الجزائر
متاحف مهجورة..رموز مجهولة وأحداث ابتلعها النسيان

لهذه الأسباب لا يحب التلاميذ مادة التاريخ!

الشروق أونلاين
  • 10483
  • 41
الأرشيف

رغم الجهود التي تبذلها الجزائر لثمين الأحداث التاريخية والحفاظ على الذاكرة الجماعية، ومكتسبات الثورة التحريرية وتاريخها الحافل بالبطولات والتضحيات، ورغم الميزانية الضخمة التي تخصصها الدولة سنويا لوزارة التربية لتدريس التاريخ لجيل اليوم، غير أن التلاميذ لا يعرفون من التاريخ الجزائري إلا بعض التواريخ، في ظل عجز الأساتذة في نقل التاريخ من مادة تدرس بين جدران المؤسسات التربوية لثقافة راسخة في أذهان الأطفال، فماهي الأسباب التي جعلت تاريخ الجزائر الحافل حبيس المذكرات والأقسام المدرسية، ولماذا عجزت الجزائر في تعريف أبطال الكفاح ورموز الثورة لجيل اليوم..

أكد عدد كبير من تلاميذ الطور المتوسط والثانوي في استطلاع قامت به الشروق في بعض المؤسسات التربوية، أن مادة التاريخ هي المادة الأولى التي يتمنون إلغاءها من المقررات الدراسية، باعتبارها لا تمثل أي أهمية، بالإضافة إلى شعورهم بالنعاس و”الضجر” أثناء دراستها، لاعتماد الأساتذة على أسلوب السرد النظري. 

كشف بعض التلاميذ أنهم تمنوا زيارة بعض المتاحف التاريخية في إطار الرحلات المدرسية، للوقوف على معاينة بعض الأحداث التاريخية بالصوت والصورة، غير أن طريقة تدريس مادة التاريخ لم تعد تستهويهم، حيث أكد العديد منهم أنهم يضطرون إلى حفظ بعض الأحداث التاريخية للإجابة على أسئلة الامتحانات، ومن ثم تدخل هذه المعلومات في طي النسيان. 

وفي هذا الإطار انتقد مدير متحف المجاهد الدكتور مصطفى بيطام تهميش المتاحف من طرف المدارس والمؤسسات التربوية، لنقص التوعية والتحسيس وعدم اهتمام وزارة التربية بتسطير برنامج خاص للربط بين تعليم مادة التاريخ في الأقسام بالاستعانة بالمتاحف. 

قال الدكتور بيطام، إن نقص الزيارات المنظمة للتلاميذ في المناسبات والأعياد الوطنية لا يشجع تلقين المعلومة التاريخية، ولا يخرج التاريخ لدى الطفل من النظري لما هو مجسد أمام عينيه، وكشف أن عزوف الجزائريين عن متاحف التاريخ”أمر لا ننكره”، وأشار أن الزيارة من طرف الزوار يومية وفي كل وقت، غير أنها محتشمة، مشيرا إلى أن إدارة  المتحف اهتدت مؤخرا لوسيلة تستقطب بها المهتمين بالتاريخ وتلاميذ المدارس من خلال تنظيم حصة عنوانها “مع التاريخ”، تناقش من خلالها مرحلة من مراحل تاريخ الجزائر أو معركة، مع مختصين ودكاترة وباحثين والحصة تعرض داخل المتحف. 

 

قطيعة بين المتاحف والمؤسسات التربوية

هل خدمت المتاحف التاريخية المنظومة التعليمية والتربوية في الجزائر؟، وهل يستفيد التلاميذ عبر المدارس الوطنية من زيارة المعارض التاريخية والمواقع الأثرية، ولماذا بقي التاريخ كمادة تدرس بين جدران المؤسسات التربوية في حين تجسده المتاحف والمعارض أمام أعين الزوار؟ 

أسئلة طرحتها “الشروق” على زوار بعض المتاحف بالعاصمة “يحسبون على الأصابع”، كانوا يتجوّلون في متحف المجاهد خلال الأسبوع الأخير للعطلة الشتوية، غير أن الإقبال كان محتشما للغاية. 

لدى دخولنا متحف المجاهد، والذي يقع في مكان يرتاده الكثير من الجزائريين،”بهو رياض الفتح” وجدنا حوالي 5 أطفال فقط كانوا رفقة أوليائهم، في غياب تام للشباب والمؤسسات المدرسية والجمعيات. 

قصدنا أيضا متحف الجيش الذي يبتعد عن متحف المجاهد بـ500 متر فقط،  أين كان الإقبال ضعيفا ومحتشما في عز العطلة الشتوية، حيث لم يتعد عدد الزائرين الـ6 أشخاص.. 

