ما الذي استفدناه من كأس العالم؟
هل يعقل أن تتحول مباراة كرة بين فريقين من مدينة قسنطينة إلى “مهرجان” لتخريب مقاعد الملعب الذي أنجز من أموال الشعب، ويُمسي شباب توجه لمتابعة المباراة بين المستشفى ومخافر الشرطة؟ ..
-
وهل يُعقل أن نتحدث عن الاحتراف الذي يضعنا في رواق الدوريات العالمية ونحن نعجز عن إطفاء نار لا أحد يفهم سبب اندلاعها بين فريقين يمثلان سطيف والعلمة، وهما مدينتان لا تزيد المسافة الزمنية بينهما عن ربع ساعة؟
-
ما حدث في آخر جولة من منافسة نعتبط بنطق تسميتها الاحترافية الجديدة، من أحداث مؤسفة، يجعلنا نتساءل عن الفائدة من المشاركة في كأس العالم ومقارعة دول كروية تمكنت من تحويل المباريات إلى ملتقيات حب والملاعب إلى متاحف حضارة تذوب في مواعيدها كل الهموم الاجتماعية.
-
اقتنعنا منذ عقود بأن الكرة هي أكبر وأهم الأحزاب في الجزائر التي تمتلك برنامج توحيد ومقدرة على إسعاد المواطنين، واقتنعنا منذ عقود بأن ملاعب الكرة وحدها من يُشدّ إليها الرحال ويضحّي الشباب لأجل ولوج عالمها بمصروف الجيب وأحيانا بالمرتب كله، ومع ذلك مازلنا نتعامل مع هذه اللعبة “الكبيرة” وكأنها لعبة أطفال “صغيرة”، ومازلنا نتعامل مع المهووسين “الصغار” بسحرها وكأنهم “كبار” لا يحتاجون إلى رعاية أو نصائح أو ردع، فكبُرت اللعبة وكبُرت مشاكلها ومآسيها، وصغُر جمهورها، وبخّرت الأحداث التي شهدتها ملاعبنا مع بداية هذه البطولة التي نتهمها ظلما بالاحتراف، كل مشاهد الحب التي عشناها في نوفمبر الماضي عندما تأهل منتخب الجزائر إلى كأس العالم وظننا أننا تأهلنا معه إلى عوالم أخرى وُجدت لأجلها لعبة الكرة والرياضة عموما.
-
عندما تأهل منتخبا هوندوراس وسلفادور عام 1982 إلى كأس العالم بإسبانيا، قررا أن يحوّلا مباريات الكرة في بلديهما إلى مهرجانات ثقافة وتسلية تحضرها العائلات، وهما اللذان أشعلاها حربا بينهما عام 1969، وعندما تأهلت دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1990 إلى كأس العالم بإيطاليا قررت قبل كل دول العالم منع التدخين في ملاعب الكرة قبل أن تعمّ الظاهرة سائر الدول المتحضرة وحتى النامية، وعندما تأهلت الزائير عام 1974 إلى كأس العالم في ألمانيا الاتحادية، قررت أن تفتح مُدرجات ملاعبها للأطفال والنساء في فسحة أسبوعية تعيشها الآن الكونغو الديمقراطية في أبهى الصور الرياضية، فقد كان الفوز والتواجد مع الكبار دوما خطوة إلى الأمام بالنسبة لبلدان ليس لها من الأماني أكثر من المشاركة والتعلّم من الآخرين، وعندما احتضنت شيلي منافسة كأس العالم عام 1962 قررت أن تزيّن ملاعبها بمقاعد مريحة لمواطنيها، وعندما بكت أوروبا بعد أحداث هيسل ولبس الإنجليز تهمة إرهاب الملاعب الذي أودى بحياة الشباب الإيطاليين الأبرياء، قررت رئيسة الحكومة مارغاريت تاتشر أن تزيل نهائيا الحواجز والسياج الفاصل ما بين اللاعبين والمتفرجين، فكانت أفراح الكرة في الدول النامية وأقراحها في الدول المتقدمة فرصا لتحويل هذه اللعبة إلى ما نشاهده الآن من متعة جعلت لهذه اللعبة فضائيات وبورصات وبنوكا ونجوما وشعوبا.. ونعود الآن لنسأل عما استفدناه من المشاركة في كأس العالم؟ ونحن ندخل عالم الاحتراف بمشجعين يُكسرون المقاعد التي أنجزت لأجل راحتهم وشباب يشتري تذكرة الدخول إلى الملعب فيدخل بها إلى المستشفى أو السجن، ورؤساء أندية بدؤوا يفكرون في الشراء والبيع والثراء من أموال البطالين وأموال الدولة.. ومسؤولين على كل ما يحدث.. يتفرجون!