-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مأساة أطفال نهر “السين”.. فاطمة بدار أنموذجا

صالح سعودي
  • 624
  • 0
مأساة أطفال نهر “السين”.. فاطمة بدار أنموذجا

تعدّ المناسبات الوطنية التاريخية فرصة مهمة للوقوف على ماضي الآباء وأمجاد الأجداد، بغية أخذ العبر وحفظ الدروس، خاصة في ظل التضحيات الجسام التي قدمها الشعب الجزائري في سبيل نيل حريته واستقلاله، بدليل ما حدث ضد الاستدمار الفرنسي الذي رضخ في النهاية لإرادة الجزائريين بعد سنوات طوال من الفقر والجوع والتجهيل والقمع والدمار، تضحيات قدّمت داخل الوطن وأخرى في الضفة المقابلة وبالضبط في الأراضي الفرنسية، بدليل ما حدث يوم 17 أكتوبر 1961 التي أصبح يصطلح عليه بـ”اليوم الوطني للهجرة”.

هذه المناسبة الكبيرة تحمل وجهين:

الوجه الأول: هو جانب تاريخي محض يتعلق بمظاهرات 17 أكتوبر ومخلفات مأساة نهر “السين”، أي حادث معين في زمن معين وفي مكان معين، يكشف بشاعة الاستدمار الفرنسي في حق المهاجرين الجزائريين الذين عبّروا عن رأيهم بمظاهرات سلمية حوّلها الاستدمار الفرنسي إلى مآس ومجازر دامية، بعد أن رمى بالجزائريين في نهر “السين” من دون رحمة ولا شفقة، بطريقة لا تختلف عن المآسي التي عرفها الشعب الجزائري في بلاده من تعذيب وقتل وتشريد وتجهيل.. وكل الممارسات الوحشية الجهنمية، بشكل أيضا لا يختلف عما يحدث لإخواننا في فلسطين، وفي قطاع غزة على وجه التحديد. ما يؤكِّد على أن للاستدمار وجها واحدا مملوء بالحقد والقبح والنار والدمار.

قلت يشير هذا التاريخ، 17 أكتوبر 1961 (اليوم الوطني للهجرة) إلى مذبحة راح ضحيتها جزائريون في باريس يوم 17 أكتوبر 1961، نُفّذت بأمر من رئيس شرطة باريس، موريس بابون، فهاجمت قوات الشرطة مظاهرة سلمية مكوّنة من 60 ألف جزائري. وأقرت الحكومة الفرنسية 40 حالة وفاة في عام1998  رغم أن هناك تقديرات تصل إلى 200 وفاة.

الوجه الثاني: يتعلق بموضوع الهجرة والمهاجرين، وهو موضوع متشعّب، يصعب التحكم في محاوره، مثلما يتطلب الخوض فيه بعمق وشجاعة وحنكة، من خلال تسليط الضوء على مختلف الجوانب التاريخية للحدث، وأبعاده الفكرية والثقافية والإبداعية والرياضية وغيرها من الجوانب التي تكشف جوانب هامة من جهود وتضحيات المهاجرين، وكيف صبّت جهودهم في خدمة هويتهم وبلدهم الأصلي، وحافظوا على وعيهم وحسّهم الوطني، إذ أن الجسد في ديار الغربة لكن عقلهم ووجدانهم في أرض الوطن، وكلهم حرص على التضحية من أجل مستقبل أفضل لأبنائهم، أبناء الجزائر في أرض الجزائر، فكم هي صعبة مثل هذه التضحيات في زمن الحصار والعدوان والدمار، وكم كانت الفاتورة غالية لتحقيق هذه الغاية، وهي المساهمة في استقلال البلاد، من خلال مساعيهم النضالية السرية والمكشوفة، وجهودهم المادية، وحرصهم على التوفيق بين البحث عن لقمة الخبز لأبنائهم والوفاء لبلدهم الأم الجزائر نضاليا وتوعويا رغم بعدهم وغربتهم، ومهما طالت مدة تواجدهم في الضفة الأخرى. إنه الوعي، إنه التضحية بصبر وثبات من أجل مستقبل أفضل مهما كانت الخطورة والصعوبات.

