آخر تولى القضاء المالكي بدمشق
وأعني به “ابن محرز الوهراني” وأما الكتاب فهو “منامات الوهراني”. عاش ابن خلدون تحت حكم برقوق قاضيا تارة ومفصولا تارة أخرى لخمس مرات على التوالي،
وفي كل إبعاد كان ينتظر العودة ثانية حتى مات وهو ينتظر، ولكم كانت رغبته قبل موته كبيرة في العودة إلى فاس حيث زوجته وابنته ولكن حب السلطة كان أكبر من حب الوطن والزوج والبنين والدين، فيروي أن ابن خلدون كان لا يخرج للحج في كثير من المرات انتظارا لتعيين في منصب، لذا كان يؤدي الحج “وهما” في مكانه دون رحيل وهو في ذلك ينتظر رأي السلطان وتقريبه أكثر ولا يريد أن يغيب عن عينيه ولو لزيارة الكعبة الشريفة وقبر الرسول (ص).
ومات وهو ينتظر وفي قلبه شيء من السلطة وهو القائل:”الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جمع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية والملاذ النفسية”.
باحثون كُثرٌ جعلوا من ابن خلدون بطلا حربيا ودبلوماسيا “لا يشق له غبار”
و”تكتيكيا” لا مثيل له في الدهاء ومثقفا شجاعا ومحاورا مناورا وهلم جرا من أوصاف التبجيل والتقديس، كل ذلك وهم يسوقون حكاية لقاء ابن خلدون بتيمورلنك الأعرج وهذا الأخير بجيوشه على مشارف أسوار دمشق محاصرا لها قبل غزوه لها
والتنكيل بأهلها. لكن ما الذي فعله ابن خلدون في هذا اللقاء؟ هل استطاع أن يصد الغزو؟ هل استطاع أن يوقفه؟ هل استطاع أن يقنع تيمورلنك الأعرج وجيوشه الغازية من وقف التقتيل والتخريب والسبي؟ هل استطاع أن يخفف من قسوة الغزو وذلك أقل الإيمان؟ لكن الوقائع تقول غير ذلك فلقد تحول ابن خلدون في لقائه بتيمورلنك الأعرج إلى “جزء” من حاشيته:
اسمعوا كيف يخاطب ابن خلدون تيمورلنك الأعرج:
“أيدك الله، إلى اليوم ثلاثون أو أربعون سنة وأنا أتمنى لقاءك، لأنك سلطان العالم،
وملِك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر في الخليفة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور الجزاف، فإني من أهل العلم….”
يروى أن تيمورلنك الأعرج عندما عرف من أن من بين الوفد الذي جاءه إلى خيمته المضروبة على أبواب دمشق عالما مغربيا طلب منه، وعلى وجه السرعة، أن يعد له “تقريرا” تفصيليا عن بلاد المغرب الإسلامي رغبة من تيمورلنك غزو هذه البلاد ومد سلطانه عليها، وهو بالفعل ما قام به ابن خلدون. وبعد هذا اللقاء الذي اعتبره البعض تاريخيا، كان حلم ابن خلدون لو أنه يرافق تيمورلنك إلى سمرقند، إلا أنه عاد إلى القاهرة محملا بكثير من الهدايا التي منحه إياها تيمورلنك الأعرج والتي جعلته عرضة للشبهة السياسية في القاهرة بعد وصوله إليها. فأية شجاعة وأية دبلوماسية وأي ذكاء في لقاء ابن خلدون بتيمورلنك الأعرج؟ لقد تكللّ حصار دمشق بغزوها
وأفسد فيها الغازي التتاري فسادا وسبا النساء وخرب المباني والأملاك وتجبر واستكبر.
لقراءة تاريخ علاقة المثقفين العرب والمغاربيين بدواليب السلطة ومطابخها، علينا العمل على تفكيك الرموز التي تملأ رؤوسنا وكتبنا وقلوبنا، ثقافية كانت أو دينية،
وتخليصها من التقدسية وسحبها وبجرأة إلى تاريخيتها وذلك بإعادة قراءتها دون خوف أو حرج أو إحساس بالندم، فالتأسيس لتاريخ المثقف النقدي لا يمكنه أن يتشكل وبشكل نقدي إلا إذا تمت تصفية الذاكرة الجماعية من معطلات وأعطال قائمة على الإيمانية المطلقة، تلك الإيمانية التقديسية التي تعمل على نقد ما قد يمس “ما أراده البعض”، عبر التاريخ، تبريرا لغلبة جناح على آخر.
علينا اليوم، على المستوى الفكري والثقافي والرمزي، أن نتحلى بجرأة النقد العارف غير المغرض والبعيد عن الحسابات الشخصية العابرة، نقد بدوره يجب أن يكون مؤسسا داخل بنية فلسفة لقبول النقد المضاد. وحين أردت من خلال هذه الورقة طرح رمزين ثقافيين للنقاش والمراجعة وهما المتنبي وابن خلدون كنت أبحث عن طريق أخرى لإعادتهما إلى حظيرة التاريخ التي هما منها ولها وفيها. إنهما غير مقدسين
وإنهما ليسا من صناعة خارجة عن صناعة السياسة والذات وشئون الحال، فابن خلدون وهو قاضي المالكية بالقاهرة كان إنسانا يعيش يومه اليومي بكل ما فيه من حلم وانتكاس وما في النفس الإنسانية من شغف ورغبات وقد قال عنه ابن حجر العسقلاني في كتابه (رفع الإصر عن قضاة مصر) ما يلي:”إن ابن خلدون تبسط بالسكن على البحر، وأكثر من سماع المطربات ومعاشرة الأحداث، وتزوج امرأة لها أخ أمرد ينسب للتخليط، فكثرت الشناعة عليه هكذا قرأت بخط جمال البشنيتي في كتابه القضاة”.
علينا كي نتقدم في تاريخنا بكل حرية ومسئولية، علينا أن نُعيد الرموز إلى التاريخ وأن نخلصها من الغوغائيين ومن التأليهيين على السواء، كي تظل في رموزيتها الصادقة والمفتوحة على الديمومة وعلى القراءات المتعددة وعلى الخلود أيضا.