مالك بن نبي.. مُلْهِمُ الـ”ووك”؟!.. الجزء الثاني والأخير
يقول مريبوط إنّ مالك بن نبي تلقى تعليمه في مدارس جمعية العلماء المسلمين العريقة بقسنطينة في شرق الجزائر” البداهة الصادمة هنا هي دراسة مالك في المدرسة الفرنسية الوحيدة بمدينة تبسة مرحلته الابتدائية التي فصّل الحديث عنها في {الطفل}، وهي اليوم متوسطة/ إعدادية ابن باديس وتواصل مهمتها النبيلة عابرة الزمن، ببنائها الفرنسي المتين الممتع وقبلها التحاقه بالمدرسة القرآنية على النحو المألوف في ربوع الوطن. وتمتد لتَصْدِم دراسته في مدرسة سيدي جلي الإكمالية في قسنطينة. ويقينا أن مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تظهر بعدُ؛ لأن الجمعية ذاتها لم تُؤسَّس.
يعزو الأستاذ زيدان قلّة انتشار فكر بن نبي من دون تحديد جغرافي دقيق لأسباب هي: صعوبة فهم أفكاره، اختلافه مع بعض قادة جبهة التحرير الوطني، كتابته بالفرنسية غالبا وأحيانا بالعربية. ليأتي الفتح الأنجلوسكسوني إثر ترجمة كتبه إلى الإنجليزية، بتعبيره “أن الأمور تغيرت بعد أن تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية، بعدها بدأت أعماله تلاقي نجاحاً كبيراً في الأوساط الثقافية الأنجلوسكسونية أيضاً.”. ويضيف لهذا أن سبْق أفكاره زمنها أخّر “فهمنا ” لها حتى إلى ما بعد الأزمة التي شهدها العالم العربي والإسلامي في أواخر السبعينيات.
هنا أيضا ما يستحق الملاحظات الآتية:
ـــــــ السببان الأولان واردان إلى حدّ مقبول، وإن لم تُمْنَع كتبُه في عهد الاستقلال باللغتين، لكن لم تكن محل تشجيع رسمي على الإقبال عليها؛ لأسباب كثيرة أغلبها يندرج ضمن ما يسميه بن نبي “الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة” أو “أولاد الاستعمار ” الذين خلّفهم. وهؤلاء مبثوثون في كل القطاعات والدوائر.
أما صعوبة أفكاره، فالمعروف أيضا أن مالك رحمه الله حرص على عرض أفكاره من خلال ندواته في بيته وفي بعض المحاضرات العامة على قلّتها في الجزائر. بل نجد خلال فترة الاستعمار أنه عقدت ندوتان للعموم في نادي الترقي في الجزائر العاصمة ــــ فيما أذكر ــــــــــــ حين صدرت “الظاهرة القرآنية” بالفرنسية، والأخرى بمناسبة صدور “شروط النهضة الجزائرية”، وقد سجلت الفعالية جريدة “البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بنقاشاتها المثيرة.
أما مسألة الترجمة وما ترتب عنها من توسع دائرة القراءة جغرافيا؛ فمعروف أن جُلّ كتبه تُرجمت للعربية بإشرافه الشخصي، كما ذكر الأستاذ عمر كامل مسقاوي. كما ساهمت الكتابات التي ظهرت حول فكره، خاصة بعد رحيله، في تأنيس أفكاره للقراء، واستمالاتهم لها.
أما بالنسبة للمتغيِّر “الأنجلوسكسوني”، فهل نفهم من قول السيد مريبوط أنه كان نقطة التدفق لفكر مالك بن نبي في العالم الإسلامي بما فيها عالمه العربي، أي أن القراء العرب انتظروا هذا التدفق من العامل “الأنجلوسكسوني” ليتفطّنوا لفكر بن نبي؟ أحسب أن الحديث لا يخلو من غموض، والسيد مرببوط وحده الذي يملك إزالته.
