-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يستعرضون ويحولون الرماد إلى خلفية للصور

“مؤثرون” على وسائط التواصل يستخفون بمعاناة ضحايا الحرائق!

نادية سليماني
  • 162
  • 0
“مؤثرون” على وسائط التواصل يستخفون بمعاناة ضحايا الحرائق!
ح.م
تعبيرية

في الوقت الذي كانت فيه عائلات جيجل تواجه الخوف من النيران، وتودع ضحاياها، وتحصي خسائرها، وتبحث عن مأوى آمن، اختار بعض المؤثرين، وهم قلة، أن يتوجهوا إلى المناطق المتضررة بكاميراتهم، لالتقاط الصور وتسجيل المقاطع، في مشاهد بدت لبعض المتابعين أقرب إلى رحلة سياحية منها إلى زيارة تضامنية. وهو ما أثار غضب الجزائريين.
وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم الغابات وتقترب من التجمعات السكنية، تحولت بعض المنصات إلى فضاء لجدل حاد حول حدود صناعة المحتوى، ومتى يصبح التصوير في قلب الكارثة تجاوزا لمشاعر الناس وحرمة المأساة.
وحول بعض المؤثرين الرقميين، مأساة المناطق المحترقة إلى رحلة سياحية، أو إلى جلسة تصوير، وهو ما يرفضه الجزائريون، لأنهم يرون في جيجل اليوم جرحا وطنيا لا يجوز العبث به، وقد تكون الصورة أحيانا أبلغ من ألف كلمة، لكنها تصبح جارحة عندما تلتقط في غير مكانها، وفي غير وقتها، وعلى حساب كرامة إنسان منكوب.
فالشهرة الحقيقية، حسب رواد التواصل الاجتماعي، ليست في عدد الصور التي ينشرها المؤثر، ولا في عدد الإعجابات التي يحصدها، بل في الأثر الذي يتركه في حياة الناس. وجيجل، التي عاشت مأساة قاسية، تحتاج اليوم إلى من يمد لها يد العون، لا إلى من يجعل من رمادها خلفية لصورة.
وقد أثارت هذه التصرفات غضبا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا عندما ظهرت منشورات توحي بأن الكارثة مجرد خلفية لصناعة محتوى سريع، أو فرصة لالتقاط صور استثنائية ترفع عدد المشاهدات والإعجابات.
واعتبر كثير من الجزائريين أن جيجل، بما عاشته من حرائق وخسائر، ليست موقعا للترفيه ولا مسرحا للاستعراض، بل ولاية منكوبة تحتاج إلى المواساة والمساعدة، وإلى من يخفف عن سكانها لا من يزيد معاناتهم.

صور وسط الرماد تشعل موجة انتقادات
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تنتقد ظهور بعض المؤثرين في المناطق المتضررة، وهم قلة، يلتقطون صورا لأنفسهم، في وقت كان فيه السكان يعيشون على وقع الصدمة.
ومن بين المشاهد التي أثارت سخرية واستياء، ظهور مؤثرة رفقة صديقاتها وهن يضحكن، بينما قامت بتلطيخ وجهها بالفحم، في محاولة لتقديم نفسها على أساس أنها وسط المناطق المتضررة، والخطير أنها كانت تمتطي حصانا يبدو محترقا أو مرهقا.
ولم يكن الاعتراض على مجرد نقل صور الحرائق أو توثيق آثارها، فالتصوير قد يكون وسيلة مهمة لإظهار حجم الكارثة، وتنبيه الرأي العام، ونقل احتياجات السكان، بل وحشد المساعدات.
لكن المشكلة، كما رأى كثيرون، تكمن في الطريقة التي يتم بها التصوير، وفي تحويل معاناة الآخرين إلى مادة للتسلية أو إلى فرصة لعرض الذات.
فحين يقف شخص أمام منزل احترق، أو وسط غابة تحولت إلى رماد، أو بالقرب من عائلة فقدت مصدر رزقها، فإن المشهد لا يحتمل الضحك ولا المبالغة في التمثيل. وحين تصبح الكاميرا أهم من الإنسان، والصورة الشخصية أهم من مشاعر الضحايا، يفقد المحتوى معناه الإنساني، مهما بلغ عدد المشاهدات التي يحققها.

