ماذا لو توقف الصراع في سورية غدا؟
حذّر تقريرٌ نشرته مؤسسة إعلامية استرالية مؤخرا، من نتائج الصراع الدامي في سورية على صعيد التكلفة المادية والبشرية.. وقال التقرير: إنه بموجب “السيناريو الأكثر تفاؤلاً”، وفي حال إعلان وقف النزاع في سورية هذا العام، فإن الكلفة الاقتصادية للحرب ستبلغ نحو (685 مليار دولار أمريكي)، أي أكبر 140 مرة من تقديرات منظمات الأمم المتحدة والدول المانحة لسدِّ الاحتياجات الإنسانية داخل سورية.
وأشار التقرير إلى أن الكلفة الاقتصادية للحرب قد ترتفع إلى 1.3 تريليون دولار أمريكي (1300 مليار دولار) في حال استمرارها إلى عام 2020.. وأشار إلى أن متوسط العمر المتوقع في سورية تراجع 15 عاماً، ليصبح 55.4 عاماً؛ أي أنه أقل من معدل العمر المتوقع في جنوب السودان (56 سنة).
ولفت إلى أنه كنتيجة غير مباشرة للحرب خسر قطاع التعليم ما مجموعه المباشر 24.5 مليون سنة دراسية، أي أن خمسة ملايين تلميذ خسر كل منهم خمس سنوات دراسية تقريباً.. وأكد التقرير أنه رغم الخسائر الاقتصادية الهائلة، فإن الخسائر على الصعيد البشري، خصوصاً الأطفال تفوق التصوّر، حيث تذكر الإحصائيات انه قد قتل 470 ألف شخص في الحرب، بينهم أكثر من 11 ألف طفل، ويبلغ عدد المحتاجين إلى مساعدة إنسانية 13.5 مليون شخص من بينهم ستة ملايين طفل. وفي حين لجأ حوالي 4.7 مليون سوري إلى الدول المجاورة مثل تركيا ولبنان والأردن، ووصل عدد المهاجرين إلى أوروبا 1.2 مليون سوري.
للأسف عاد الشأن السوري كله أرقاما: عدد القتلى، عدد المهجّرين، عدد اللاجئين، عدد الأطفال القتلى والمحرومين من حقهم في التعليم، نسبة التدني في المعيشة، سعر العملة، تدمير البيوت، إلى آخر المشهد الفاجع… تحولت سورية من بلد مجبول بشعب له حياته وأعضاؤه وحيويته ونسيجه ومزاجه ومشاعره وطموحه.. إلى أوصال مقطعة يتم الاعتداءُ عليه، فلا الوطن وطن، ولا الشعب شعب، ولا الهواء هواء، ولا شيء في مكانه.
ليس من المتوقع ان تنتهي الأزمة السورية خلال ايام لتبدأ عملية الإعمار والإنقاذ؛ لأن اللاعبين الرئيسيين في المشهد السوري لهم اهدافهم وغاياتهم البعيدة التي لا علاقة لها بالهمّ السوري “الشعب والمعارضة والدولة”.. ولئن بدأت تلوح في الأفق مخاطر التدخل الروسي في تصريحات ادلى بها مسئولون روس حول فيدرالية سورية، فإن هناك ما يقلق بخصوص التنسيق الأمني الروسي- الاسرائيلي تجاه العمليات العسكرية للطيران الروسي، فلقد تم سابقا قتل القنطار بالقرب من دمشق في حدود حماية الطيران الروسي، فهل كان ذلك ضمن التنسيق الروسي الإسرائيلي الأمني؟ وهل كان مفاد ذلك رسم الخطوط السياسية في المنطقة لسورية بعد الاحتراب؟
لم يعد بمقدور احد القول إن جوهر الصراع الدامي يدور حول معارضة سياسية للنظام وحريات رأي وتنوع حزبي، وإن كان ذلك كله من الحقوق التي ضيّق عليها النظام كثيرا ولم يحدث تغييرا يصل الحد الأدنى منها.. ولكن المعركة استهدفت تكسير سورية وانهاكها وارهاق روحها حتى اذا ما خرجت من الدوامة -اذا سمحوا لها – وجدت نفسها مكبّلة بشروط تحقق أمن اسرائيل واستقرارها.. هنا لا يهم الحديث في التفصيلات واستعراض الأسماء والقوى، لأن الكثيرين من المتحركين في المشهد ليسوا سوى دمى في المسرحية.
لذلك، فإن الجميع مدعوّ إلى اعادة النظر فيما هو واجب فعله تجاه سورية الشعب والدولة.. فسورية العربية المسلمة الحضارية معقل الشام الأغر وقلب العروبة النابض وبركة الله في أرضه مهد النبوات والرسل الكرام عليهم السلام تستحق من الأمة بكل دولها وأحزابها وفعالياتها نهوضا في مستوى الواجب والمسئولية.. تولانا الله برحمته.