استعملت لأكثر 100 سنة
مادة “الأميونت” الخطيرة الهاجس الذي يؤرق سكان الجنوب
في بداية الثمانينيات من القرن الماضي انطلقت أشغال إنجاز سلسلة من مستشفيات البناء الجاهز بالعديد من مناطق الوطن عبر برامج تعميم الصحة العمومية، كان للجنوب الحظ الأوفر منها حيث استفادت مدن كالأغواط وغرداية وعين صالح من هياكل صحية عرفت وقتها بأنها الوحيدة على المستوى الإفريقي…
-
على اعتبار أن شركة “بويڤ” الإيطالية المختصة في هذا النوع من المشاريع أوكلت لها مهمة إنجاز هذه الهياكل الصحية التي كلفت الدولة آنذاك الملايير في وقت كان فيه الدينار يساوي أو يعادل عملة الدولار، لتتحول هذه المنشآت التي كانت مفخرة الجزائر بالأمس وبعد مرور ربع قرن على إنشائها ودخولها مرحلة الهرم بانتهاء عمرها الافتراضي إلى خردة لم يبق منها سوى هياكل منشآت أصبحت تعج بمستعمرات الحشرات الموسمية ومصدرا أكيدا لمخاطر مادة “الأميونت” الصناعي الموظف في جدران الحجر والقاعات الرئيسية للبناءات، وهذا بعد أن سهلت على الدولة في السابق نهج سبل تعميم الصحة العمومية بمعظم المناطق النائية، وعينات من مستشفيات مدن كغرداية، الأغواط، حاسي بحبح، المنيعة، الڤرارة، متليلي وعين صالح كانت بمثابة الفضاءات الصحية التي سجلت حضورها في ميدان الصحة بكل جدارة، وساعدت لقربها من المريض بمناطق الجنوب في رفع الضغط عن مستشفيات الشمال.
-
وكانت هذه المنشآت تعمل بطاقتها القصوى، حيث استقبلت على مدار العشرين سنة الماضية غالبية الحالات المرضية، واستطاعت التحكم من خلال أطبائها من أبناء المنطقة في أدق العمليات الجراحية كجراحة العيون والمثانة وعمليات جراحة العظام، وهو الوضع الذي ساعد في تنشيط المنظومة الصحية في وقت كانت فيه الكفاءات الطبية الوطنية تتطلع للعمل بهذه المنشآت الاستشفائية، بالنظر إلى السمعة الطيبة التي اكتسبتها في سنوات التسعينيات وحتى أواخر سنة 2004 حيث أثيرت مسألة الوضع العمراني لهذه المنشآت ومدى قابليتها للاستغلال في ظروف لا تضر بصحة المواطن بعد انتهاء عمرها الافتراضي المحدد بـ 25 سنة، وأثير عامل الزمن وتقلبات المناخ على هذه البناءات.
-
ورغم المعاناة التي باتت تلازم هذه الهياكل مؤخرا في ظل الحلول العاجلة المنتهجة من قبل الدولة في إطار برامج الترميم والصيانة لمعظم مصالح وأجنحة هذه المباني المستغلة منذ ربع قرن من الزمن في ميدان الصحة، إلا أن الوضع العام لهذه البناءات لازال قابل للمراجعة أكثر من مرة، خصوصا بعد تلاشي سياسة المنطق التي تعاملت بها الحكومات المتوالية مع ملف مستشفيات البناء الجاهز المستغلة لحد الساعة بمعظم المدن الجنوبية، والوعود المتكررة التي ظلت تتعهد بها هاته الأخيرة بخصوص القضاء على هياكل البناءات الجاهزة الموجهة لقطاعات الصحة والمقدرة بـ 10 مؤسسات استشفائية لجأت إليها الدولة كحل استعجالي عمره الافتراضي لن يتعدى الـ 25 سنة، وهي المدة التي قضاه مرضى العديد من مناطق السهوب وأقاليم الجنوب بين ظهراني هذه البناءات الجاهزة التي قالت بشأنها مصادر مطلعة إنها أصبحت تمثل خطرا بات يهدد صحة المواطن كونها تتسبب في الإصابة بمرض سرطان الرئة بعد أن ازدادت ترسبات مادة “الأميونت” حدة بأساسات جدرانها الحديدية، وبالتالي لا مجال -تضيف ذات المصادر- للحفاظ على صحة المريض والعامل بهذه المنشآت الاستشفائية سوى إخلائها والخلاص من خطورتها وفق المعايير المعمول بها دوليا في هذا المجال.