أطفال ضحية همجية الاستدمار

إذا عدنا إلى تاريخ بلدنا العزيز خلال فترة الاستدمار الفرنسي، سواء ما تعلق في هذه المناسبة وهي مظاهرات 17 أكتوبر 1961 أو خلال فترة الثورة التحريرية وقبلها، نجد أن الشعب الجزائري سدّد فاتورة كبيرة بسبب صموده ونضاله ودفاعه عن شرفه وهويته وكل شبر من أرضه، فاتورة سدّدتها جميع الفئات والشرائح بمجازر وممارسات همجية دست على جميع القوانين والشرائع، ولم يقتصر الأمر على الرجال شبابا وكهولا وحتى شيوخا، ولا على النساء، بل مس أيضا البراءة والطفولة، براءة في عمر الزهور جرى استهدافها بأسلحة الاستدمار الفرنسي وممارساته الجهنمية التي لا تمتّ للأخلاق والإنسانية بصلة، أحيانا بأسلحة ممنوعة دوليا، فيمكن القول إن الأطفال كانوا شركاء في النضال والجهاد، وكانوا شركاء في الشهادة أيضا، فكم من مجزرة ارتكبها الاستدمار الغاشم مسّت العزل. وكان النصيب الأكبر من الضحايا أطفالا أبرياء لم يشبعوا بعد من حليب وحنان أمهاتهم، ولا من لعبهم العفوي مع التراب، في الأرياف والمدن. وكم من أطفال تم استهدافهم من دون أي احترام لمواثيق الحروب وأخلاقيات التعامل مع المدنيين والقوانين التي تكفل حياة وحماية الأفراد العزل.

وفي منطقة الأوراس فقط، يمكن ذكر عدة نماذج لمجازر همجية ارتكبها عساكر الاستدمار الفرنسي مست الجميع بما في ذلك الأطفال، على غرار مجزرة سرا الحمام بكيمل منتصف شهر نوفمبر 1954، أي بعد أقل من 3 أسابيع فقط عن اندلاع الثورة التحريرية، وفي وقت متقارب نذكر حادثة الشهيدات الأربعة بعكريش شناورة تكوت ومعهن رضيع، كما أن بوروح هو أول رضيع استُشهد في منطقة الأوراس بعد يوم أو يومين من اندلاع الثورة بنواحي إشمول وفم الطوب. من دون نسيان مجزرة غار بن شطوح بنواحي تاكسلانت بنقاوس، ومجزرة أخرى استعمل فيها الديناميت ببريكة، ناهيك عن رمي مجاهدين ومناضلين ومواطنين عزل وحتى أطفال من مرتفعات برباقة بوادي الطاقة.. ومن جبال شيليا عند مرتفع هافرنت.. والقائمة طويلة.

مأساة نهر “السين”.. وصمة عار

مثلما ذهب الأطفال ضحية مجازر ارتكبها الاستدمار الفرنسي في مختلف القرى والمدن الجزائرية، سواء خلال الثورة التحريرية أو قبل ذلك، على غرار ما حدث في مجازر 8 ماي 1945، حين استهدف أطفال في عمر الزهور وشباب يحذوهم طموح المستقبل، على غرار ما حدث للشهيد سعال بوزيد والبقية، فإن نفس المآسي عرفها الأطفال الجزائريون في المهجر خلال مظاهرات 17 أكتوبر 1961، ورميوا في نهر “السين” من دون رحمة ولا شفقة، وكان مصير الصغير مثل مصير الكبار غرقا في نهر “السين” وفي المياه القذرة.

وتعدّ فاطمة بدار أصغر شهيدة (15 عاما) في المظاهرات السلمية التي دعت إليها فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا لكسر القرار العنصري القاضي بمنع المهاجرين الجزائريين من دون سواهم من الخروج ليلا بأمر من محافظ شرطة باريس السفاح موريس بابون، بل تجاوز الأمر حدود الإنسانية، بعد قتل الطفلة فاطمة بدار إلى رميها بنهر السين ولم يعثر على جثتها إلا يوم 31 أكتوبر 1961م على درجة متقدمة من التعفن والتحلل، ولم نسمع يوما باعتذار أو اعتراف أو تأنيب ضمير كأبسط الأمور من السلطات الفرنسية على جريمة كاملة تامّة الأركان في حق طفلة بريئة وضعت محفظتها المدرسية جانبا وخرجت تهتف بحياة الجزائر واستقلال الجزائر. غير أن القتلة تناسوها عمدا وعنصرية، لأنّ والدها لم يحسن تسميتها بـ”روزا” أو “جاكلين” وأسماها “فاطمة” على اسم فاطمة البتول، رضي الله عنها، ابنة الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام.

