الرأي

ماذا نريد من الأئمة؟

الشروق أونلاين
  • 3498
  • 0

لقد شرّف الله تعالى بعض عباده ليكونوا أئِمّة، وأنعم عليهم بأن اصطفاهم من خلقه ليحملوا عبء فهم رسالته وتبليغ دعوته ونشر هدايته، وأورثهم وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، التي سبقت جميع الوظائف، كما قال ابن القيم رحمه الله: “وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور الأعداء، لأن ذلك التبليغ يفعله كثيرٌ من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه”.

ولأن وظيفة الأئمة سبقت غيرها من الوظائف، فقد سبق أصحابُها غيرهم من العباد، قال الله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.

إن أوّل ما نريده من الأئمة أن يستشعروا هذه المكانة العالية، وهم يؤدّون وظيفتهم، ثم يشكرون الله العلي القدير على هذه النعمة الربانية التي لا مزيّة لمخلوق فيها، ولهم في عمر بن الخطاب رضي الله عنه سندٌ حسن حين يقول: “الحمد لله الذي امتنّ على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى…”. 

ومع استشعارهم لهذه المكانة، يتوجب عليهم أن يكونوا قدوة حسنة لمن يؤمّون، سباقين لكل فعل خير يرشدون إليه، مبتعدين عن كل نهي حذروا منه، وبذلك سيتحررون من كل عائق يعيقهم في أداء دورهم كاملا غير منقوص، لا يخافون في ذلك لومة لائم، يقدِمون على العظائم في غير تهوّر، ويحجمون عن الصغائر في غير جبن، مقدرين موقع الرِّجل قبل الخطو، جاعلين أول الفكر آخر العمل، كما قال العلامة الإبراهيمي رحمه الله، وتكون خطبُهم مستوحاة من قناعاتهم الصادقة، حتى لو كان المستمِع هو وزير الشؤون الدينية والأوقاف -الذي يحتاج إلى الصدق في النصيحة الذي قلّ ما يجده عند بعض من بطانته- ثم بعد ذلك لن يركنوا إلى أي علاقات أو نفوذ أو أصحاب مال، حماية لظهورهم أو طمعا فيما عندهم، لأنهم هم الذين يعلّمون الناس أن الرزق بيد الله، والخوف من الله وحده، كما أنهم لن يقبلوا بعد ذلك أن يُستعملوا في تبييض صورة المشوهين من رجال المال والأعمال والجاه، الذين يشترون صحبتهم والتقرب منهم بمختلف الماديات الرخيصة وإن غلت. ولا يكون حضورهم في المحافل إلا للمشاركة والإسهام في الإصلاح، أما أن يكون حضورهم لتزيين القاعات وتجميل القعدات لمسئولين في القطاع أو خارجه، أو يُستَدعون فقط وقت الأزمات، فهذا ما سيرفضونه جملة وتفصيلا. 

ونريد من الأئمة ثانيا أن يتجاوزوا جراح وآلام الوضع الاجتماعي الذي لا يليق بهم، وأن يكون أكبر همّهم هو الدعوة إلى الله، حتى تمتلك عليهم شغاف قلوبهم، وتحتلّ قمة أولوياتهم، ويطلقوا في سبيلها كافة أعذارهم، لأنه إذا غاب همّ الدعوة عن قلوب الأئمة انشغلوا بأنفسهم، وقل تأثيرهم واضمحل إنتاجهم، فهل يليق بهم أن يختصروا طموحاتهم في دنيا زائلة، ومتاع فان، أو أن يسعوا إلى وظائف مغرية -كالانتداب إلى فرنسا- تمتص رحيق شبابهم لتذبل بعد ذلك زهرة حياتهم؟

إن غايتهم جنة أبدية عرضها السموات والأرض يفوزون بأعلى درجاتها، فهم الأجراء عند الله الذين يحملون همّ تبليغ رسالته ونشر دعوته، ولله درّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قال: “العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب”، فليرفع الأئمة سقف مطالبهم في الدنيا والآخرة، وليعملوا على أن لا ينفقوا لمصالحهم وشؤونهم الشخصية، إلا ما يمكن من أوقاتهم وجهودهم، فتكون معظمها منصرمة لما اتخذوا لأنفسهم من الغاية في الحياة، ورحم الله البيهـقي عندما، قال: “بقدر ما تحزن للدنيا، يخرج همّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج همّ الدنيا من قلبك”. وعندئذ يتحول حمل همّ الدعوة إلى جهد ماتع مع أجر وافر، وسمو مكانة عند الله وعند خلقه.

نريد من الأئمة ثالثا أن يكونوا ورثة أولي العزم من الرسل، خاصة ونحن نعيش في ظل هجمة شرسة من عدو متبجح يصل الليل بالنهار، في سبيل اقتلاع ديننا، أو على الأقل تمييعه في حياتنا ليسهل تشتيتنا وتمزيقنا، وفق مذهبيات ونِحليات متعددة، عدو كشر عن أنيابه وأظهر ما كان مستورا في فؤاده، وسخر طاقاته وثرواته لبلوغ مراده، وتحالف مع أمثاله في الداخل والخارج، فكيف نواجه هذا كله بهمم خائرة وعزائم مريضة؟ كيف يحمل مسؤولية الدفاع عن هذا الخطر العظيم ضعيفٌ متخاذل أو كسول متراخ؟

يكون الأئمة كالهواء يملأ الفراغ من حول الناس، وينتشر بينهم موزعا نسماته وبركاته على كل من يمر به، فكما لا نستشعر أهمية الهواء حتى نفقده ونصاب بالاختناق، فكذلك الأئمة يشعر الناس بأن أرواحهم أصابها لونٌ من ألوان الموت بفقدهم، فلا يعود هناك ما يستنشقونه من عبير كلماتهم وعطر أفعالهم.

