الرأي

ماذا لو كان الأمر بأيدي العلمانيين؟!

سلطان بركاني
  • 1773
  • 12

المتابع للسّجال القائم في الدول العربية والإسلاميّة، حول عناصر الهوية، يلحظ أنّ العلمانيين والليبراليين، يحاربون على كلّ الجبهات، ويسجّلون حضورهم على كلّ الأصعدة؛ فهم تارة في صفّ المستشرقين والملاحدة؛ يثيرون الشّبهات حول مصادر الدّين ورموزه وحول تاريخ الأمّة، وتارة مع الإنسانيين يناضلون لتحكيم الديانة الإنسانية وجعلها فوق كلّ دين، ويطالبون بحذف كلّ مادّة تحيل إلى الإسلام أو شريعته في الدّساتير والقوانين وإبعاد الدّين عن المنظومة التربوية ومنع إقحامه في السّاحات السياسية والثقافية، وتارة مع غلاة الديمقراطيين يطالبون بتوسيع نطاق الحريات الشّخصية وتقنين العري والدّعارة والشّذوذ وتجريم إنكارها.

لا يفتأ العلمانيون في الدّول العربية والإسلاميّة يؤكّدون أنّهم لا يريدون أكثر من إبعاد الدين عن السياسة، بينما هم في حقيقة الأمر وفي الواقع يسعون لفصل الدين عن الحياة وإعدامه من الوجود، وفرض تعاليم الدّين العالمي الجديد، ولا أدلّ على ذلك من حروبهم التي لا يخبو لها أوار على الحجاب والأذان والأضحية وعلى مصادر السنّة وتاريخ الأمّة، ما يشي بأنّ نفوسهم العليلة تنقبض لوجود الدّين في البيوت والشّوارع والمساجد، وصدورهم تضيق بصور المحجّبات والملتحين وكلمات الأذان.

لو كان الأمر بأيدي العلمانيين المأزومين في بلاد المسلمين، لما قنعت نفوسهم بحذف الموادّ التي تحيل إلى الدين في الدساتير والقوانين، ولذهبوا بعيدا في التنقيب عن كلّ كلمة يمكن أن تخدم الدّين ليمحوها، وسنّوا موادَّ تجعل الدّين كلأً مباحا لكلّ معقّد وسفيه، وطبّقوا ذلك في أرض الواقع وحاربوا شعائر الإسلام في كلّ شارع وحي وزاوية.. لو كان الأمر بأيديهم لأخرسوا صوت الأذان وأسقطوا المآذن العالية لأنها تستفز نفوسهم المريضة.. لو كان الأمر بأيديهم لطمسوا كلّ أثر للدين في المنظومات التربوية، وجعلوا كتابة البسملة على السبورات والدفاتر جريمة لا تغتفر.. لو كان الأمر بأيديهم لمحوا كلّ أثر للدّين من قوانين الأحوال الشّخصية، ومنعوا النقاب والحجاب وغطاء الرأس، وجرموا إعفاء اللحى.. لو كان الأمر بأيديهم لحظروا طباعة المصاحف والكتب الدينية ومنعوا استيرادها.. لو كان الأمر بأيديهم لحجبوا المواقع الدينية، وذللوا الوصول إلى المواقع الإباحية، أكثر ممّا هو واقع.. لو كان الأمر بأيديهم لروجوا للخمور والمسكرات في المقاهي والمطاعم، وجعلوا عرضها أمرا ملزما!

لو كان الأمر بأيدي هؤلاء المقعدين ما خطر لهم على بال أن يرتقوا بالجامعات ومراكز البحث، ولا بالبرامج والمناهج؛ فهذه ليست من أولوياتهم ولا تدخل في دوائر اهتماماتهم، لأنهم لا يرون في الحضارة الغربية إلا زبدها، لذلك لا تستغرب أن تجد بين المنافحين عن هوية الأمة دكاترة وباحثين في مختلف التخصصات، بينما لا تكاد تجد بين هؤلاء الحاقدين سوى الفاشلين.

العلمانيون يعلمون أنّ المسلمين في البلاد العربية والإسلامية، لا يرتضون أفكار غلاة العلمانية ولا يؤيّدون مطالبهم المريبة، لذلك فهم يستقوون بالنظام العالمي ليضغطوا في اتّجاه فرض خياراتهم الشّاذّة، ومهما أمكنهم الوصول إلى بعض أهدافهم وتحقيق بعض مآربهم، إلاّ أنّ أهدافهم في إبعاد الدين عن الحياة وسلخ المسلمين عن دينهم، ستظلّ أضغاث أحلام، ولن تقرّ أعينهم بتحقيقها.. المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، مهما بعد من بعد منهم عن دينه، فإنّ الغيرة لدينهم لا تزال تتّقد في نفوسهم، وبعض المتربّصين بهويتهم سيظلّ يملأ قلوبهم.. مهما سُخّر للعلمانيين من أموال وإعلام، فإنّ جربهم لن تزيد دين الله إلا قوة، ولن تزيد الغيورين عليه إلا ثباتا، يقول الخطيب الإدريسي رحمه الله: “إنّ الإسلام إذا حاربوه اشتدّ، وإذا تركوه امتدّ، والله بالمرصاد لمن يصدّ، وهو غنيّ عمّن يرتدّ، وبأسه عن المجرمين لا يُردّ، وإن كان العدوّ قد أعدّ فإنّ الله لا يعجزه أحد”.. كان يكفي هؤلاء الحاقدين أن يعتبروا بحصاد الحروب التي خاضها بعض رموزهم الذين وصلوا إلى مراكز القرار؛ كان يكفيهم أن يعتبروا بحصاد ما فعله رمزهم “مصطفى كمال أتاتورك” بتركيا المسلمة؛ ها هو أتاتورك قد أفضى إلى ما قدّم، وها هو الإسلام في تركيا لا يزداد إلا عزّة وتمكينا.. كان يكفيهم أن يعتبروا بالقناعة التي وصل إليها “ميشيل عفلق” في آخر أمره، حينما قال: “لقد ندمت في مواجهة الإسلام وتمنيت أني لم أكن معه في مواجهة، لقد فقدت نصف الأتباع في الصراع معه، لقد رجعوا إليه”.. كان يكفي العلمانيين في الدول العربية والإسلامية أن يعتبروا بمثل هذه التجارب الفاشلة، لكنّ أحقادهم تؤزّهم ليعيدوا الكرّة والمحاولة، ويركبوا موجات يظنّونها توصلهم إلى مبتغاهم، لكن هيهات هيهات، ((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)).

مقالات ذات صلة