تفاصيل استشهاد البريئة فاطمة بدار

لم تتجاوز فاطمة الـ15 من عمرها يوم الحادثة، وتذكر المصادر أنها وُلدت في 5 أوت 1946 بمدينة بجاية، وحين بلغت الخامسة من عمرها، التحقت رفقة أسرتها الصغيرة بوالدها المهاجر الذي كان يعمل بشركة “غاز فرنسا”.

بوروح هو أول رضيع استشهد في منطقة الأوراس بعد يوم أو يومين من اندلاع الثورة بنواحي إشمول وفم الطوب. من دون نسيان مجزرة غار بن شطوح بنواحي تاكسلانت بنقاوس، ومجزرة أخرى استعمل فيها الديناميت ببريكة، ناهيك عن رمي مجاهدين ومناضلين ومواطنين عزل وحتى أطفال من مرتفعات برباقة بوادي الطاقة.. ومن جبال شيليا عند مرتفع هافرنت.. والقائمة طويلة.

وفي فرنسا التحقت كغيرها من بنات جنسها بالمدرسة، ودرست بالمعهد التجاري والصناعي للإناث، الواقع بشارع الجزارين بباريس. وفي رواية نقلها موقع “بندي بلوغ” الفرنسي، تحدّث عنها شقيقها جودي، الذي كان حينها في الخامس من عمره، أنه كان يتذكر شقيقته جيّدا: “هي التي ترافقني كل صباح إلى المدرسة، شعرها أسود طويل، أتذكّر حقيبتها المدرسية وكتبها، كانت تقضي كل الوقت مع الكتب الكبيرة والقواميس الكبيرة”.

ورغم صغر سنها، إلا أن فاطمة بدار كانت تتقد حماسا للقضية الجزائرية والاستعمار الفرنسي الخانق لبلدها، فقد تشبعت بروح المقاومة والنضال، تأثرا بوالدها الذي كانت ترافقه في بعض الأحيان لحضور اجتماعات جبهة التحرير الوطني، التي كانت تجري بسرية تامة في باريس. ولعل هذا الاعتقاد هو الذي دفعها إلى الالتحاق بالمظاهرة الحاشدة للعمال الجزائريين الذين خرجوا جمعا وفرادى، للمطالبة بتحرير الجزائر، ومحاربة حظر التجوّل العنصري الذي فرضه رئيس الشرطة موريس بابون، تحت رئاسة الجنرال ديغول.

استشهدت رميا في “السين”

ويروي شقيقها أنه في صبيحة يوم 17 أكتوبر 1961، أرادت أخته فاطمة الذهاب إلى المظاهرة في مساء نفس اليوم، مضيفا أن والديه عارضا ذلك، “كنا سبعة إخوة وأخوات، وكان على والدي الذهاب إلى هذه المظاهرة السلمية”. لكنها أصرّت على الذهاب، وفعلت ذلك بمفردها، وفي مساء يوم السابع عشر لم تعد إلى البيت، ما خلّف حالة من الذعر في المنزل، فذهبوا إلى الأماكن المختلفة التي ترتادها فاطمة مع أبناء العم، لكن كان من المستحيل معرفة مكان وجودها.

فاطمة بدار أصغر شهيدة (15 عاما) في المظاهرات السلمية التي دعت إليها فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا لكسر القرار العنصري القاضي بمنع المهاجرين الجزائريين من دون سواهم من الخروج ليلا بأمر من محافظ شرطة باريس السفاح موريس بابون، بل تجاوز الأمر حدود الإنسانية، بعد قتل الطفلة فاطمة بدار إلى رميها بنهر السين ولم يعثر على جثتها إلا يوم 31 أكتوبر 1961م.

