لهذه الأسباب يصنّف الجزائريون الأحسن معيشة في إفريقيا
تباينت أرقام الفقر والثراء في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، واتسعت الهوة بين الفقراء والأثرياء بشكل أكبر بعد سنة 2014، بسبب أزمة النفط ونهاية زمن “البحبوحة” التي كان ينعم بها الجزائريون، فتزايد عدد المعوزين أمام حجم الميسورين، فبدأت تختفي ملامح الطبقة المتوسطة، ورغم ذلك لا تزال التقارير الدولية تصنّف الشعب الجزائري ضمن قوائم الأحسن معيشة في إفريقيا، فما الذي يجعل الجزائري مرتاحا اجتماعيا؟
يُصنّف تقرير صادر عن البنك الدولي خاص بـ”المستوى المعيشي لسنة 2019″ و”الدخل الفردي لسنة 2020″ الجزائر في المرتبة الأولى إفريقيا، من حيث الأريحية المالية، مؤكدا أن المواطن الجزائري ينعم بميزات خاصة تجعل حياته مرتاحة مادّيا، مقارنة مع غيره من شعوب القارة السمراء.
ورغم غياب أرقام دقيقة ومعطيات رسمية، إلا أن خبراء الاقتصاد يجمعون على أن عملية إحصائهم تتطلب هذه المرة إدراج تقنيات علمية وحديثة من أجل الحصول على معلومات دقيقة حول المستوى المعيشي للجزائريين، وضمان توزيع عادل لريع الدعم مستقبلا، والذي تعتزم الحكومة توجيهه للفقراء فقط.
من هم الأثرياء في الجزائر؟
ثروات بالمليارات… مجوهرات ثمينة، سيارات فارهة، منازل فخمة مجهّزة بمسابح، وعقارات داخل وخارج الوطن، استثمارات وأرقام أعمال و”بزنس” مرتفعة، هي مواصفات عامة لنمط معيشي قد يصعب الاطلاع عليه بشكل أدقّ إلا من خلال عمل استقصائي ودراسات معمقة، يقول الخبير الاقتصادي إسحاق خرشي، مردفا أن “إحصاء عدد الأثرياء في الجزائر وتقييم حجم ممتلكاتهم ومصادر ثرواتهم، يتطلب تحقيقات ميدانية من قبل مختصين وخبراء”.
وفي السياق، يؤكد خرشي أن معرفة حجم المبالغ المالية والأملاك المنقولة، تحتاج إلى تحقيقات ميدانية لوضع تقارير مفصلة حول نمط العيش في الجزائر والمستوى المادي حسب الطبقات الاجتماعية، إذ يتصدر قائمة الأثرياء في الجزائر رجال الأعمال والمستثمرون الذين جمعوا ثرواتهم خلال نشاطهم في عدة مجالات اقتصادية، أهمها الصناعات الغذائية والاستيراد والتصدير.
وتستقطب المدن الكبرى في الجزائر، على غرار العاصمة ووهران وعنابة، شريحة معينة من الجزائريين “الأثرياء” نظرا لتمركز أهم المنشآت الاقتصادية بها، وكذا الموانئ والنشاطات الصناعية التي تعتبر المصدر الأول لثرواتهم، حسب الدكتور خرشي، إلى جانب ذلك، أرجع المتحدث تصنيف الجزائر العاصمة كأهم مدن العيش، لانخفاض تكلفة المعيشة، مقارنة ببعض الدول، من حيث تكلفة الخدمات الأساسية، كالأكل والإيجار والنقل، لتوفر مصدر الطاقة والغاز المدعم، كما يرى المختص أنها مناخ جيد للبعض من أجل جمع مبالغ طائلة في أرصدتهم وأسهم شركاتهم.
ارتفاع نسبة البطالة وتآكل الطبقة المتوسّطة
بالمقابل، يصرح الخبير الاقتصادي، كمال ديب لـ”الشروق”، أن التصنيفات التي تعتمدها بعض المنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة، في تحديد مستوى المعيشة للدول والشعوب تخضع لعدة معايير، والتي جعلت الجزائر تتصدر قائمة تلك البلدان من حيث رغد العيش.
وأوضح ديب أن استفادة شريحة واسعة في الجزائر من الدعم هو في حد ذاته أحد أهم أسباب تحسن المستوى المعيشي رغم ارتفاع نسبة البطالة وقلة الراتب، إلى جانب اعتبارات أخرى تتعلق بالتنمية البشرية منها مستوى التعليم، فعكس أغلب الدول الإفريقية توفر الجزائر تعليما مجانيا وإجباريا في سن 6 سنوات، وكذا نسبة الأمية، وغيرها من متطلبات الحياة الأساسية ومستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية.
بالمقابل تأسف المتحدث لعدم وجود برامج فعالة في توجيه ميزانية الدعم، قائلا أن مبلغ 19 مليار دولار يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء، مقترحا إنشاء بطاقة تموين الكترونية خاصة بالدعم تحدد نسبة استفادة كل فرد بطريقة عادلة.
من جهته، يرى البرلماني، كمال بن خلوف، أن “الحقيقة بعيدة كل البعد بخصوص بعض التقارير حول مستوى معيشة الجزائريين، رغم تصدر الجزائر كأحد أهم مدن العيش في العالم”، لاتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، حيث “تتمتع فئة معينة بمقومات العيش الرغيد، تقابلها فئة أخرى تسعى لتوفير متطلباتها الأساسية بشق الأنفس، وذلك ما نراه يوميا في الأسواق الشعبية، أين يلجأ المواطن البسيط الذي لا يتجاوز دخله الشهري 40 ألف دينار، لاقتناء مستلزماته الأساسية بأرخص الأسعار”.
بالمقابل، دعا بن خلوف إلى البحث عن آليات لخلق فرص عمل وتحسين مناخ الأعمال الاقتصادي، وإنتاج فرص قوية للعمل، ورفع نسبة الدخل الفردي، وتحقيق العدالة في توزيع ريع الدعم الذي يعادل ميزانية دول بأكملها، وتوجيهه حسب ما تنص عليه المادة 187 من قانون المالية لسنة 2022، مضيفا أن “ميزانية الدعم التي تقارب 20 مليار دولار، 70 بالمائة منها يلتهمها الأغنياء والشركات الأجنبية على حساب الفقراء”.
وغير بعيد عن ذلك، تكشف المختصة في علم الاجتماع صبيحة بوخدوني عن وجود شريحة كبيرة من الجزائريين تحت خط الفقر، بسبب ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، الأمر الذي نتج عنه عدة آفات اجتماعية وأمراض مختلفة منها فقر الدم وسوء التغذية.
وتقول بوخدوني أن الدعم الذي تقدمه الدولة في الجزائر يساهم بنسبة ضئيلة في تحسين مستوى معيشة الفرد، معتبرة ذلك مجرد سياسة آنية وحلول ظرفية، تعمل على خلق مجتمع اتكالي غير منتج، مقترحة العمل بجدية على فتح مؤسسات استثمارية للتوظيف واستغلال الطاقات الشبانية المنتجة في جميع القطاعات لخلق مجتمع منتج، وإخضاع المستفيدين من قروض وكالات التشغيل والاستثمار الخاص بالشباب لتدريبات وتربصات قبل منح مبالغ مالية من خزينة الدولة لإنجاز مشاريع، يكون مصيرها الفشل والإفلاس بسبب نقص الخبرة والتكوين، على حد تعبيرها.