ماذا لو كان للجزائر “معهدٌ للدراسات العلمية المتقدمة”؟
ذكَّرنا إنشاء “المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج” بقصة ليون موتشان Léon Motchane (1900-1990) وإنشائه لمعهد الدراسات العلمية المتقدمة (IHES) بباريس لأن من أبرز الأمور التي يحتاجها نجاح البحث العلمي في البلاد هو إنشاء هيئة جزائرية من هذا القبيل تستقطب الباحثين من الداخل والخارج، سيما من جاليتنا المغتربة.
كان موتشان منبهرا بالتجربة الأمريكية
من هو ليون موتشان؟ إنه رجل أعمال فرنسي من أصل روسي وصل إلى فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي، وشارك في المقاومة الفرنسية ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم نجاحه في عالم الأعمال، ظل مُغرما بالرياضيات حتى أنه ناقش شهادة الدكتوراه في هذا التخصص عند بلوغه سن الخامسة والخمسين.
كان موتشان منبهرا بالتجربة الأمريكية التي أنشأت “معهد الدراسات المتقدمة” IAS الشهير… ذلك المعهد الذي تم تأسيسه عام 1930، واحتضن كبار علماء العالم. قرر موتشان إنشاء مؤسسة مماثلة في أوروبا. ولذا تواصل مع مدير المعهد الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية فشجعه بقوة على إنشاء مؤسسة أوروبية من هذا النوع حيث رأى العالِم الأمريكي في المشروع فرصة فتح فضاء علمي عالمي جديد. وهكذا اعتمد موتشان على شبكة علاقاته الواسعة في دوائر السياسة وعالم الأعمال وعلى الروابط التي متّنها خلال المقاومة الفرنسية في الأربعينيات، فتمكن من إقناع عدد من كبار رجال الصناعة بتمويل المشروع. ومن ثمّ، وُلد معهد الدراسات العلمية المتقدمة بباريس سنة 1958.
بدأ المعهد نشاطه في غرفتين صغيرتين بباريس، لكنه استقطب منذ البداية أسماء استثنائية في الرياضيات استطاعوا تأسيس مدرسة رياضية حقيقية تركت بصمة عميقة في هذا الاختصاص. انتقل المعهد سنة 1962 إلى مكان أرحب شُيّدت به نحو 60 شقة لاستقبال العلماء حيث أصبح وجهةً للباحثين من جميع أنحاء العالم، وتحوّل تدريجيا إلى مؤسسة مرجعية في البحث الأساسي (الرياضيات والفيزياء). وها هي بعض الأرقام التي تفيد في إدراك مكانة المعهد: فقد عمل فيه 8 باحثين من الحائزين على ميدالية فيلدز Fields، أعلى وسام في الرياضيات؛ ونال 7 منهم هذه الجائزة بعد -وليس قبل- التحاقهم بالمعهد. كما ارتبط اسمه بثلاثة فائزين بجائزة آبل Abel النرويجية التي توصف بأنها “جائزة نوبل للرياضيات”.
ولا يقتصر دور المعهد على استضافة كبار العلماء بل يستقبل سنويا أكثر من 200 باحث من أرجاء العالم. ويُعد هذا الانفتاح الدولي أحد أسرار نجاح المؤسسة التي أسهمت في تكوين أجيال جديدة من الرياضياتيين والفيزيائيين. ولم يكن تأثير المعهد محصورا في الحدود الفرنسية أو الأوروبية بل أدى إنتاجه إلى صياغة العديد من الاتجاهات الكبرى في الرياضيات المعاصرة، وصار اسمه مرادفا للبحث العلمي الحرّ وللتميز الأكاديمي على أعلى مستوى.