وخوفا من الأجواء السائدة مساء ذلك اليوم، لم يذهب والد فاطمة إلى مركز الشرطة، وظل ينتظر عودتها حتى الصباح الباكر من اليوم الموالي، ثمّ قدم إعلان اختفاء وسط الضرب والإهانة من شرطة سانت دوني. وفي صبيحة 31 أكتوبر 1961، عُثر على جثة فاطمة في قناة سانت دينيس، حيث تعرّضت للضرب والتنكيل والقمع من قبل الشرطة الفرنسية، رفقة الآلاف من الجزائريين الذين ألقي المئات منهم في نهر السين وهم أحياء، وكانت من بينهم فاطمة ذات الـ15 ربيعا. وفي شهادة لشقيقها يقول: “في 31 أكتوبر، وصل والدي إلى المنزل مع حقيبة فاطمة المدرسية، معلنا الخبر: لقد وجدت شقيقتي غارقة في قناة “سانت دوني”، وذلك بعد أن اكتُشفت من طرف عمال الصيانة المكلفين بتنظيف شباك منفذ القناة”. وقد استُدعي الوالد للتعرف على جثة ابنته، من بين 25 جثة في أكياس بلاستيكية، وتمكّن من التعرف عليها من خلال شعرها الأسود الطويل، واضطرّ تحت الضغط على التوقيع على أن فاطمة “ماتت منتحرة”. وفي 3 نوفمبر 1961، دُفنت فاطمة في حضور زملائها ومدرّسيها ومديرها، وفي 17 أكتوبر 2006، قررت عائلة بدار إخراج جثة فاطمة لترحيلها إلى الجزائر ودفنها .

مجازر الاستدمار الفرنسي والكيان الصهيوني.. دروس وعبر

ولابد في النهاية من استقراء التاريخ حتى نقرأ الكثير من الدروس ونحفظ العبر. والدليل ما يحدث في فلسطين وفي قطاع غزة على وجه التحديد، إذ أن الكيان الصهيوني يستهدف بشكل بشع ومأساوي الأطفال وجميع فئات المجتمع في رقم مهول من الشهداء والجرحى الذين ملأوا المستشفيات التي عجزت عن الاستيعاب، وسط صمت وتعتيم غربي ممنهج بشكل يعكس الانحياز الكلي اتجاه الكيان الصهيوني الظالم.

ويتساءل الكثير كيف قتلت الشرطة الفرنسية الطفلة فاطمة بدار عام 1961م وهي لم تتجاوز 15 عاما بدم بارد وعنصرية ورمتها في ماء الوادي البارد (نهر السين)؟ مثلما نتساءل كيف وقعت مآس مماثلة ضد البراءة والطفولة في السنوات الأخيرة، بعد أن قتلت الشرطة الفرنسية الطفل نائل عام 2023 بدم بارد؟ وكيف قتل الجيش الفرنسي محمد شبيشب (19 سنة) بمنطقة لروية حرقا بالنار والحطب أمام أعين والدته وعشيرته؟ وكيف قتل السفاح مارسيل بيجار الطفل الصغير عُمر يوم 08 أكتوبر 1957م بعد تفجير المخبأ بحي القصبة العتيق برفقة الشهيد البطل علي عمار (لابوانت) والشهيدة حسيبة بن بوعلي والشهيد محمود بوحميدي، رحمهم الله جميعا؟..

يتساءل الكثير كيف قتلت الشرطة الفرنسية الطفلة فاطمة بدار عام 1961م وهي لم تتجاوز 15 عاما بدم بارد وعنصرية ورمتها في ماء الوادي البارد (نهر السين)؟ مثلما نتساءل كيف وقعت مآس مماثلة ضد البراءة والطفولة في السنوات الأخيرة، بعد أن قتلت الشرطة الفرنسية الطفل نائل عام 2023 بدم بارد؟ وكيف قتل الجيش الفرنسي محمد شبيشب (19 سنة) بمنطقة لروية حرقا بالنار والحطب أمام أعين والدته وعشيرته؟

المؤكد أن عدو الأمس هو نفسه عدو اليوم… وسيبقى إلى يوم الدين. وعليه فإنّ قلب الورقة لا يعني تمزيقها أو نسيانها، والعودة إلى التاريخ يفتح لنا آفاق المستقبل بمزيد من الدروس والعبر.. ومراجعة الأوراق وتفادي آفة النسيان.. النسيان الذي كثيرا ما يستهدف وحدتنا وهويتنا ونظرتنا للمستقبل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!