ماذا يحدث في بر مصر؟
ما الذي يحدث في مصر برها وبحرها وجوها بعد أن استلم رئاستها محمد مرسي بانتخابات أقر الجميع بصحتها!
بالتأكيد أن أحدا من اللاعبين الدوليين والإقليميين لن يسمح لتلك الانتخابات أن تمضي إلى غاياتها، لأن غاية أي انتخابات ليس وصول تيار ما إلى الكرسي بل أن تستقر الأمور وتقود الأغلبية المنتخبة المجتمع إلى بر أمانه بكل هدوء وتعاون، بمعنى أن تزدهر “الديمقراطية” والديموقراطية “كانت ما كان شكلها” ممنوعة في الوطن العربي وخاصة مصر بأمر من اللاعبين الدوليين أنفسهم الذين ينادون بها ليلا نهارا وبتنفيذ من أدواتهم الإقليمية. وأدلتنا على ذلك كثيرة “فالديمقراطية” التي يتشدق الجميع بأنها موجودة في لبنان منذ أربعينيات القرن الماضي لم تتمكن من التقدم سنتيمترا واحدا خارج لبنان، مما يؤكد أنها ليست الديمقراطية التي يتحدث عنها الجميع “بل إن كل الديكتاتوريات التي حكمت وتحكم الوطن العربي بما فيه مصر رفعت شعار الديمقراطية إلى جانب القضية الفلسطينية والتنمية وغيرها من سلسلة الشعارات البراقة ولم يكن ذلك إلا كذبة أخرى لترسيخ الديكتاتورية نفسها.
ومصر كما هي في هذا المكان، ليست قيمة اقتصادية، ولا قيمة عسكرية ..مصر في هذا المكان دور نعم هذه قيمة مصر.. عبقرية كيانها أنه أعطاها “دور” في كل ما يدور في هذه الدنيا من أحداث ومن “قيم” والحاكم المصري الناجح هو الذي يعرف بدقة “الدور” الذي يعطيه “الزمان” التغيير لـ “مكان” مصر الثابت.
.
وهنا بالضبط معضلة الرئيس محمد مرسي؟هل يدرك دور مصر الآن، وبالضبط الآن؟
كشخص لا تنقص الرجل الصفتين الأساسيتين في مصر
1- تدني جمهورها وشعبها 2 – انفتاح مثقفيها على العصر فأي من الصفتين ستغلب الأخرى في ممارساته؟
هذا هو السؤال التفصيلي، لأن الممارسة هي التي تحدد مدى فهمه وإدراكه “الدور مصر الآن”.
لكن الذي رأينا في الممارسات التفصيلية لهذه الشخصية الدينية والعلمية أن اختيار المستشارين لم يكن دقيقا.. بل يبدو أنه تم على أساس سياسي – انتخابي مؤقت.. ذلك أننا نفاجئ بالرجل يدخل في “ورطات” يسببها مستشاروه، وفي ذلك
1- ورطة مع المؤسسة العسكرية
2 – ورطة مع المؤسسة الإعلامية
3 – ورطة مع المؤسسة الديبلوماسية
4- ورطة مع المؤسسة القضائية
وعدا عن هذه “الورطات” النوعية هناك ورطات عامة، ومنها
1- ورطة مع ميدان التحرير الذي يريد بقايا ثواره أن يكونوا معادلا لـ “فلول النظام” فالرجل محاصر بين الثوار والفلول
2- ورطة على الحد الشرقي للأمن القومي المصري، فأمن مصر من ناحية الشرق يبدأ من جبال الأناضول، وها هي تركيا تتحرك باسم الدين في سورية وحتى غزه، بالإضافة إلى حركة إسرائيل، وهذا تهديد جدي لأن مصر، وكذا الأمر على الحد الجنوبي فالسودان وما فيه وما بعده هو في حالة تهدد مصر ليس في مياه النيل وحسب بل وفي بعدها الإفريقي اقتصادا وثقافة وسلاما، أما الحد الغربي حيث ليبيا فإن “البندير” يسخن
3- وورطة أخرى بل ورطات مع الموضوع الفلسطيني ومع الموضوع الخليجي والإيراني ومع الموضوع الإسرائيلي.. ناهيك عن الموضوع الأمريكي المتواجد والصانع لكل ورطات الرئيس سرا وعلنا وقد فتح مستشارو الرئيس محمد مرسي كل هذه الورطات (النقل الجبهات) في سرعة قياسية، سواء فتحوها مباشرة أو بالاستجابة لمن جروهم إليها أو تحدوهم بها.
