ماذا بعد المسجد والمترو وقاعة المؤتمرات؟
في كل مرة أريد الكتابة في الرياضة والكرة عندنا، أجد نفسي أخوض في الشؤون العامة للبلاد والعباد، في ظرف يميزه مزيج من التململ والتردد في الذهاب نحو جمهورية ثانية، ويميزه الحذر والترقب مما هو قادم، والشك والتشكيك في النوايا والإصلاحات المعلنة، ويميزه الخوف من امتداد عدوى الثورات إلى بلد المليون ونصف المليون شهيد..
- بمناسبة الفاتح من نوفمبر، استفاق الجزائريون على وضع حجر الأساس لبناء مسجد بملياري دولار، وقصر للمؤتمرات بالملايين، وتدشين خط لقطار الأنفاق (المترو) بطول تسعة كيلومترات كلف الملايير على مدار عدة سنوات، وتذكرة ركوبه هي الأغلى في العالم، في وقت يطمح فيه الجزائريون إلى جزائر أفضل وحريات أكبر ووتيرة أسرع للوصول إلى التغيير المنشود، وتوفير المزيد من المساكن للناس والوظائف للشباب، وتشييد مرافق خدماتية يحتاجها الشعب من مستشفيات وجامعات ومدارس ومصانع وسدود ومركبات رياضية ومرافق سياحية واجتماعية وفنادق ومراكز تغطي جزءا من حاجيات أبنائنا في السنوات العشرين المقبلة.
- الشارع كان ينتظر مثل هذه المرافق وأكثر منها بالنظر إلى قدراتنا المادية والبشرية، وينتظر المزيد من الجرأة في الإصلاح، والشجاعة في التغيير، والقدرة على تصحيح الاختلالات في كل المجالات، وعدم تفويت فرصة الوعي الفريد من نوعه الذي يتميز به شعبنا الذي لم ينسَق وراء الدعوات المشبوهة للقيام بثورة قمنا بها عندما كان الناس نياما، أو للقيام بانتفاضة قمنا بها في ثمانينيات القرن الماضي وكلفتنا دمار المؤسسات وخراب البيوت وآلاف القتلى والجرحى واليتامى والأرامل.
- لا نريد التقليل من قيمة الإنجازات المحققة، ولكن أولوياتنا ليست مسجدا ضخما وقاعة للمؤتمرات وتسعة كيلومترات من خط قطار الأنفاق، والظرف الراهن يتطلب فهما لحاجيات أبنائنا المتزايدة، وحاجيات وطننا الأساسية المعنوية والمادية. وبالمقابل لا نريد إعادة النظر في كل شيء، ولا نريد ثورة لأنها لم تتوقف أصلا عندنا ضد الجهل والأمية والظلم والفساد، ولسنا بحاجة إلى انتفاضة لأنها أتت على العباد والبلاد. وإذا كان الإصلاح والتغيير يخيف البعض، فإننا نريد تصحيحا على الأقل لمسار أثبت فشله وضعفه في عديد المجالات، ونريد أشياء بسيطة ولكنها كبيرة في معناها ومغزاها:
- – الشعب يريد استثمارا أمثل في الموارد البشرية والمادية والطبيعية التي يزخر بها الوطن والتي لا نجدها في الكثير من بلدان العالم، ولكن سوء التخطيط والتدبير والتسيير حال دون ذلك.
- – الشعب يريد المزيد من المشاريع السكنية في كامل تراب الوطن وليس في المدن الكبيرة، ويريد توزيعا عادلا وشفافا للسكنات المنجزة، وتوازنا في التنمية المحلية بين كل المناطق والمدن!!
- – الشعب يريد إنجاز مستشفيات ومراكز طبية جديدة للعلاج وتوفير أدوية الأمراض المزمنة، ويريد تخصيص موارد للوقاية من مختلف الأمراض الفتاكة.
- – الشعب يريد تدشين مرافق اجتماعية وثقافية ورياضية يستفيد منها كل الشعب، ويمارس فيها أبناؤه هواياتهم ويفجرون فيها طاقاتهم لتساهم في تكوينهم وتأهيلهم وتساعدهم على إثبات وجودهم.
- – الشعب يريد مدارس وجامعات ومعاهد وأحياء جامعية لمواجهة الحاجيات وتخفيف الضغط عن المرافق الموجودة في بلد ثلث سكانه يزاولون دراساتهم داخل الوطن.
- – الشعب يريد مرافق خدماتية وسياحية وفنادق ومراكز للاصطياف يستفيد منها أبناؤنا لتجنيبهم صرف ملايين الدولارات في السنة بحثا عن الراحة والاستجمام خارج الوطن.
- – الشعب يريد المزيد من المطارات والسدود والموانئ والطرقات والمرافق الحيوية والاستراتيجية التي توفر الخدمات والحياة الكريمة، كما يريد مناصب شغل لأبنائنا الذين يهاجرون بالآلاف ويغامرون بأرواحهم في عرض البحر كل يوم من أجل لقمة عيش كريمة.
- – الشعب يريد إعادة تهيئة المرافق الموجودة وترميمها وإعادة هيكلتها حتى تنسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع والعالم على حد سواء، ويريد الحفاظ على كل المكتسبات المحققة منذ الاستقلال، وإعطاء مسؤولية إدارتها لكفاءات شابة تتوفر عليها بلادنا.
- – الشعب يريد تلفزيونا عموميا قويا ينقل هموم الشعب ويخدم الوطن، ويسمح ببروز وجوه وكفاءات جديدة، ويريد التعجيل بإصدار قانون الإعلام الجديد والإفراج عن دفتر الشروط الذي يقنن لفتح قنوات تلفزيونية وإذاعية في مستوى بلد من حجم الجزائر.
- – الشعب يريد عيشا كريما لأبنائنا في كنف الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ويريد إعطاء الفرصة لجيل الاستقلال لكي يقرر مصيره ويختار المشروع الذي يريده، بعيدا عن سياسة الكوطات التي تعبنا منها، وبعيدا عن الشرعية الثورية والتاريخية التي قتلت فينا كل طموح.
- – الشعب يريد جزائر لكل الجزائريين ووطنا لكل المواطنين وفرصة لكل الشباب الطامحين، ويريد جمهورية ثانية ديمقراطية شعبية وعصرية تتكافأ فيها الفرص بين كل أبنائها، ومجتمعا متفتحا ومتعلما ومثقفا يسوده العدل والمساواة والأمان، ويريد سرعة في الإصلاح وجرأة في التغيير دون تردد أو تشكيك، ولو بتغيير الأشخاص والتراجع عن اختيارات، حتى نذهب إلى دولة مؤسسات لا إلى دولة زعامات مهما كان وزنها..
-
- derradjih@gmail.com