-
واستنادا إلى رواية أحد المختصين في صنع هذه النوع من البناءات الجاهزة ممن عملوا لصالح شركة “كوسيدار الوطنية” سابقا، فإن معدل عمر هذه المنشآت لا يتعدى الـ 25 سنة بحيث لا مجال لاعتماد أساليب أو طرق الترميم المعتمدة في المنشآت الأخرى، لأن مادة “الأميونت” -تضيف مصادرنا- قد اكتشف مؤخرا أنها تبدأ في التحلل والانتشار عبر طبقات الهواء بسرعة رهيبة، وهو ما يضاعف من مدى خطورتها على صحة الإنسان بحيث يكون الوافد إلى مثل هذه الأماكن عرضت لأمراض خطيرة كالربو المزمن والسل وغيرها من الأمراض الوبائية، وتؤكد مصادرنا أن مؤسسة “كوسيدار” سعت منذ سنوات مضت إلى جرد مجموعة من التقارير التقنية المعمقة بخصوص وضعية هذه المنشآت على البيئة وصحة المواطن، تم تقديمها إلى الجهات الوصية وظهر جليا عبر صفحاتها التركيز على ضرورة السعي الحثيث لعدم الإبقاء على مثل هاته المنشآت الاستشفائية التي بدأت تظهر مضارها على صحة الإنسان بحيث لم تعد قابلة لإيواء المرضى شتاء بسبب شدة بردها وارتفاع درجة حرارتها صيفا كون سمك جدرانها -المحشوة بمادة القطن الاصطناعي المشبع بمركبات “الأميونت”- لا يتعدى الـ 15 سنتيمترا، وعلى الرغم من قرار الحكومة واللجنة الوزارية المشتركة بين الداخلية ووزارة الصحة أواخر سنة 2004 بخصوص برمجة مشاريع إنجاز منشآت استشفائية أخرى موازية بعموم المنطق التي لا زالت تشهد نشاط سلسلة مستشفيات البناء الجاهز، إلا أن الجهات المسؤولة لم تبد أي نية حقيقية في التعامل مع هذا المشكل، ومن خلاله التحرك نحو احتواء خطر مادة “الأميونت” بهذه المنشآت التي ارتبط اسمها بالصحة بالرغم من كونها اليوم تمثل الخطر الأكبر الذي بات يهدد حياة آلاف المرضى وعمال القطاعات الاستشفائية المقصودة.
-
ولم نوفق في رحلة البحث عن تصريحات الجهات المختصة التي اتصلنا بها للاستفسار بخصوص الموضوع ومعرفة مصير هذه المنشآت الاستشفائية ومصير آلاف الزائرين والنزلاء بسلسلة مستشفيات “بويڤ” الإيطالية، فمديريات الصحة بهذه المناطق ليس لديها علم بملف هذه القطاعات ومصالح وزارة البيئة التي تتحمل -حسب المختصين- تبعات الرقابة الدورية لمثل هذه البناءات الجاهزة ومدى تأثيرها على المحيط البيئي لا تعترف بأن لها دورها في القضية، لتبقى معرفة أسرار قضية مستشفيات البناء الجاهز بالجزائر غامضة للعديد من الجهات الوصية تاركة وراءها أسئلة محيرة أصبحت تحوم حول هياكل يشهد لها الجميع أنها كانت ذات يوم مفخرة الجزائر في ميدان الطب.