وقد رأيناه يتدخل في اللحظة الأخيرة لينقذ الموقف، كما هو حاله مع النائب العام والمؤسسة القضائية.
وهنا استفهام؟ هل يريد مرسي أن يكون رئيس اللحظة الأخيرة بمعنى أن يترك الأمور “تتعفن” ثم يقوم بدور المنقذ؟ ذلك فهم للسياسة لا يتماشى أبدا مع تاريخ السياسة في مصر التي كان فرعونها يعرف ما يجري في آخر نجع من نجوعها. فإذا كان مرسي يستغرق في صلواته “كما كان يستغرق ؟؟ ملك ليبيا، فإن ذلك ليس ببعيد الشبه عن استغراق فاروق ملك مصر في “ملذاته” كلاهما يصب -سياسيا- في طاحونة الآخر تماما كما يصيب اليسار المتطرف في جرة اليمين، والنتيجة ضياع السلطة.
وأعتقد أن نوعية المستشارين الذين عينوا على عجل هي التي تخلق كل هذا “الغمام” أمام عيني مرسي وتحول بينه وبين التمعن في شخصيته، وبالتالي شخصية مصر واكتشاف دورها الآن، نعم الآن في هذه الدقيقة، فقبل دقيقة كان الوقت مبكرا وبعد دقيقة سيكون الوقت متأخرا، على مرسي أن يكتشف دور المكان في هذا الزمان بالضبط؟
وسبب العزم الذي أوجده المستشارون مباشرة أو غير مباشرة، ليس في نواياهم ولا وطنيتهم.. فمن الواضح أنها تكمن في فهمهم لموضوعة “التحدي والاستجابة” فتحدي المآسي، التي أوجدها نظام حسني مبارك لا يكمن في هذا النوع من الاستجابة، الذي رأيناه في ملاحقة الفلول من الإعلاميين أو القضاة أو حتى العكسر.. فهي ذات المسرحية التي قام بها السادات وخلفه.. بينما ظل المسرح على حاله.
.
قد يسألني قارئ الآن؟
إنك تتحدث عن دور مصر، ألا ترى مرسي يعيد مصر لدورها العربي؟ ها هم المحللون والمعلقون والثوريون يقولون بذلك وها هو يفتح أبوابا مع تركيا والسعودية والفلسطينيين وحتى مع إيران والموضوع السوري؟
وأجيب القارئ السائل، بأن ذلك جزئية لا قيمة لها خارج شاشة التلفزيون، فأنا أعتقد أن دور مصر الآن الآن وفي هذه اللحظة بالذات هو العمل الفوري وبكل جدية واندفاع وشجاعة، نعم شجاعة، في إقامة “الوحدة الاقتصادية العربية”. فالدول العربية لم تتقدم حتى الآن ولو خطوة جدية واحدة نحو الوحدة الاقتصادية رغم وجود فريق كامل في الجامعة العربية يقوم بممارسة “البطالة المعتقة” منذ تأسيس الجامعة حتى الآن، وبإمكان مرسي أن يستغني عن هذه الجامعة التي صارت عبئا على “المواطن” العربي وعنوانا للإساءة إلى مصر بدل خدمتها! وبإ!مكان مرسي البدء فورا بإقامة مؤسسة للاقتصاد العربي الموحد، بديل هذه الجامعة وسائر مؤسساتها المخترقة.
