الرأي

ماذا يُراد بليبيا؟

صالح عوض
  • 2359
  • 0

بعد العملية العسكرية الأمريكية التي استهدفت مواقع عسكرية للمجموعات المسلحة في ليبيا، أصبح واضحا أن هناك تدويلا للعنف على الأرض، فلقد سبق ذلك نقل آلاف المسلحين من تنظيم داعش إلى ليبيا من ساحات المعركة في العراق وسوريا، وأمام أعين الغربيين الذين يحرسون البر بطائرات الاستطلاع والبحر بأساطيلهم المتعددة.

لم يعجب الغربيين أن يقترب الليبيون من صيغة حل تُخرجهم من الفوضى السياسية بعد أن أصبح واضحا أن المجتمع الليبي الذي يبدو متنافرا مضطربا لا ناظم له إنما هو مجتمع يحتكم إلى أعراف وقوانين وقيم تجعل الاقتتال يتحرك في دائرة ضيقة يمكن السيطرة عليها.. وعلى هذا كان بالإمكان التوجّه خطوة خطوة إلى تكريس واقع التعايش من جديد والخروج بالليبيين من المأزق.

في ليبيا مليشياتٌ فسيفسائية منتشرة في المدن والبوادي، لكن ذلك كله يمكن أن يكون خاضعا في لحظة ما للقرار المدني لولا التدخلات الإقليمية التي أربكت المشهد ودفعت بالمجتمع الليبي إلى حالة تمزق وقلق، وظلت ليبيا كشعب لا تشكل حالة عنفية يمكن أن تقوم بتصدير العنف إلى الإقليم، وإن كان فتح مخازن السلاح الليبي أصبح مغريا لكل تجار السلاح الذي عاد متعدّد المهمات..

 العنف هو ذلك الوافد من خلال تنظيمات مسلحة إيديولوجية يتم تحريكها وفق أجندات حسب حجم الاختراقات الأمنية الغربية والإقليمية لها.. وهذه التنظيمات تُسيّر كأدوات لازمة في انجاز استراتيجية دولية في المنطقة العربية.. ومن هنا يصبح الخوف حقيقياً من تفشِّي ظاهرتها وامتداد فعلها خارج الحيِّز الذي تتحرك فيه مرحلياً.

في ليبيا ليست فقط المليشيات المسلحة الليبية، إنما الشركات الأمنية التي تقوم بحراسة المصالح الفرنسية والبريطانية والأمريكية والايطالية.. يعني بصورة واضحة أن التدخل العسكري الأجنبي موجود فعلا في الأراضي الليبية، إلا أن القرار الغربي وصل إلى مرحلة متقدّمة في الهجوم على الفريسة الليبية، حيث ينبغي أن تتواجد قواعد عسكرية غربية حول حقول النفط والمصالح الحيوية الأمنية والاستراتيجية بشكل سافر، وهنا كان لابدّ من تهيئة المبرر، فكان تسهيل انتقال داعش إلى مواقع استراتيجية في ليبيا، ومن المعروف أن الغرب من خلال مؤسسات قانونية وسياسية دولية أصدر قرارات تشيْطن داعش وتعلن الحرب عليها، وتحت هذا الغطاء يتم التحرك الغربي للتدخل العسكري.

التدخل العسكري الغربي في ليبيا يتحرك نحو إنجاز عدة أهداف على رأسها حماية النفط، وسرقة الذهب، ووضع اليد على أموال ليبيا، وتوزيع ثروتها على اللصوص الكبار في العالم، وهذا يتم من خلال تشتيت الليبيين وإلهائهم بتناقضات شكلية وإغراقهم في الريبة والشك من بعضهم بعض.. أما الهدف الاستراتيجي الآخر فهو تصدير العنف بالضغط على المجموعات المسلحة للبحث عن محاضن جديدة في المنطقة، وبذلك يصبح جوار ليبيا مهدّداً باختراقات لموجات عنفية شديدة في المرحلة القادمة.

هنا يصبح الانتباه للشأن الليبي لا يقف عند حدود ليبيا والسهر على حماية الحدود؛ لأنه بالاضافة إلى صعوبة المهمة، فهي لا تفي بالغرض.. بل لابد من التقدّم بفاعلية وتوسع في الشأن الليبي لتشجيع الليبيين ودعمهم للخروج من مأزق التشتت ودفعهم بكل الوسائل لتكوين كيان سياسي واحد يقطع الطريق على المخطط الغربي الذي يرى في تشتّتهم فرصته لانجاز مهامه.

جوار ليبيا معنيٌ بلا شك وبصورة واضحة بإيقاف التغوّل الغربي نحو ليبيا، لأن المسألة لا تقف عند حدود المبادئ، إنما تتجاوزها إلى صلب الحياة في المجتمعات المجاورة.. وعليه فإن المبادرات والخطط والانتباه والعمل الدؤوب ينبغي أن يكون ضمن توافقات جوار ليبيا لتجفيف مستنقعات الإفساد الأمني والسياسي في ليبيا.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة