“ما أشد إعجابي”: هكذا تحدث طه حسين عن أدب مولود معمري
تمر اليوم السبت، 28 ديسمبر، سبع سنوات بعد المئة على ميلاد الكاتب والأكاديمي مولود معمري بقرية تاوريرت ميمون بتيزي-وزو، والذي يعد من بين أبرز الأسماء الأدبية التي أنجبتها الجزائر والتي عرفت وإضافة لبروزها في مجال الأدب، بمناهضتها للاستعمار.
بعد قراءة الأديب والناقد المصري طه حسين (1889 – 1973) لإحدى أعمال معمري أشاد بالرواية قائلا: “ما أشد إعجابي بهذا الكتاب”!
ولم يكن طه حسين بناقد عادي، وهو الذي يلقب بعميد الأدب العربي، ورُشِّح لجائزة نوبل في الأدب 21 مرة، وحصل على عدة شهادات دكتوراه فخرية، منها من جامعة الجزائر عام 1964.
الباحث اللغوي والروائي مولود معمري (1917-1988)، من جهته، عمل أستاذا بجامعة الجزائر، وكان أول رئيس لاتحاد الكُتّاب الجزائريين، كما ترأس المركز الوطني للأبحاث الأنثروبولوجية ودراسات ما قبل التاريخ بين 1969 و1980، حيث أصدر مجلة علمية متخصصة بعنوان “ليبيكا“.
وحصل على جوائز عديدة تكريما لأعماله الروائية والأكاديمية التي نالت التقدير، بما في ذلك شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة “السوربون” بفرنسا.
وفد اتحاد الكتاب الجزائريين برئاسة مولود معمري، الثاني من اليمين، في زيارة إلى بيت الشاعر محمد العيد آل خليفة بباتنة لتسليمه جائزة الاتحاد بعد تعذر انتقاله إلى العاصمة، عام 1967. صورة: حقوق محفوظة
ترك معمري أعمالا أدبية عدة مكتوبة بالفرنسية في مجالات الرواية، القصة القصيرة، والمسرح، وصف فيها حياة الجزائريين ومعاناتهم تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الذي سلبهم حريتهم وأراضيهم.
وهو الاستعمار الذي ندد به أيضا عبر المقالات الصحفية التي كان ينشرها أو التقارير التي أعدها وأرسلتها جبهة التحرير الوطني إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ترجم مولود معمري أشعار سي موحند أومحند للفرنسية، وجمع تراث أهليل القورارة الذي صنفته اليونيسكو عام 2008 تراثا عالميا، ونشر رواية “الأفيون والعصا” عام 1965، التي حُوِّلت إلى فيلم سينمائي بنفس العنوان واقتبست منها العبارة الشهيرة والتي يرددها الجزائريون بفخر: “عليّ موت واقف”.
كما نشر رواية “الربوة المنسية” عام 1952، التي تتحدث عن الحياة في قرية جبلية تُدعى “تاسغا” في منطقة القبائل خلال الحرب العالمية الثانية، وهي الرواية التي حُوِّلت لاحقا إلى أول فيلم سينمائي باللغة الأمازيغية.
تناول طه حسين رواية “الربوة المنسية” للكاتب مولود معمري في كتابه “نقد وإصلاح“، حيث استعرض فيه أعمالا أدبية متنوعة وهو الذي يتكلم الفرنسية واللاتينية والانجليزية والكورية.
عزلة
استهل طه حسين حديثه عن الرواية قائلا: “صاحب هذا الكتاب أخ لنا من أهل الجزائر لا أعرفه، ولا أكاد أحقق اسمه الذي يحمله كتابه هذا مكتوبا باللغة الفرنسية.”
ليصف جغرافية الربوة المحاطة بجبال شاهقة، مشيرا إلى ممارسات سكانها الدينية التي تمزج بين الإسلام والتقديس المفرط للأولياء، مما اقترب من الوثنية.
وأضاف أن سكان الربوة قليلو الصلة بغيرهم من الناس، وساكنتها “تكاد تعيش في عزلة لولا أن ضرورة الحياة تفرض عليها الشعور بأنها تخضع لسلطان بعيد مختلط، هو سلطان الحكومة التي تأتلف من الفرنسيين الذين يسودون ويدبِّرون الأمر، ومن القادة المواطنين الذين يتوسَّطون بين هؤلاء السادة ورعاياهم وساطة فيها كثير من الاستعلاء، وفيها كثير من الفساد أيضًا.”
ويلحظ أن أمور ساكني الربوة تجري “في شيء من الطمأنينة الغريبة التي يمازجها كثير من الخوف، وكثير من الحب والبغض؛ فهم يخافون الأولياء والقادة جميعا، ولكنهم يحبون الأولياء ويبغضون القادة، وهم يذعنون للفرنسيين كما يذعن الإنسان للقضاء المحتوم الذي لا حيلة له فيه، لا يعرفون كيف جاءوا إليهم، ولا يعرفون كيف يخلصون منهم، فهم راضون لأنهم لا يملكون إلا الرضى.”
