-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بمناسبة ذكرى وفاته:

تعرّف على الرحلة الفكرية للفيلسوف والمترجم الجزائري محند تازروت

ماجيد صراح
  • 1826
  • 0
تعرّف على الرحلة الفكرية للفيلسوف والمترجم الجزائري محند تازروت
ح. م
الفيلسوف والمترجم الجزائري محند تازروت

حين نتحدث عن بدايات الفلسفة الحديثة في العالم العربي، من الأسماء التي نذكرها ممن ساهموا في تشكيل الخطاب الفلسفي الحديث: عبد الرحمن بدوي، طه حسين، أو سلامة موسى، من الأسماء التي نادرا ما نذكرها، اسم الفيلسوف والمترجم الجزائري مُحَنْد تازروت، الذي ترك إسهامات في مجال الفلسفة والفكر من كتب ومقالات بالفرنسية.

فيُعد تازروت من الأوائل الذين أسسوا لثقافة ما بعد الإستعمارية، كما ترجم للفرنسية كتاب “تدهور الحضارة الغربية” للفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر.

بدايات

ولد مُحَنْد تازروت في 13 ماي 1893 بقرية أغريب قرب عزازقة بولاية تيزي-وزو. وهي القرية التي بدأ فيها مساره الفكري، حيث تعلم القرآن على يد والده أو عمه، وفي نفس الوقت تردد على مدرسة يُدَرِّس فيها معلمان فرنسيان.

بعد حصوله على شهادة التعليم الابتدائي من هذه المدرسة عام 1912، التحق محند تازروت بالمدرسة العليا للأساتذة – ذكور في بوزريعة، ليشغل بعد ذلك منصب نائب مُدرِّس بثنية الحد، بتيسمسيلت، عام 1913.

وهي التجربة في التعليم التي لم تدم سوى عام واحد، فلم يعد إلى منصبه بعد انقضاء العام الدراسي.

عام 1914، التحق بالجنود الجزائريين في بليدة وشارك في الحرب العالمية الأولى، حيث تعرض للإصابة في شارلورا وتم أسره من طرف الألمان بعد شهر من الحرب، ليقضي بذلك جزءا من الحرب العالمية الأولى أسيرا في ألمانيا ثم في سويسرا، ليتم بعد ذلك إطلاق سراحه.

غلاف ترجمة محند تاروت لكتاب “تدهور الحضارة الغربية” للفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغل إلى الفرنسية، والمنشور عام 1931 عند دار النشر “غاليمار”. صورة: حقوق محفوظة

إن تحدثت بعض المصادر الإعلامية التي تطرقت إلى حياة محند تازروت عن كونه سافر إلى كل من مصر، حيث قيل إنه درس بالأزهر، ثم إيران حيث تعلم الفارسية، ثم روسيا حيث تعلم اللغة الروسية، فالصين حيث تعلم اللغة الصينية، ثم بلجيكا، إلا أن الدراسة المعمقة التي قامت بها نجمة عبد الفتاح العلمي حول حياة محند تازروت تحت عنوان “محند تازروت أو انعدام طريق وسط“، والتي نُشرت في كتاب جماعي تحت عنوان “معارف ألمانية في شمال إفريقيا في القرنين الثامن عشر والعشرين” عام 2012 لدى منشورات “بوشن”، تنفي هذه الادعاءات وإن كثرت تداولها إعلاميا.

أثناء هذه الفترة من حياة محند تازروت، يقول الكاتب الفرنسي وزوج بنت تازروت، جاك فورنييه، إنه نشب خلاف بينه وبين عائلته التي انتقدت حصوله على الجنسية الفرنسية. وهو خلاف لا تزال قصيدة شفهية تحتفظ بذكراه في قرية أغريب إلى غاية اليوم.

إسهامات

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، عاد محند تازروت إلى ممارسة التعليم، بالتحديد تدريس اللّغة الألمانية التي من المحتمل أنه تعلمها أثناء فترة أسره.

كما واصل تازروت دراسته ليتحصل على البكالوريا في الفلسفة، ثم يواصل دراساته العليا متحصلا على الأستاذية.

قام بتربصات في ألمانيا، ما جعله مختصا في الأدب الألماني معترفا به.

الفيلسوف والمترجم محند تازروت يسار الصورة. صورة: حقوق محفوظة

أثناء هذه الفترة تنوعت الأعمال الفكرية التي أنتجها محند تازروت. فقام بترجمة كتاب “تدهور الحضارة الغربية” للفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغل إلى الفرنسية، وهو مؤلف ضخم من خمسة أجزاء، حيث كل جزء فيه 300 صفحة، ونشره عام 1931 عند دار النشر “غاليمار”. كما ترجم أيضا إلى الفرنسية كتاب المستشرق الألماني كارل بروكلمان والمعنون “تاريخ الشعوب والدول الإسلامية”، وهي الترجمة التي نُشرت عام 1949.

كما ساهم محند تازروت منذ عام 1926 في “المجلة الدولية لعلم الاجتماع”، حيث نشر مواضيع تاريخية واجتماعية وساهم بالتعريف بعلم الاجتماع الألماني. هذا بالإضافة إلى عمل هام حول “المُربّين الإجتماعيين في ألمانيا الحديثة”.

 جذور

منذ عام 1949، دخل محند تازروت مرحلة أخرى من حياته الفكرية، حسب شهادة فورنييه، حيث عاد إلى أصوله الجزائرية.

أثناء هذه المرحلة نشر تازروت مؤلفا ضخما من خمسة أجزاء، كتب فيه تاريخ الحضارات بعنوان “في مؤتمر المتحضرين”، وهو الكتاب الذي نشره على نفقته بين عامي 1955 و1959 لدى صديقه الناشر “سوبيرفي”، الذي كان ينشر في تلك الفترة كتبا مساندة للقضية الجزائرية.

في هذا الكتاب، يطور محند تازروت تصوره للتاريخ، ليس كمجرد تسلسل للأحداث، بل كترابط بين الحضارات التي يمكن أن يتشكل حوار بينها.

عام 1954، يعود محند تازروت إلى الجزائر، وهناك ينقلب من داع للاندماج إلى مدافع عن الهوية الجزائرية واستقلال الجزائر.

غلاف كتاب محند تازروت “بيان ضد العنصرية”، والذي نشره في 1963، لدى منشورات “سوبيرفي”. صورة: حقوق محفوظة

فنشر خلال هذه الفترة مجموعة من المؤلفات. نشر عام 1959 كتابا بعنوان: “محاولة جينية حول العرق، الشعوب، الأمم، والديمقراطية”. وفي عام 1960، نشر كتابا بعنوان: “مشاكل التعايش السلمي”. وفي عام 1961، نشر كتابا آخر بعنوان: “التاريخ السياسي لشمال إفريقيا”. وفي عام 1963، نشر كتابا آخر بعنوان: “بيان ضد العنصرية”.

محند تازروت نشر كذلك عام 1960 كتابا بعنوان: “جزائر الغد”، وهو الكتاب الذي وقعه باسم مستعار وهو “المتوكل”، ونشره في دار نشر “ريغان” بموت كارلو، حسب ما أفاد به الكاتب الفرنسي وزوج بنت محند تازروت، جاك فورنييه.

ترك تازروت كآخر عمل له، ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، وهو العمل الذي لم يُكتب له أن يُنشر.

توفي محند تازروت في نوفمبر 1973 بمدينة طنجة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!