الرأي

“مادام” دليلة… وأخواتها

الشروق أونلاين
  • 4474
  • 0

حتى بصيص الأمل الذي لاح لبعض الجزائريين تزامنا مع الحراك السياسي وظهور أحزاب جديدة قد يأفل بسبب الأداء الغريب لمختلف التشكيلات السياسية الديناصورية والمجهرية على السواء، التي وجدت نفسها مُجبرة على تطبيق الشرط الغريب من القانون المصادق عليه من قبل غرفتي البرلمان والمجلس الدستوري الذي منح المرأة ثلث الفرص للتواجد في المجلس الشعبي الوطني والمجالس المحلية القادمة، وعندما يُصبح همّ غالبية الأحزاب هو البحث عن أي امرأة مهما كان مستواها السياسي والتعليمي وحتى الأخلاقي لتقبل الترشّح في الانتخابات القادمة وربما الفوز بمقعد قيادي، فمعنى ذلك أن الأداء السياسي قد هوى إلى الدرك الأسفل، ورئيس الحزب الذي يزور مختلف الولايات بحثا عن النساء اللائي يُكمل بهن قوائمه الانتخابية لا يمكن أن ننتظر منه برنامجا يُفتت به مشكلا واحدا من جبل المشاكل التي خنقت البلاد، فما تناقلته الصحف على لسان رؤساء الأحزاب ومن أصداء مختلف التجمعات الحزبية التي تتميز بنفور الرجال، فما بالك بالنساء هو أشبه بالنكت النسائية التي تضعنا أمام مشهد كاريكاتوري سيكتمل عندما تظهر القوائم الانتخابية، حيث لن نجد حينها “مادام” دليلة فقط، وإنما أخواتها وبنات الخال وبنات‭ ‬العمّ‭ ‬وبنات‭ ‬الجيران‭ ‬وبنات‭ ‬الحي‭ ‬وبنات‭ ‬النهار‭ ‬وربما‭ ‬بنات‭ ‬الليل‭. ‬

فقد سافر رئيس حزب إلى ولاية محافظة وكلّف مناضليه بالبحث عن بنات حواء لتزيين القوائم الانتخابية ولا يهمّ مكان البحث سواء في الجامعات أو في المقابر، وفي الأعراس والحمامات الشعبية، وقال آخر أنه مستعد لمنح خمسين مليونا لمن تقبل الترشح في “أحدث” مهنة في التاريخ، بينما تلت وزيرة الأسرة خطابا طويلا جدا في الأوراس لامت فيه بنات جنسها عن تخلفهن في التواجد في الصفوف الأولى ودعتهن للترشح بقوة دون أن تمنح كلمة واحدة للشرط الجوهري وهو الكفاءة والنزاهة، ونخشى عندما يحين موعد الأحرار لتقديم قوائمهم أن تتجه صنارة البحث عن العنصر‭ ‬النسوي‭ ‬إلى‭ ‬الملاهي‭ ‬والأماكن‭ ‬المشبوهة‭ ‬ليكتمل‭ ‬المشهد‭ ‬الكاريكاتوري‭ ‬بناخبين‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬الملاهي‭ ‬ومدمني‭ ‬المخدرات‭.‬

المشكلة ليست في النساء وإنما في الطريقة التي يبحث فيها عن النساء، فالتاريخ يشهد أن حسيبة بن بوعلي وجميلة بوحيرد والأختين فضيلة ومريم سعدان هن اللائي سعين إلى الجهاد، ولكن غياب الرجال الحقيقيين في عالم السياسة بخّر تواجد النساء الحقيقيات وهو ما جعل البحث عن الأنثى فيسيولوجيا أهم من البحث عنها علميا وأخلاقيا، وساهم في ذلك طبول قوانين الدولة غير المدروسة التي وجدت راقصين لها في المجلس الشعبي الوطني الذي ربما لن يتثاءب رجاله مستقبلا في جلساته الميتة في وجود عطور وآهات وقهقهات وحتى “شطحات” نسائية.

كثير من الجزائريين مقتنعون بأن لويزة حنون ليست أنشط إمرأة سياسية، بل إنها الأنثى الوحيدة التي خاضت السياسة، والفنانة المسرحية صونيا ليست أحسن فنانة، وإنما هي الأنثى الوحيدة التي خاضت المسرح، وصار شبه مؤكد أن النساء اللائي سنجدهن في المجالس الوطنية والمحلية‭ ‬لسن‭ ‬الأحسن‭ ‬وإنما‭ ‬هن‭ ‬الوحيدات‭ ‬اللائي‭ ‬قبلن‭ ‬أن‭ ‬تُكتب‭ ‬أسماءهن‭ ‬في‭ ‬القوائم‭ ‬الانتخابية‭ ‬وتوضع‭ ‬صورهن‭ ‬على‭ ‬الأفيشات‭.‬

الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬بن‭ ‬باديس‭ ‬قال‭ ‬أن‭ ‬الجزائر‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لامرأة‭ ‬تطير‭ ‬وإنما‭ ‬لنساء‭ ‬يلدن‭ ‬لنا‭ ‬رجالا‭ ‬يطيرون،‭ ‬وللأسف‭ ‬الأداء‭ ‬السياسي‭ ‬الحالي‭ ‬يبيّن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬امرأة‭ ‬طارت‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬رجلا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬الطيران؟

مقالات ذات صلة