الرأي

لو لم تكن الدولة عمياء..؟؟

مروان ناصح
  • 1387
  • 5

-1-شاهدت فيلماً تسجيلياً على قناة عربية معروفة، “مدبلجاً” إلى اللغة العربية عن لغة أجنبية، رائع الإتقان فناً وموضوعاً.. تتجول برفقة عين “الكاميرا” فيه نفحة ساحرة من روح العدالة والجرأة، وهي تستنطق اللقطات، والوجوه، والأشياء، والأمكنة، عن مسارات الحقيقة التاريخية، بين ركام الأوهام والأكاذيب، ووقاحة التزوير والخداع اللذين “يمتاز” بهما الفكر الصهيوني، ومستوطنوه في فلسطين العربية، بمختلف ألوانهم وأحزابهم ذات التشعبات الكثيرة، والمصب العدواني الواحد: الإبقاء على “إسرائيل” بأي ثمن، وبكل وسيلة..!!

ولقد كان المتحدثون “الإسرائيليون” في هذا الفيلم جميعاً _ ومنهم أدباء معروفون _ مثل ذلك النصّاب اليهودي الذي عاش في العصور الأوروبية الوسطى المظلمة، وقد شاعت فيها بين الناس خرافة شراء أراض وأمكنة خاصة، في الجنة، وفق صكوك موثّقة، فاستطاع بخبثه ولؤمه أن يجمع ثروة هائلة؛ حيث راح يطرح على الناس بضاعة جديدة اسمها “جهنم”، وكان يعرض بضاعته على كل زبون ساذج بقوله: كم تدفع كي لا تدخل جهنم.؟؟!!

أما الفيلم التسجيلي الذي لم أحضر بدايته، فقد أدهشتني شارته الأخيرة بأنه فيلم عربي إعداداً وطاقماً وإخراجاً..!!

 

 -2-

ولقد أعادني هذا الفيلم التسجيلي المتقن إلى مقابلة إذاعية دعيت إليها منذ سنوات، واختلفت فيها آراؤنا، وكنا ثلاثة من الكتاب الدراميين، وكان السؤال الموجه إلينا:

– هل تجد أنّ عدد المسلسلات التي أنتجت عن القضية الفلسطينية في هذا الموسم كافياً.؟؟!

فأجاب أولنا:

– مهما أنتجنا من المسلسلات عن هذه القضية فسنظل مقصرين..!!

وقال الثاني:

– لقد أنتجنا في هذا الموسم أعمالاً عدة، بين مباشرٍ ورمزي.. من أبرزها: “التغريبة الفلسطينية” و”عائد إلى حيفا” المأخوذ عن رواية بالاسم ذاته للأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني.. وهذا في رأيي يكفي ويزيد، بالنسبة إلى الحجم الكلي للإنتاج..!!

أما أنا فلخصت رؤيتي إلى موضوع هذا السؤال بهذه الكلمات:

– المسألة في رأيي لا يحددها كمّ الأعمال المنتجة.. بل نوعها.. ودرجة إتقانها شكلاً ومضموناً.. ثم إن هناك تقصيراً فادحاً في التوجه، من الأساس.. يتمثل في مخاطبة هذه المسلسلات إياي _ أنا المواطن العربي “الأعزل” العارف بأنني المظلوم والضحية للمؤامرات الصهيونية المتتالية _ بغية إقناعي بأن العدو هو الظالم، وهو القاتل، وهو المتآمر على حاضري ومستقبلي..!! كل هذا.. بدلاً من التوجه بمثل هذا الخطاب “الإقناعي” إلى الآخرين من غير العرب المغرر بهم حتى الآن.. أو التائهين عن الحق والحقيقة، بقوة الإعلام الصهيوني في العالم، ومهارته وجبروته في الخداع والتضليل..!!

وسألني منشط تلك المقابلة:

– ما سبب هذا التقصير في التوجه..؟

– فتش في هشاشة بنية الإعلام العربي..؟!