أزمات مالية واستقلالية لا تُقايَض
يخطئ من يتصور أن الطريق أمام إنشاء هذا المعهد كان معبدا بالزهور. فعلى الرغم من هذا النجاح العلمي المذهل، لم يكن تاريخ المعهد خاليا من الصعوبات والمطبّات. ومن بين الصعوبات التي لقيها رفض بعض العلماء البارزين الانضمام إليه لأن وزارة الدفاع الفرنسية كانت تسهم في تمويله… بل إن أحد أبرز رواده الأوائل، عالم الرياضيات ألكسندر غروتنديك، قد استقال منه في مطلع السبعينيات احتجاجًا على بعض خيارات تمويله علما أن هناك دولا أوروبية وآسيوية تشارك في تمويل المعهد.
فعلى سبيل المثال، واجه المعهد أزمة مالية خطيرة خلال تسعينيات القرن الماضي بعدما أوقفت بعض الدول دعمها المالي. وكانت الأزمة عميقة إلى درجة أن الرياضياتي الفرنسي جان-بيير بورغينيون Bourguignon، الذي تولى إدارة المعهد بين عامي 1994 و 2013، روى أنه اضطر في بداية عهدته إلى تقديم استقالته بسبب عدم تمكن المعهد من دفع راتبه، واضطر إلى العودة إلى عمله في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي CNRS.
لكن بورغينيون استطاع أن يحوّل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة التفكير في نموذج تمويل المؤسسة. فقد أطلق حملة دولية واسعة للبحث عن داعمين وممولين جدد، متنقلا بوجه خاص في كبريات المدن الأمريكية طالبا العون، ومستفيدا من دعم شخصيات فرنسية وأمريكية عديدة. كما أُنشئت صناديق دعم خاصة للباحثين القادمين من اليابان والصين بفضل جهود علماء هذين البلدين، فضلاً عن مساهمات شركات آسيوية ودولية.
ورغم كل ذلك كانت إدارة المعهد متسكة بمبدأ أساسي لم تَحِد عنه، وهو الحفاظ على الاستقلال الكامل للقرارات العلمية. فقد رفضت المؤسسة كل تمويل مشروط أو مساهمة قد تؤثر في حرية الباحثين أو في توجهات البحث العلمي. وبفضل تطبيق هذا المبدأ تمكّن المعهد من الجمع بين تنوع مصادر التمويل والمحافظة على استقلاليته الأكاديمية.
واليوم، وبعد ما يقرب من سبعين عاما على تأسيسه، لا يزال معهد الدراسات العلمية المتقدمة يمثل نموذجا فريدا في عالم البحث العلمي… فهو مؤسسة صغيرة في حجمها، لكنها عملاقة من حيث إنتاج الأفكار وتأثيرها في تطور الرياضيات والفيزياء. ففيه وُلدت بعض أهم النظريات الرياضية في العصر الحديث، ولا يزال هذا المركز يستقطب أفضل العقول العلمية من مختلف أنحاء العالم.
في الختام، نعتقد بكل تواضع أن قطب سيدي عبد الله العلمي والتكنولوجي في الجزائر يتمتع الآن ببنية تحتية متينة ومتنوعة لازالت تتوسع، تضم 5 مدارس وطنية عليا ومركز للبحث في الرياضيات التطبيقية. ومن ثم، فإننا نرى هذا القطب موقعا مثاليا لإنشاء مركز وطني يصمم على شاكلة معهد الدراسات العلمية المتقدمة الفرنسي أو معهد الدراسات المتقدمة الأمريكي لجذب الكفاءات العلمية.
كما نرى هذا المشروع يماشى تماما مع الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى استقطاب العلماء الجزائريين في المهجر إلى جانب نخب الباحثين في الداخل وإدماجهم في المشاريع البحثية الكبرى والتعاون في جميع الفروع العلمية. وما من شكّ أن مشروعا من هذا القبيل سيكون -إذا ما تحقق- نواة تعزز دور النخب المحلية وطلبة الدكتوراه. وبفضل الدعم الرسمي الذي يحظى به القطب، يمكن لهذا المركز أن يكون ركيزة حقيقية للتميز العلمي، شريطة توفير بيئة بحثية لائقة، وحوافز مادية ومعنوية جذابة، والقضاء على الحواجز البيروقراطية التي تقف حجر عثرة أمام الباحثين في الداخل والخارج.