إنه لا يصلح لكل هذا إلا الجد والقوة، وهي لغة القرآن التي خاطب بها ربنا تبارك وتعالى نبيه يحيى عليه السلام فقال: “يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ” الآية، ولا يكون الأئمّة أقوياء إلا إذا امتلكوا ناصية القوة المعنوية في ميدانهم، وهي العلم، فلا يركنوا إلى ما يُسمى بالتكوين المستمر الذي تحوّل إلى اجتماعات مملة تُعرض فيها التعليمات والقرارات، بل عليهم بالاستمرار في طلب العلم والمراتب العليا دائما، وأبدا يتذاكرون بدروسهم الأسبوعية معارفهم، ويزاحمون بركبهم مشايخنا، ولا يزهدون في مقاعد الجامعة، كلما أتيحت لهم الفرصة –ويجب أن تتاح لهم ضمن اتفاقيات بين الوزارتين- ويقتحمون تكنولوجيا الاتصال الحديثة بكل وسائطها.

 كما أنهم لن يفرطوا في القوة المادية عن طريق السعي الحثيث والأكيد لتحقيق مطالبهم المشروعة والواقعية، كغيرهم من القطاعات الأخرى، حتى في زمن التقشف المزعوم، الذي استثنيت منه قطاعات ليست بذات أهمية أكبر من قطاعهم.

ونريد من الأئمة رابعا أن ينتقلوا من دائرة الصلاح إلى دائرة الإصلاح، ومن قاعدة التأثر إلى منصة التأثير، فيُترجموا هم الدعوة الذي حملوه إلى واقع معاش وعمل ميداني، مجسِّدين بذلك أحد أسباب خيرية هذه الأمة، وهي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف يهدأ لهم بال وهم يرون الأرجاء وقد ملئت بالمنكرات، والشبان قد تاهوا وسط الانحرافات، والبنات قد صرن متبرجات، فضاعت بذلك الأخلاق التي ورثناها عن صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم، وحملها الكافرون بعد أن تخلينا عنها في سوق الهجران، فصارت بذلك أمة المليار- للأسف الشديد– لا تحصد في ميادين الإنجازات سوى الأصفار؟

إذا بكى الكثيرون هذا الحال، فإن البكاء غير كاف في حق الأئمة. ولكن دموعهم وأحزانهم لها وظيفتان: رفع الحق ودفع الباطل، فمن لهذا المجتمع يصلحه ويهديه ويسير به إلى بر الأمان إن لم يكن الأئمة على رأس قائمة المصلحين؟ ويكون خطابهم واقعيا يعالج هموم مجتمعهم، وليس نظريا مستوردا من خطب فلان أو علان، ولا يخرج عن المرجعية الدينية الوطنية التي لم تحدد معالمها إلى حد الآن، في ظل غياب قانون توجيهي للقطاع، يحدد هذه المصطلحات وغيرها تحديدا دقيقا لا يقبل التأويلات، ولا يخدم المصالح الضيقة لمسؤول أو جهة، فيعيشون حقيقة لدينهم ووطنهم، لأن الوطنية سمة بارزة فيهم لا ينازعهم فيها أحد، ورحم الله العلامة ابن باديس الذي قال: “لمن أعيش؟ وأجاب: للإسلام والجزائر”. 

الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا، حتى إن الأطباء النفسانيين وجدوا أن من يفكر في غيره هم أقل الناس إصابة بالضغوط النفسية والاضطرابات، كما أن الاهتمام بالنفس هو في حقيقته طفولة متأخرة، فمن كبر سنه ولم يزل غير مهتم إلا بنفسه كان ذلك من علامات طفولته وصغر سنه، وإن شاب شعرُه، أما من اهتم بغيره فقد شبّ عن الطوق ونضج، وبلغ مبلغ الرجال وإن لم يبلغ الحِلم بعد، ولذلك فإن الذي يحمل همّ المجتمع والنهوض به من سبات الجهل والأخلاق السيئة فما له وللنوم؟ وما له وللفراش الدافئ والعيش الهادئ؟ 

نريد من الأئمة أخيرا أن يخرجوا لنا رجالا حقيقيين، فتاريخ الأمم جميعا إنما هو تاريخ ما ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء، وإنما تقاس قوة الأمم بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة، فالرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته، فيؤسسوا المدارس القرآنية ليتعلم أولادنا القرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا ومنهجا، ويسمع لهم في كل مسجد أزيز كأزيز النحل، ويحتكوا بشباننا ويتقربون منهم ويكتشفون جوانب الإبداع فيهم، ثم يوجهونهم الوجهة الصحيحة البعيدة عن كل تطرف مذهبي أو نِحلي، وكم في نفوس شبابنا من خير عميق ورشد دفين، يحتاج لمن يخرجه فيعلو ويركم كل خبيث ظاهر.

وبكل ما سبق، يكون الأئمة كالهواء يملأ الفراغ من حول الناس، وينتشر بينهم موزعا نسماته وبركاته على كل من يمر به، فكما لا نستشعر أهمية الهواء حتى نفقده ونصاب بالاختناق، فكذلك الأئمة يشعر الناس بأن أرواحهم أصابها لونٌ من ألوان الموت بفقدهم، فلا يعود هناك ما يستنشقونه من عبير كلماتهم وعطر أفعالهم، وعندئذ سينالون الخيرية التي وعد بها حملة الرسالات والدعوات.

قال الله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ”.

مقالات ذات صلة