ما هو ثمن وعود أمريكا
يكون وفد جامعة الدول العربية، قد عاد مبتهجا بعد أن خطب فيهم وزير الخارجية الأمريكي، والذي أعاد الاعتبار لمبادرة السلام العربية، والتي يتعهد حكام العرب بموجبها بالاعتراف بالتنازل عن 80 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، وبالتطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني وذلك في مقابل اعتراف إسرائيلي بدولة فلسطينية على أرض 1967 الضفة الغربية وقطاع غزة.. ولجعل العملية تدخل في إطار الواقعية تم الحديث عن تبادل أرض لإنهاء المأزق الناتج عن التمدد الاستيطاني.
يعود الوفد العربي الرسمي إلى عواصمه، وقد أعذر لله وبلّغ الرسالة كاملة وعاد قرير العين راضي الضمير، وليس على الفلسطينيين والعرب إلا انتظار تطبيق الأمريكان لما وعدوا به وقفة للحق ولله كما قال الشيخ القرضاوي، نزيل الدوحة.. وسيكون أي صوت من هنا فصاعدا يدعو للاشتباك مع العدو الصهيوني أو الأمريكي، إنما هو سلوك غير مسؤول ومضر بالمصالح الوطنية والقومية، سيجد نفسه محاطا بالشبهات والطعن من كل جهة.
في بداية التسعينيات أعطى الحكام العرب الإذن للأمريكان والغربيين للحرب على العراق وذلك مقابل وعود من بوش الأب، بأن يتجه فور الانتهاء من الحرب إلى تفعيل العملية السياسية لحل القضية الفلسطينية بموجب القرارات الدولية.. والذي جرى يعرفه الجميع، حيث دمرت أمريكا والغرب الصليبي العراق واستمرت في حربها عليه دون تجديد تصريح من العرب، وتواصلت عملية التدمير حتى احتلوا العراق مباشرة.. وماذا أخذ العرب من وعود الأمريكان بخصوص القضية الفلسطينية.
في كل مرة يعمل الغرب على إنجاز خططه في أمتنا استعمارا وتدميرا يلقي لنا بملة وعود عسلية لكسب الوقت وتخديرنا وإلقاء الاضطراب في ساحتنا.. فهل تكون هذه الوعود الآن التي يلقي بها الأمريكان لمجمع الوفد العربي من باب التهيئة لعدوان خطير يمس وحدة الأمة ومستقبلها؟ هل تكون هذه الوعود تمهيدا لكسب موقف عربي واضح بالتحالف مع الأمريكان في حرب محتملة ضد إيران؟ هل هذه الوعود تعني إطلاق اليد لأمريكا والغرب في تدمير سوريا؟
إن العلاقة مع الغرب أكسبتنا وعيا تاريخيا خاصا، وجعلتنا نفسّر الواقع بقوانين التاريخ وبالحس التاريخي الذي يسكننا.. إنهم لا يقدمون باليمين إلا ما سيأخذون أضعافه باليسار..
إنه لمن العبث أن نعرض أمتنا مجددا لألاعيب الغربيين والأمريكان.. وإنه لمن العبث أن نربط مصير شعوبنا وفلسطين والقدس بوعود من إدارة أتقنت الكذب والخديعة ولا عهد لها ولا مواثيق.. وإن أسوأ ما في المشهد أن يقتنع المناضلون والمقاتلون بأن غريمهم أعطاهم الأمان فذهبوا لتوفير الأمان له وهو لا يزال القاتل والسارق.. عموما صدق المثل الشعبي التاريخي القائل: لا يأتي من الغرب ما يسر القلب.