 قصر الرايس حميدو بساحة الشهداء، الذي يعتبر معلما تاريخيا ينقل من خلال هندسته المعمارية، وزواياه حقبة تاريخية مرت بها الجزائر قبل دخول الاستعمار الفرنسي، غير أن هذا المتحف أيضا كان شبه فارغ. 

وفي حديثنا مع أعوان الاستقبال على مستوى هذه المتاحف، أكدوا أن الرحلات المدرسية شبه منعدمة، ما أثر على تدريس مادة التاريخ على التلاميذ. 

 

دحماني: “لهذه الأسباب فشلت المدارس في تلقين التاريخ”

كشف الأستاذ دحماني مدير معهد الدراسات التاريخية عن وجود خلل في المنظومة التربوية في تدريس مادة التاريخ، ماجعلها بعيدة عن اهتمام التلاميذ وحتى الأساتذة، حيث لا تعطي أهمية للزيارات الميدانية  للمتاحف، رغم أهميتها في العملية التربوية، وقال دحماني إن زيارة المتاحف بالنسبة للأجيال الصاعدة كتلاميذ المدارس، أكثر من ضرورية للوقوف على الأحداث التاريخية المجسدة والمجسمة في صور تختلف عن النص المكتوب في كتب المؤسسات التربوية. 

قال المتحدث إن المتاحف تعطي صورة أوضح للأهداف التاريخية من خلال وسائل العرض المختلفة، وتسمح باكتشاف معارف جديدة بطرق مختلفة عن تلك المعتادة في الأقسام.

ويرى الأستاذ دحماني أن التطور الرقمي الذي عرفته التكنولوجية الحديثة في مجال نقل المعلومات ودخول “الميلتيميديا” واعتماد مختلف تقنيات التصوير والمجسمات ووسائط العرض السمعية والبصرية التي أصبحت معتمدة في المتاحف والمعارض، والحل في رأيه يكمن في التنسيق مع مختلف الهيئات المسؤولة من مدارس ومعاهد التكوين والهيئات المهتمة بالذاكرة عموما، من خلال برمجة الزيارات الميدانية ضمن المنظومة التكوينية والتعليمية.

 

الجزائريون لا يعرفون من صنعوا تاريخهم

للدكتور محمد الهادي بوطارن، المدير السابق للمدرسة العليا للأستاذة، رأي مخالف، فيما يخص أسباب عزوف الجزائريين عن المتاحف التاريخية وعدم مبالاة المؤسسات التربوية ومعاهد التكوين بذلك، حيث قال إن المتاحف والمعارض الأثرية والتاريخية في بلادنا شبه مهجورة، وهي خالية على عروشها، والسبب حسبه نقص ثقافة تقديم الخدمات والفندقة والتي تحيط بالمتحف حتى يجلب إليه الزوار ومنهم الأجانب، مشيرا إلى أن تنظيم الرحلات نحو المتاحف عبر الوطن يجب أن يبدأ من الاهتمام بالسياحة وخدمة الزبون أينما كان.

واستغرب المتحدث لوجود طبقة متعلمة لا تعرف شيئا عن التاريخ وتجهل أبطالا وزعماء ثورة التحرير الوطني، مؤكدا أنه حضر في أحد اللقاءات تفاجأ بأستاذ لا يعرف من يكون “ديدوش مراد”.


وزارة التربية مطالبة بإدراج الرحلات للمتاحف في برنامجها

 دعا أحمد خالد رئيس جمعيات أولياء التلاميذ في تصريح للشروق، إلى إدراج رحلات نحو المعارض والمتاحف التاريخية ضمن البرنامج التربوي للمؤسسات التعليمية على أن تكون هذه الزيارات كجانب تطبيقي وتجسيدي للدروس التاريخ، وقال إنه يتم التحضير لندوة وطنية حول تدريس التاريخ، من المفترض أن تنظم شهر مارس القادم في مدينة وهران، وحمّل المتحدث مسؤولية تجاهل بعض المؤسسات التربوية لأخذ تلاميذها للمتاحف والمعارض التاريخية، لمسؤولي جمعية التلاميذ، الذين حسبه لا يطالبون بزيارات للمتاحف ضمن البرنامج الدراسي.

قال خالد أحمد، إن بعض المؤسسات التعليمية لا يهتم مديريها بالجانب الترفيهي والنشاطي للتلاميذ، مؤكدا أنه يعرف بعض المدارس لم تنظم ولا زيارة واحدة للمتاحف، وهذا شيء خطير في الوقت الذي تنادي الدولة لإحياء الذاكرة الجماعية والاهتمام بأحداث الثورة.