– وإلى متى سيستمر هذا الخلل..؟

– فتش في تركيبة الدول العربية مجتمعة.. وفي تركيبة كل دولة منها على حدة..!!

ولما خرجت من “الاستديو” بادرني أحد الضيوف بسؤاله:

– ما دخل تركيبة الدولة في هذا الموضوع.؟

فرويت له حكاية خطرت لي:

– “كان تيمورلنك _ الغازي التتري الأشهر _ أعرج.. لذلك أضيف إلى اسمه الأصلي “تيمور” صفة “لنك” ومعناها: الأعرج، ويُروى أنه طلب من أحد المطربين البارعين في الهند _ وكان ضريراً _ أن يغني له، فأطربه حتى انتشى، وبعد أن توقف، سأله تيمورلنك:

– ما اسمك أيها المطرب؟

– اسمي “دولة”

ضحك تيمورلنك طويلاً وقال:

– عجباً..!! كيف تكون الدولة عمياء..؟!

فأجابه المطرب الضرير:

– لو لم تكن الدولة عمياء لما ركبها الأعرج..!!

 

-3-

وبالعودة إلى ذلك الفيلم التسجيلي.. حدثتني نفسي: لعله يقوم بمهمة إعلامية كبرى عجزت الجامعة العربية بكامل “قيافتها” عن مجرد الاقتراب منها، وهي مخاطبة العقل الغربي _ الأمريكي بلغته، وطرق تفكيره، ومصالحه الحيوية، وسلالم قيمه واهتماماته سريعة التبدّل والتغيّر، وردّ الاتهامات والأكاذيب الصهيونية “المستدامة” إلى نحر مطلقيها ومروّجيها..!!

أحد الأصدقاء الطيبين حاول أن يفسر هذا العجز العربي بقوله:

– قرأت ذات يوم أن اجتماعات إعلامية عربية كثيرة قد عُقدت لإنشاء قناة فضائية عربية موجهة إلى العالم الغربي _ الأمريكي.. وكانت النتيجة تخصيص مبلغ هزيل لا يفي بنفقات حملة إعلانية في صحافة الغرب، فكيف بإنشاء قناة فضائية “عالمية”.؟؟!!_

– كن واثقاً يا صديقي من أنهم لو أرادوا إنشاء مثل هذه القناة لخصصوا لها المليارات “الممليرة”..!! ولكن ماذا سيفعلون حينها لمواجهة المشكلات العربية التقليدية بامتياز: أين سيكون مقرّ هذه القناة.؟! وما حصة كل دولة من مجمل العاملين فيها، بمن فيهم المنتفعون، وأعضاء نادي البطالة المقنعة.؟!! وعن أي وجهة نظر، أو مصلحة خاصة – وبعيداً عن المصلحة القومية العليا _ سوف تعبر برامجها..؟؟ وباختصار: لو أُنشئت هذه القناة لكانت أغلقت ألف مرّة، عند كل أزمة خلافية بين عرب هذه الأزمنة العجيبة..!!

 

– على هذا.. فسوف يظل “شايلوك” _ بطل مسرحية “تاجر البندقية” لشكسبير _ يمارس ابتزازه “العالمي” في كل زمان.. ومن نماذجه، ذلك النصّاب اليهودي الآخر، الذي تقول نكتة إيطالية إنه جاء إلى الفاتيكان، وقابل البابا، وأخرج من “عبه” ورقة عتيقة، ودفعها إليه باكياً متوسلاً: “هذه هي فاتورة العشاء الأخير..!! ورثتها عن جدي السابع عشر، فقد تناول السيد المسيح _ عليه السلام _ وحواريوه عشاءهم ذاك في مطعم جدّي.. ونسوا أن يدفعوا الحساب.. فالرجاء الرجاء تسديد هذه الفاتورة..!!”

مقالات ذات صلة