ما أشبه الليلة بالبارحة
جاء في كتاب القسيس آندري لوكورتوا “جزائر الخمسينيات”، الذي عرّبه الأستاذ عبد القادر بوزيدة، أن شابا جزائريا اسمه عيسى (؟) كتب رسالة إلى صديق فرنسي مما جاء فيها “إن الشعب الجزائري لا يحتاج إلى الصدقة، إنه يحتاج إلى العدالة”. (ص 124).
هذا القسيس قضى جزءا من عمره في الجزائر أيام كانت الجزائر تعاني ما تعاني ممن شعارهم “الله محبّة”، كما يزعمون، ولكن هذا القسيس وجد في الجزائريين عكس ما كان قومُه يصفون الجزائريين به من تعصّبٍ ونكران للآخر، وانطواء على النفس، وجد فيهم كما قال: “غنى داخلي، لا يُضاهى، وقلب واسع، مفتوح انفتاح العالم، مشفق على جراحات المضطهدين، ومتقبِّل للجميع، وخاصة للفقراء، وممارس لكرم الضيافة بلطف كبير”. (ص7).
نشأ هذا القسيس منغلقا انغلاقا مضاعفا بأصوله العائلية، من منطقة محافظة منكفئة على نفسها، وبالتكوين الذي تلقاه في المدرسة، والجامعة وحلقات الأديرة، فكان ذلك كله عبارة عن “عالم مغلق”، الذي لم يحطمه بالنسبة لهذا القسيس إلا الحرب العالمية الثانية، وحرب الهند الصينية، وحرب الجزائر، وهو ما جعله يخرج من “حدود فرنسا” إلى “العالم”، خاصة تلك المدة التي قضاها في محتشد ألماني.
لقد كان الفرنسيون من يمينهم إلى يسارهم إلى وسطهم، يلخِّصون المسألة الجزائرية في “الخبز”، ظنا منهم أننا إذا “شبعت بطوننا مهّدنا لهم ظهورنا”، وقد كتب الإمام ابن باديس كلاما رائعا في هذا الموضوع تحت عنوان “ليس الخبز كل ما نريد”. ومما جاء فيه مخاطبا الفرنسيين: “لا، يا قوم، إننا أحياء، وإننا نريد الحياة، وللحياة خُلقنا.
لقد كان الفرنسيون من يمينهم إلى يسارهم إلى وسطهم، يلخِّصون المسألة الجزائرية في “الخبز”، ظنا منهم أننا إذا “شبعت بطوننا مهّدنا لهم ظهورنا”، وقد كتب الإمام ابن باديس كلاما رائعا في هذا الموضوع تحت عنوان “ليس الخبز كل ما نريد”. ومما جاء فيه مخاطبا الفرنسيين: “لا، يا قوم، إننا أحياء، وإننا نريد الحياة، وللحياة خُلقنا، وإن الحياة لا تكون بالخبز وحده، فهنالك ما علمتم من مطالبنا العلمية والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، وكلها ضروريات في الحياة، ونحن نفهم جيدا ضروريتها للحياة، وقد بذلنا فيها لكم ما كان – يوما – سببا قويا في حياتكم، فلا تبخلوا علينا اليوم بما فيه حياتنا إن كنتم منصفين، وللأيام والأمم مقدِّرين، وإلا فالله يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين”. (الشهاب ديسمبر 1336).
والمعروف أن حكام فرنسا في هذه الفترة هم من اليسار، المسمّى عندهم “الجبهة الشعبية”، المشكلة أساسا من الاشتراكيين والشيوعيين.. ولكن الفرنسيين بالنسبة للقضية الجزائرية كأنهم فسخٌ من كتاب واحد.. فلا فرق بين شمال ويمين ووسط.. والحملة الانتخابية الجارية الآن في فرنسا دليلٌ على ما نقول.. يبدو أن ما قاله ذلك الشاب الجزائري لـ”صديقه” الفرنسي لم يتغيَّر في الجوهر، فبالرغم من تغيُّر الأوضاع ظاهريا منذ أكثر من نصف قرن، وبالرغم من أن بعض المسؤولين في الجزائر اليوم هم جزائريون، ولكن عقليتهم تشبه عقلية الفرنسيين الذين كانوا يحكمون الجزائر من 1830 إلى 1962.
إن الجزائريين يتململون من حياتهم التعيسة ومعيشتهم الضنك، وكلما عبَّروا عن هذه الحياة الشقية، خرج عليهم كبراؤهم يمنُّون عليهم، ويستكثرون عليهم بتلك اللقيمات..
إن أتعس منظر وأكثره شقاوة هو هذه الجموع المكدَّسة أمام البلديات في مختلف المناسبات للحصول على ما “تكرّمت” به عليهم دولتهم التي ترفع فوق بعض المؤسسات شعارا خادعا هو “من الشعب إلى الشعب”.
لقد منّ الله – عز وجل – على بني آدم فكرّمهم، فقال في كتابه الكريم: “ولقد كرّمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيِّبات”، ولكن الإنسان الظالم لنفسه بتعدّيه على حدود الله، والظالم لأخيه الإنسان مما ليس له فيه حق، لم يقبل هذه الكرامة، وقرر – إن استطاع– أن يحوِّل الإنسان الآخر إلى “حيوان”، كما كان الأوربيون يسمُّون الشعوب الإفريقية والآسيوية: “الماشية الآدمية”.
إن فئة قليلة من الجزائريين استحوذت بـ”السرقة” و”الرشوة” و”الربا” على ثروات الجزائر والجزائريين.. وراحت تُعربد هنا وهناك – ويا ليتها تمتعت بهذه الثروات في الجزائر، ولكنها هرّبتها إلى الخارج.. وإلا فما الداعي لهؤلاء لامتلاك عقارات في الدول الأوربية؟
إن هؤلاء الناس ليسوا ناقصيْ تديُّن فقط، ولكنهم ناقصو وطنية.. وماذا يبقى للإنسان إذا كان ناقص الدين والوطنية، وإن تشدو بهما في القنوات التلفزيونية، وفي الجرائد، وفي التجمعات التي توزع على “الهمل” الوعود والأماني، اقتداء بـ”معلمهم” الذي “يعِدهم ويمنِّيهم”؟
إن ما طرحه (عيسى(؟)) على “صديقه” الفرنسي هو عين ما جاء به الإسلام، وهو “العدالة”..
لقد سمعت أن “قاضيا” حكم على شخص في قضية كمية من المخدرات بعشرين سنة، ولا اعتراض لنا على هذا الحكم رغم شدته وقساوته، ثم قرأنا في الصحف أن “قاضيا” حكم على “إمبراطور” يسيِّر إمبراطورية كاملة تنشط في الوطن كله وخارجه، وفرّ من السجن، حكم عليه بأقل من الحكم الأول بكثير.. فهل هناك “عدالة” أظلم من هذه؟ وهل هناك “قاض” أظلم من هذا؟
وأعيد الجملة التي كتبها (عيسى) إلى صديقه الفرنسي: “إن الشعب الجزائري لا يحتاج إلى الصدقة، إنه يحتاج إلى العدالة”.. ويا ويل الظالمين عندما يثور المظلومون.