حرمان
طه حسين يقول إن “هذه هي البيئة التي نشأ فيها الكاتب، والتي صوَّرها في كتابه أجمل تصوير وأروعه، وهو يكتب باللغة الفرنسية، وكتابه رائع أشد الروعة وأقصاها بحيث يمكن أن يُعَدَّ من خير ما أُخرج في الأدب الفرنسي أثناء هذه الأعوام الأخيرة، وإنْ كنتُ لا أعرف أنه ظفر بجائزة من هذه الجوائز الكثيرة التي تُمنَح في فرنسا لكتب لا ترقى إلى منزلة هذا الكتاب روعة وجمالا.”
بعد حديثه عن مولود معمري، يقول عميد الأدب العربي: “إن مما يؤلم حقّا أن يصدر مثل هذا الكتاب الرائع الممتاز في بلد كالجزائر، للعربية فيه المنزلة الأولى بالقياس إلى أهله، ولكني لم أتلقَّ من هذا البلد كتابا بلغة أهله يقارب هذا الكتاب جودة وإتقانا وامتيازا.”
ثم يعود الناقد إلى الكتاب ويصفه بأنه “دراسة اجتماعية عميقة دقيقة مفصَّلة مستقصاة تصوِّر أهل هذه الربوة في عزلتهم تلك، وقد فرغوا لأنفسهم واعتمدوا عليها، فلم يكادوا يذكرون أحدًا غيرهم من الناس، وهم يجهلون ما وراء الجبال التي تقوم دونهم، لا يعرفونهم إلا حين يضطرون إلى ذلك اضطرارًا، وما أقل ما يضطرون إليه.”
ويصف النظام الاقتصادي القائم في هذه الربوة، حيث “جماعة من الأغنياء يملكون الأرض أو أكثرها، وآخرون من الفقراء يعملون لهم في هذه الأرض ويرعون لهم قطعانهم، وأولئك وهؤلاء إخوة متحابون ليس فيهم تسلُّط ولا كبرياء، وإنما هو التعاون الرفيق في ظل هذا العُرْف المقرَّر الذي قسم بينهم حظوظهم قسمة جرى بها القضاء كما يجري بكثير من الأشياء.”
استعمار
في وسط هذا الهدوء وهذه العزلة التي يعيشها سكان الربوة تأتي الحرب العالمية لتؤرق حياة هؤلاء، شبابا كانوا مرغمين على المشاركة في الحرب وأهوالها، أو آباء وأمهات يودِّعون فلذات أكبادهم الذين قذف بهم الاستعمار وراء البحر للمشاركة في حرب لا تعنيهم، و”هؤلاء الآباء والأمهات لا يجهرون بشيء من هذا، وإنما يجمجمون به ويرددونه في ضمائرهم ترديدا ملحّا أليما، وهم على ذلك يتجلدون تجمُّلا وتكرما فيما بينهم، ويتجلدون حبّا لأبنائهم ورعاية لهم، كذلك يكظمون الغيظ ويحبسون العبرات، حتى إذا خلوا إلى أنفسهم ساعة من نهار أو ليل أرسلوها على سجاياها.”
ويشير طه حسين: “هذه هي الصورة الاجتماعية التي يصوِّرها لنا الكاتب في كتابه، وقد أوجزتها إيجازا شديدا وتركت خير ما فيها مما يسخط ويرضي، ومما يحزن ويسر، فإني لا أفصل الكتاب وإنما ألخصه وأترك لمن شاء واستطاع من القراء أن يقرأه كاملا.”
إقرأ أيضا: تعرّف على الرحلة الفكرية للفيلسوف والمترجم الجزائري محند تازروت
إضافة لوصفه للرواية على أنها “دراسة اجتماعية”، يضيف طه حسين أن فيها “خصلة أخرى رائعة أشد الروعة، وهي هذه التي تتصل بحياة جماعة من الفتيان، فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى، وهم فتية تختلف حظوظهم من الغنى والفقر، ولكنهم على ذلك متقاربون أشد التقارب تجمع بينهم قبيلتهم، وتجمع بينهم سنهم، ويجمع بينهم اشتراكهم في جد الشباب ولعبه.”
اختتم طه حسين حديثه عن رواية الربوة المنسية لمولود معمري قائلا: “ما أشد إعجابي بهذا الكتاب الذي لا أنكر من أمره شيئًا إلا أنه لم يُكتب بالعربية! وكان خليقا أن يُكتب بها، ولكن هذا عيب لا يؤخذ به الكاتب، وإنما يؤخذ به الاستعمار، وما أكثر ما يؤخذ به الاستعمار من العيوب والذنوب!”