جيجل ليست ديكورا لصناعة المحتوى
وقد عبرت التعليقات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن رفض واضح لهذا النوع من السلوك، حيث أكد ناشطون أن جيجل ليست خلفية للصور، وأن مأساة العائلات ليست فرصة للشهرة.
وذهب آخرون إلى القول إن من يريد مساعدة المتضررين يستطيع أن يفعل ذلك دون تحويل كل خطوة إلى جلسة تصوير، ودون أن يجعل من نفسه بطلا في مشهد يفترض أن يكون أبطاله الحقيقيون هم الضحايا وفرق الإنقاذ والمتطوعون.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بمناطق منكوبة، حيث يعيش السكان حالة من الحزن والقلق، ويحتاجون إلى الاحترام قبل أي شيء آخر.
فالتقاط صورة مع شخص فقد منزله، أو تصوير عائلة وهي تتلقى المساعدة، أو نشر مشاهد لنساء وأطفال في لحظات ضعف، يجب أن يخضع لضوابط أخلاقية واضحة، لأن الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تكون ثمنا للحصول على تفاعل أكبر.
كما أن الوصول إلى المناطق المتضررة لا يعني بالضرورة أن كل شخص يملك الحق في التصوير فيها كيفما شاء.
ويرى معلقون على “فيسبوك”، أن هناك فرق بين الصحفي الذي يوثق الحدث وفق قواعد المهنة، وبين المؤثر الذي قد يحول المكان إلى فضاء مفتوح للاستعراض. وبينما يسعى الصحفي إلى نقل الحقيقة، قد ينشغل البعض الآخر بصناعة صورة عن نفسه، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعر الآخرين.

مؤثرون اختاروا المساعدة بدل الاستعراض
وفي المقابل، برزت نماذج أخرى لمؤثرين اختاروا أن يحولوا شهرتهم إلى وسيلة للمساعدة، فكان حضورهم في جيجل مرتبطا بجمع التبرعات، وتوفير الاحتياجات، والوقوف إلى جانب العائلات المتضررة. وقد أشادت تعليقات كثيرة بمبادرات مؤثرين ساهموا في جمع أموال معتبرة، وشراء تجهيزات ضرورية، وتقديم مساعدات مباشرة للسكان، دون تحويل كل عملية إلى عرض دعائي.
وتمكن بعض المؤثرين من داخل وخارج الوطن، ووفق، ما نقلته تقارير إعلامية، من جمع نحو مليار و750 مليون سنتيم خلال 24 ساعة، بفضل مساهمات أفراد الجالية الجزائرية، كما برزت مبادرات أخرى، من بينها تحضير وجبات غذائية وتوزيعها على العائلات والوافدين إلى الولاية، وهي أعمال تؤكد أن التأثير الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المتابعين، بل بما يمكن أن يقدمه صاحبه للمجتمع.

الشهرة مسؤولية
ويرى متابعون أن المؤثر الذي يملك آلاف أو ملايين المتابعين يتحمل مسؤولية أكبر من غيره، لأن أي تصرف يصدر عنه قد يتحول إلى سلوك يقلده آخرون. فإذا اختار التضامن، فإنه يشجع على التضامن، وإذا اختار الاستعراض، فإنه قد يرسخ ثقافة تحويل كل حدث إلى مادة للفرجة.
ولهذا، فإن المطلوب بحسب رواد “السوشل ميديا” ليس منع المؤثرين من زيارة المناطق المتضررة، ولا مصادرة حقهم في التعبير عن تضامنهم، بل دعوتهم إلى احترام المكان والناس، والتصرف بوعي ومسؤولية.
وكما قال مواطن على “فيسبوك”: “من أراد التصوير، فليكن هدفه نقل الحقيقة، ومن أراد النشر، فليكن غرضه حشد الدعم، ومن أراد الظهور، فليظهر من خلال ما يقدمه من مساعدة، لا من خلال استغلال حزن الآخرين.”
لقد أثبت الجزائريون، في الأزمات والمحن، أن التضامن قيمة راسخة في المجتمع، وأن الوقوف إلى جانب المتضررين لا يحتاج إلى كاميرات ولا إلى إعلانات. فهناك من يفتح بيته للنازحين، ومن يتبرع بماله، ومن يقدم الطعام، ومن يشارك في قوافل المساعدة، ومن يكتفي بالدعاء، وكلها صور صادقة للتآزر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!