أما اغرب ما قاله مريبوط في الحوار فهو زعمه “بأن فلسفة مالك بن نبي حسب رأيي قد ألهمت أيديولوجية «الووك» السائدة الآن في أميركا وأوروبا، التي تهدف إلى تفكيك التهميش المبني على الثقافة والعرق والهيمنة الاستعمارية الجديدة.”!
نعبّر عن إندهاشنا لهذا الزعم إلى حدّ الغضب الساخر!
إنّ التأثير مستويات، الإلهام أحد مراتبه العليا، وببسطِ خارطة مالك بن نبي الفكرية، ننظر أيّ أفكاره تصلح إلهاما للحركة المذكورة؟ اليسارية التي لا يكون وصم فكره بها إلا وهما وسذاجة “القابلية للاستعمار”؟ ستكون هذه الحركة إذن حركة استقامة فكرية وسلوكية. التيقظ لأساليب الاستعمار الفكرية؟ ستكون أيضا الحركة جيوسياسية هادئة متينة مستجمعة للمعطيات لرسم الاستراتيجيات. التحرر من ربقة الاستعمار؟ ستكون الحركة شريفة مبادئ ووسائل. أإنسانية؟ ستكون الحركة جامعة للأعراق والأجناس وفق معادلات ومبادئ حقوقية إنسانية ذات عمق فلسفي وأخلاقي وفطري.
صرخة أخلاقية؟ ستكون حركة مستقيمة أخلاقيا.
لكن ما هي الحركة وما هي أهم مواصفاتها؟ ننقل ما تضمنه مقال “مشير باسل العون” في مقال تحليلي “هل تصبح الصحوة الراديكالية أصولية يسارية جديدة؟ اندبندنت عربية، لندن، 21/10/2022
زعم صاحب الحوار “بأن فلسفة مالك بن نبي قد ألهمت أيديولوجية «الووك» السائدة الآن في أميركا وأوروبا، التي تهدف إلى تفكيك التهميش المبني على الثقافة والعرق والهيمنة الاستعمارية الجديدة.”!
نعبّر عن إندهاشنا لهذا الزعم إلى حدّ الغضب الساخر!
إنّ التأثير مستويات، الإلهام أحد مراتبه العليا، وببسطِ خارطة مالك بن نبي الفكرية، ننظر أيّ أفكاره تصلح إلهاما للحركة المذكورة؟
“تشتق مفردة الووكية (wokisme) من الصفة الإنجليزية ووك (woke) التي تدل على الإنسان المستيقظ الذي نهض من سباته الأيديولوجي الذي هيمن على الثقافة والمجتمعات الغربية، وخدّر في الناس حس المسؤولية والنقد والإصلاح“.
المربك في الأمر أن مذهب “الووكية” المنتشر حديثاً في المجتمعات الأميركية والأوروبية تجاوز حدود المطالبة بالصحوة الفكرية، وطفق ينادي بالهدم المنهجي الشامل. انطلقت الصحوة اليسارية الثورية من معاينة المظالم التي تصيب الفقراء والمقهورين والمهمشين والمضطهدين، وما لبثت مطالبُها أن تطوَّرت وتضخَّمت حتى أضحت تنادي بإنصاف الأقليات، على تنوع التسميات واختلاف البيئات، وإقامة شرع انقلابي جديد يهدم كل ما سارت عليه البشرية وأقرته المناقشات الأخلاقية الناشطة في منتديات الحوار العالمي”.
“يعود أصل العبارة إلى الكاتب المناضل الأميركي بوكر تاليافرو واشنطن(1856-1915) الذي كان يحث المجتمع على إنصاف السود، محرضاً الجميع في كتابه “يقظة الزنجي الأسود” (Awakening of the Negro) على الإصغاء إلى محنة الأميركيين المتحدرين من أصل إفريقي وتعزيز مقامهم الاجتماعي الذي يليق بالكائن الإنساني….”.