أكد أن المسؤولية يتحملها الجميع، وعلى الوزارة أن تأمر المؤسسات التربوية بإدراج الزيارات للمتاحف التاريخية وغيرها من المتاحف، مشيرا إلى أن وزيرة التربية بن غبريط كشفت منذ أيام عن تغيير كتابة المناهج، وبالمناسبة فإن ذلك يجب حسبه أن يأخذ بعين الاعتبار الجانب التاريخي للجزائر كبناء لشخصية الفرد، وفي ظل الثوابت العربية والإسلامية، وتغيير منهج التاريخ من خلال أشياء حية كشهادة المجاهدين وأثار المعارك والبطولات وزيارة المتاحف والمعارض المهتمة بالذاكرة.

 

وزارة المجاهدين ترى بمنظار التفاؤل

للأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين، سعيد عبادو نظرة تفاؤلية حول المتاحف ومعارض الذاكرة في الجزائر، مؤكدا أن هذه الأماكن عرفت إقبالا ملحوظا في الآونة الأخيرة، وأصبحت الزيارات عن طريق أفواج يقودها مرشد، حيث يرى أن معرض الذاكرة بحديقة التسلية ببن عكنون شهد اهتماما من طرف بعض تلاميذ المدارس والطلبة والباحثين، وحتى الأشخاص العاديين، وأصبحت التكنولوجية وتعدد المعلوماتية وسيلة عصرية تتماشى واهتمام الجيل الصاعد، وأشار إلى أن المعرض فضاء مفتوح تسعى وزارة المجاهدين، أن يستقطب الباحثين والطلبة والتلاميذ والأساتذة، وسيتم انجاز معارض أخرى بطريقة عصرية في كل من قسنطينة وهران وورڤلة.

 

معرض الذاكرة.. إغراءات وألعاب لاستقطاب التلاميذ

 يسمح معرض الذاكرة الذي صممّه المخرج السعيد عولمي باستكشاف ومعرفة تاريخ الجزائر من 1830 إلى 1962والتعمق فيه عبر مختلف الأزمنة، هدفه صيانة الذاكرة الجماعية والحفاظ على الوحدة الوطنية، حيث أوضح عولمي للشروق، أن المعرض عبارة عن فضاء معرفي بيداغوجي وظفت فيه التكنولوجية، يسهل إيصال المعلومة التاريخية للطفل، ويجعله يتفاعل مع محطات تاريخية عن طريق 100شاشة الكترونية، وتميز المعرض مصممه بفضاء للطفل تنظم فيه مسابقة بعنوان”اعرف تاريخك” وهي لعبة تفاعلية تحوي 500 سؤال، ونادي للشباب ومكتبة الذاكرة وكذا فيلم الذاكرة وشهادات مسجلة لمن صنعوا ملحمة الجزائر، فضلا عن فضاء الهبات، مكون من وثائق وألبسة ووثائق استرجعت من المواطنين وفضاء الندوات وعروض الأفلام.

قال المخرج سعيد عولمي، إن محتوى المعرض جاء بشكل جذاب متطور و عصري وباستعمال “الملتيميديا” والخرائط التفاعلية، مساحته تقارب الـ 300 متر مربع، ينقسم لفضاء موضوعاتية في محورين الأول “تاريخ وذاكرة” والثاني “الذاكرة في نظرات متقاطعة” وجناح مخصص لـ”كرونولوجيا الأحداث” مختلف المقاومات الشعبية والحركة الوطنية الثورة التحريرية مع التوقف عند أهم الأحداث التاريخية الكبرى.

وأضاف في سياق ذلك، أن زيارة المعرض تختم بفيلم من 6 دقائق عنوانه”ثمن الحرية” ويرافق المرشد فوجا من 20 زائرا.

ومن خلال التحقيق الذي قامت به الشروق، تبين أن المتاحف التاريخية موجودة وأصبحت تواكب عصر التكنولوجية، وتطور لدرجة تجعلك تعيش الماضي والحاضر معا، لكن حفظ التاريخ لدى الأجيال الصاعدة بقي ضعيفا، ويتعلق بالزيارات المنظمة من طرف المؤسسات التربوية، والمراكز التكوينية، وما بقي إلا للوزيرة بن غبريط من خلال إعادة النظر في البرامج التعليمية أن تعيد صياغة تدريس التاريخ وربط ذلك بالزيارات الإجبارية للمتاحف التاريخية وغير التاريخية.

مقالات ذات صلة