الرأي

مازال واقفين !

جمال لعلامي
  • 5839
  • 17

ألا يحقّ لكلّ الجزائريين، أن يفتخروا في هذا اليوم المبارك.. يوم الاستقلال المجيد، ويوم استرجاع السيادة الوطنية، ويوم طرد المستعمر، ويوم الوفاء للشهداء الأبرار، ويوم ردّ الاعتبار لشعب الأحرار؟

50 سنة كانت لجهاد أكبر جاء بعد جهاد أصغر، قدّم فيه الجزائريون النفس والنفيس، لتحرير وطنهم المفدّى من مستعمر غاشم ومجرم، جثم فوق أراض طاهرة لما لا يقل عن 132 سنة، نهب خلالها ثرواتنا واغتصب خيراتنا، وحاول مسخ وفسخ عاداتنا وتقاليدنا، وخطط لاستهداف ديننا ومقوّماتنا الإسلامية!

الأرقام الرسمية تشير إلى سقوط مليون ونصف مليون شهيد في ميدان التضحية والجهاد، لكن عدد الذين قدّموا أرواحهم لتحرير الجزائر، من النساء والشيوخ والأطفال والرجال، هو أكبر بكثير من هذا الرقم، وهذا حسب ما يرويه مؤرخون وباحثون.

نعم، بعد 50 سنة من الاستقلال، ليس كلّ شيئ على ما يُرام، فهناك بطبيعة الحال مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية ومشاكل في التسيير، وهناك بكلّ تأكيد “حڤرة” وتمييز ومفاضلة وبيروقراطية ومحسوبية واستغلال الثورة من طرف البعض لجمع الثروة، وهناك أيضا تهميش لجزء من العائلة الثورية وبعض المجاهدين وأرامل الشهداء وأبنائهم!

لكن ألا يهون كلّ شيئ أمام نعمة هذا الاستقلال الذي خلـّص البلاد والعباد من مستعمر أجنبي اغتصب الأرض والعرض وحوّل الجزائريين إلى غرباء في وطنهم، وحلم بأن تكون الجزائر “قطعة” من فرنسا، فكانت شوكة في حلقه؟.. علينا أن نتناسى ولو مؤقتا كلّ مشاكلنا ونتذكرها في نفس الوقت، في هذا التاريخ الفاصل بين الحقّ والباطل.

إيه.. عندما نعود إلى أجدادنا وجداتنا، يروون لنا تفاصيل الثورة وجرائم الاستعمار، وتضحيات السابقين، الأحياء منهم والأموات.. عندها ندرك طعما لم يتذوقه الأوّلين إلاّ بعدما لمسوا استقلالا لم يأت ويتأتى إلاّ بالحديد والنار.

الذي حدث خلال 132 سنة، ثم من 54 إلى 62، لا يُعطي الحق لا لهؤلاء ولا لأولئك، ليأمّموا الثورة والثروة خلال 50 سنة، لم تكن للخلافات وتصفية الحسابات فقط، وإنـّما كانت أيضا للبناء والتشييد والإنجازات وإعادة بناء جزائر كلّ الجزائريين.

مثلما كانت الثورة بالجميع، يجب أن يكون الاستقلال للجميع، فالشرعية الثورية هي الشرعية الشعبية.. الثورة التحريرية لم تكن لتنجح لولا الشعب، وعليه ينبغي أن يُكافأ هذا الشعب بكلّ فئاته بلا تمييز ولا مفاضلة، وبلا حسد ولا رياء، من تاء تلمسان إلى تاء تبسة، ومن تاء تيزي وزو إلى تاء تمنراست.

عندما ننسى الماضي وندفن التاريخ، فمن الطبيعي أن نفشل في بناء الحاضر والاستعداد للمستقبل، وبالتالي من الطبيعي أن “جيل الاستقلال” لا يحسّ بألام “جيل الثورة”، و”جيل الثورة” لا يلمس أحلام “جيل الاستقلال”، إذا بقي الجيلان منفصلين متخاصمين مقاطعين لبعضهما البعض!

نعم، إن “جيل الاستقلال” من “جيل الثورة”، فكلّ الجزائريين: الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة ومصطفى بن بولعيد وأحمد زبانة وعلي لابوانت، كلهم العربي بن مهيدي وعميروش وسي الحواس.. كلهم محمد بوضياف وحسين آيت احمد وهواري بومدين.

ولأنـّنا كلنا جزائريون وثوريون، فإننا لا نستسلم: ننتصر أو نستشهد.. وهذه هي الجزائر، نطوي الصفحة لكننا لا نمزقها، وحتى وإن تحوّل الحديث عن الاعتذار عن جرائم الاستعمار الفرنسي إلى أسطوانة مشروخة، فإن ذاك الشبل من ذاك الأسد.. ورغم كل الذي قيل وسيُقال.. مازال واقفين.

مقالات ذات صلة