“ترددت أصداء هذه الدعوة على تعاقب عقود القرن العشرين. وما لبث تيار الصحوة هذا أن استعاد زخمه بفضل الأغنية الشهيرة التي أطلقتها المغنية الإفريقية-الأميركية إريكا بادو (I stay woke). تحرِّض هذه الأغنية الناس على اليقظة الدائمة والاستعداد الحثيث من أجل مواجهة الأخطار التي تهدِّد حياة السود في المجتمع الأميركي، فضلاً عن ذلك، استُخدمت الأغنية في تشييع ضحية العنف البوليسي مايكل براون الذي قضى نحبه في مدينة فرغسون عام 2014. استناداً إلى هذا النداء، انطلقت حملة التوعية التي جعلت شعارها إعلاء قيمة حياة الناس السود (Black Lives Matters) في الولايات المتحدة الأميركية وفي جميع المجتمعات الغربية التي ما برحت ترتكب جرائم التمييز العرقي”.
من جراء هذا كله، انبثق تيارٌ إيديولوجي واسع استند إلى دعوة الاستيقاظ والصحوة، وطفق ينادي بضروب شتى من التحرير العرقي والجنسي والنسوي والاقتصادي والبيئي، معتمداً الشعار الرباعي الذي تناصره الووكية (LGTB: Lesbian، Gay، Bisexual،Transgender) في تأييدها المثلية الجنسية الأنثوية والذكرية، والثنائية الجنسية في التركيبة الجسدية أو الهوية البيولوجية الواحدة، والتحول الجنسي. لشدة الإصرار على مطلب المساواة، أخذ أصحاب هذا التيار يطالبون بإعادة كتابة التاريخ البشري، وتعديل مسلّمات العلوم الإنسانية، وشطب الإحالات العنصرية، وتشذيب المعاجم من الاصطلاحات التي تُضمر بعضاً من التمييز غير المتعمد. كل مفردة أو صفة أو أداة تصطبغ بالاستعلاء الذكوري يجب حذفُها من قاموس اللغة”.
لكن يبدو أن هذا الاتجاه لا يعدم أنصارا حتى من بني جلدتنا؛ وهذا ما تؤشر له عبارة في مقال عنها يستنكر كاتبه العربي انزعاج ماسك/ تيسلا وتويتر :” من الصعب تحديد ما يزعج ماسك في أيديولوجيا «الووك»،[ في تعليقه حول خسارة شبكة نتفليكس لعدد كبير من مشتركيها، أن «فيروس الووك Woke لم يعُد من الممكن مشاهدته». مبدياً تأييده لاعتباره «أكبر تهديد للحضارة الإنسانية». أي الأفكار المرتبطة بسياسات الهوية، وتغيير الخطاب العام بما يتناسب مع «الصواب السياسي»، وحماية الذوات الفردية من أي عدوان كبير أو مصغّر،”. محمد سامي الكيال”حرية التعبير» على تويتر: هل ستغيّر خوارزميات إيلون ماسك ذواتنا؟ القدس العربي، 25/4/2022
وبعيدا عن نفسية العبيد تحمل لنا الأخبار عن ” رون ديسانتيس”Ronald Dion DeSantisحاكم ولاية فلوريدا الذي أعلن ترشُّحَه لانتخابات الرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري، والذي اشتهر بشنِّ حرب على ما يعرف بثقافة “الووكيزم” wokism “وهو مصطلح ازدرائي يستخدم في الغرب للإشارة إلى سلوك ومواقف الأشخاص الذي يعتبرهم المحافظون شديدي الحساسية والإفراط في التفاعل مع قضايا الظلم الاجتماعي أو السياسي أو العرقي. قضايا الحرب الثقافية، لاسيما ما يصفه بـ”عقيدة الووكيزم”، بأن ولايته “هي المكان الذي تلقى فيه الووكيزم مصرعها”.
ليدلنا مريبوط على منفذ واحد يتخلل منه فكر مالك بن نبي لهذه الحركة التي هي إحدى الموجات المتعاقبة في المحيط الحضاري الغربي بكلّ ما يموج على سطحه، ويسبح تحت مياهه، ويعتمل في أعماقه. ويكفينا السيد مريبوط مؤونة التخمين بأن يذكر لنا دليلا يُعتدُّ به علميا على هذا الإلهام والتأثر.