الرأي

ماذا لو‮ ‬يعود الشهداء؟

حفيظ دراجي
  • 9568
  • 0

كلما عادت ذكرى ثورة الفاتح نوفمبر المجيدة‮ ‬يعود معها اعتزازنا وافتخارنا بالانتماء لهذا الوطن الذي‮ ‬أنجب رجالا ونساء قهروا أقوى الجيوش،‮ ‬وانتصروا على الظلم والعدوان،‮ ‬وصنعوا واحدة من أعظم ثورات القرن العشرين،‮ ‬لكن بقدر اعتزازنا وافتخارنا ببطولات هؤلاء وأولئك فإن الشعور بالخجل والحسرة صار‮ ‬ينتابنا كل مرة لأننا لم نكن في‮ ‬مستوى التضحيات،‮ ‬وأحوالنا ليست في‮ ‬مستوى تطلعات شعبنا وطموحات الأجيال الصاعدة على الرغم من كل القدرات والإمكانات التي‮ ‬يتوفر عليها بلدنا‮! ‬

صرنا نخجل من أنفسنا وممارساتنا،‮ ‬ونخاف لو أن الشهداء عادوا‮ ‬يوماً‮ ‬وسألونا عن الأمانة التي‮ ‬تركوها لنا‮! ‬وسألونا عن تضحياتهم‮! ‬وماذا فعلنا بجبهة التحرير وبالشعب وأرامل الشهداء وأبنائهم؟ وماذا فعلنا بالاستقلال الذي‮ ‬كافحوا من أجله؟،‮ ‬وهل فعلا نحن أحرار ونعيش في‮ ‬كنف المساواة والعدل والحق وسيادة القانون،‮ ‬وكل المبادئ التي‮ ‬جاءت في‮ ‬بيان نوفمبر‮ ‬54؟‮. ‬

الحقيقة أن الفاتح نوفمبر صار مع مرور السنوات مجرد عطلة مدفوعة الأجر،‮ ‬ورقما من أرقام أيام السنة‮ ‬يستغلها بعض الانتهازيين لتحريف التاريخ وطمس الحقائق،‮ ‬وتكريس ثقافة النسيان والنكران لكل التضحيات التي‮ ‬تم اختزالها في‮ ‬بضعة أشخاص دون‮ ‬غيرهم،‮ ‬وتم حصرها في‮ ‬بضع مناطق دون‮ ‬غيرها من مناطق الوطن لدرجة ساد فيها الإحساس بأن ثورتنا لم تكن شعبية وليست ملكًا لكل الجزائريين‮!. ‬

حتى كتب التاريخ والكتب المدرسية وبعض وسائل الإعلام راحت تؤرخ لتزوير الحقائق والمغالطات،‮ ‬وتختزل البطولات والتضحيات في‮ ‬أطراف لم تشارك في‮ ‬الثورة،‮ ‬وأطراف أخرى لم تكن رقما فاعلا في‮ ‬ثورة التحرير وتاريخ الجزائر،‮ ‬وراحت تتعمد عدم ذكر الشهداء والأبطال خوفا منهم وهم أموات،‮ ‬وسعيا لصناعة أبطال من ورق ممن‮ ‬يتبوؤون المناصب ويستحوذون على الثروات،‮ ‬وربما من أبناء الحركى الذين فتحنا لهم ذراعينا التي‮ ‬أغلقت في‮ ‬وجه أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين،‮ ‬وكثير من أبناء الوطن المخلصين‮!.  ‬

شهداء الجزائر سيحزنون ويتألمون ويتحسرون كثيرا لو عادوا وسألوا عن علاقتنا بمستعمر الأمس وأرشيف الثورة وتاريخ الثورة،‮ ‬وسيحزنون كثيرا عندما‮ ‬يعلمون بأننا لم نكتب التاريخ،‮ ‬ولم نسترجع كل الأرشيف،‮ ‬ولم نتخلص من التبعية لفرنسا،‮ ‬ويحزنون أكثر عندما‮ ‬يعرفون بأن‮ ‬غالبية المسؤولين والإطارات‮ ‬يملكون الجنسية الفرنسية أو شهادة الإقامة في‮ ‬فرنسا،‮ ‬وأموالهم في‮ ‬فرنسا،‮ ‬وأبناؤهم‮ ‬يدرسون في‮ ‬فرنسا،‮ ‬وبأن استثمارات فرنسا في‮ ‬الجزائر تتزايد من‮ ‬يوم إلى آخر‮!. ‬

لو أن الشهداء عادوا لإلقاء نظرة على جزائر اليوم سيجدون الوطن في‮ ‬أسوأ أحواله والشعب مغلوب على أمره،‮ ‬ويجدون سيادتنا منقوصة وثرواتنا منهوبة،‮ ‬وسيجدون جيلا‮ ‬يعرف عن لاعبي‮ ‬الخضر والبارصا والريال أكثر مما‮ ‬يعرفون عن بن مهيدي‮ ‬وعميروش وسي‮ ‬الحواس وديدوش مراد وحسيبة بن بوعلي‮ ‬ومليكة قايد،‮ ‬وكل المعارك التي‮ ‬خاضها الأبطال في‮ ‬عهد الاحتلال‮.  ‬

الشهداء سيتحسرون عندما‮ ‬يكتشفون العبث الذي‮ ‬تعرضت له مؤسسة الجيش منذ الاستقلال،‮ ‬ويتألمون عندما‮ ‬يعلمون بأن عهد الشرعية التاريخية والثورية مازال قائما‮ ‬يحكم في‮ ‬بلد‮ ‬غالبيته شباب فقد الأمل وصارت‮ ‬غايته مغادرة الوطن بحثا عن فرص لتحقيق ذاته وإثبات قدراته،‮ ‬بعد كل الذي‮ ‬تعرض له من إقصاء وظلم وتحايل منذ الاستقلال إلى اليوم‮!.‬

ذكرى ثورة نوفمبر المجيدة لم تعد عيدا كما كانت زمان،‮ ‬ولم تعد مناسبة نستحضر فيها التضحيات،‮ ‬ونصحح فيها الاختلالات،‮ ‬بل صارت موعدا نتحسر فيه على أحوالنا وعلى الأجيال الصاعدة التي‮ ‬تشعر بالغبن واليأس والتذمر على الرغم من أنها من سلالة رجال لم‮ ‬يفكروا في‮ ‬المناصب والمكاسب،‮ ‬ووهبوا حياتهم من أجل أن نعيش نحن في‮ ‬كنف استقلال من دون حرية وبسيادة منقوصة‮!

مقالات ذات صلة