من المعروف أن عالم اليوم لا يفهم سوى لغة الاقتصاد فالرقم هو سيد النص كما نقول نحن أهل الإعلام. وهو محور العمل كما يقول أهل السياسة المعاصره. ومصر حين تلعب هذا الدور، يعني أنها تقوم بطبعها وطبيعتها فالاقتصاد العالمي يتصارع اليوم على هذه المنطقة بالذات منطقة الوطن العربي، ففيها النقود وفيها المستهلك!
.. ولذلك فإن دور مصر هو إقامة هذه الوحدة دون النظر إلى أهل النفط ونقودهم.. واعتقد أن ذلك أمر ممكن إذا ما أرادت مصر أن تكون مصر، لأن الاقتصاد مسألة شعبية في نهاية المطاف.. وستكون الشعوب العربية خاصة في الدول غير النفطية، معها.. وهكذا تبدأ مصر دورها يمكن لمرسي أن يعتمد في الإطار الشعبي للوحدة الاقتصادية على ركيزتين:
أولاها: أن عددا معتبرا من جماعة الإخوان المسلمين لهم خبرات لا يستهان بها في الأسواق العربية والعالمية ولهم علاقاتهم المؤثرة مع رجال الأعمال العرب والدوليين.
ثانيها: أن يقيم مصالحة حقيقية مع الفكر العربي الإسلامي بمختلف أطيافه خاصة وأنه يملك مفتاحا مهما في هذا التيار داخل مصر وهو التيار الناصري الذي يتزعمه منافسه في الرئاسيات الأستاذ حميدين صباحي الذي يجعلته مهنته الإعلامية صاحب علاقات واسعة مع المثقفين العرب داخل وخارج مصر.
وفي اعتقادي أن مسعى إقامة الوحدة الاقتصادية العربية على أسس شعبية جماهيرية هو دور مصر الآن وهو السعي الذي يخلّص مرسي من هذه المعارك التافهمة التي يجره إليها مستشاروه، فما معنى معركته مع الفنانين هل سيصدر سيادته فتوى أم مرسوما جمهوريا بطريقة تفصيل بدلات الراقصات؟ أم يقف يقف على بوابة رفح يغلقها ويفتحها حسب رزنامة نتنياهو؟
إن الذي يحدث في بر مصر الآن خطير وخطير جدا، ويؤثر عليها وعلى مستقبلها تأثيرا قويا وهي مقصودة؟
وبر مصر، ليس الصعيد أو الدلتا، فحسب ..إنه المنطقة العربية، وإذا كانت مصر تسمى باللغات الهيروغليفية القديمة الأرض المقدسة أو الأرض الطيبة، فإنها في العربية القديمة تعني البلدة التي تدفع لها الضرائب أي العاصمة، ولمعلومات القارئ فإن العالم عرف النقود من خلال مصر.. فهي التي اخترعها لذلك فالمشارقة، خاصة في بلاد الشام يسمون النقود “مصاري” ..لم يكن في ذلك الزمن “نفط” وقامت مصر بدورها وهو دور يناديها الآن.. أما الذين يحشرونها في مبنى جامعة الدول العربية، ويدخلونها تحت عباءة بني نقط، فهم يلعبون عليها.. ولعل عبد الناصر استرد دور مصر بقفزة عن الجامعة والعباءة وذهب مباشرة إلى الشعب المصري والعربي.. فمن ذا الذي ينكر أن عبد الناصر كان محركا لبر مصر كله، في إفريقيا وآسيا.
لقد استعاد عبد الناصر دور مصر عبر طرح الوحدة العربية والقضية الفلسطينية، وحين تخلى عنها السادات وخليفته فقدت مصر دورها.. بل هي على وشك الإفلاس الاقتصادي رغم أن التخلي عن العرب وفلسطين تم تحت شعار تحقيق الرفاهية.