الرأي

ما الذي ألهانا عن طلب الجنّة؟!

سلطان بركاني
  • 770
  • 0
ح.م
تعبيرية

من أسنى المطالب وأهمّ المهمّات؛ أن نتعلّم كيف نعيش حياتنا الدّنيا بما يرضي الله ويحقق لنا السعادة الحقيقية التي تكلل بالسعادة التامة الدائمة في دار الخلد، في جنّة رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها.. نحن نعيش في دار فانية، وعمّا قريب سننتقل إلى الدار الباقية، وإذا صبرنا على طاعة الله في هذه الدار الفانية فستكون الدار الباقية التي نسكنها عند العودة إلى الله هي الجنّة، دار نسعد فيها ولا نشقى، وننعم فيها ولا نبأس، ونفرح فيها ولا نحزن، ونلتقي فيها ولا نفترق. لكل منّا فيها ما يطلبه ويتمنّاه وتشتهيه نفسه، خالدا مخلّدا فيها أبدا.
إنّ العقل ليكاد يطيش حينما يتذكّر العبد أنّ الجنّة من أسمائها دار الخلد، وأنّ من يسكنها لا يخرج منها أبد الآبدين؛ لا موت فيها ولا مرض ولا همّ ولا غمّ ولا كدر ولا نقص ولا فراق أبدا، بل هناك المزيد دائما، هناك الاجتماع –الذي لا فراق بعده- بالصالحين من الأهل والأولاد، وهناك اللقاء بالصالحين من الأصحاب والخلان. هناك جوار النبيّ المصطفى –صلـى الله عليه وسلم- والتنعّم برؤية وجهه الأنور، وهناك رؤية وجه الله الكريم وسماع كلامه، ووالله إنّه لأعظم نعيم هناك في دار الخلد، ولولا أنّ الله قضى أن لا موت في الجنّة لمات أهلها من شدّة الفرح والسّعادة وهم ينظرون إلى وجه الله الكريم: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)).
المرّة الأولى التي يرى فيها أهل الجنّة ربّهم ستكون مشهودة.. بينما أهل الجنّة في نعيمهم فرحين مسرورين، فجأة إذ بالملائكة تنادي: “يا أهل الجنة، إن الله يستزيركم! فحيّ علي زيارة الرحمن”؛ رحمن السماوات والأرض والخلائق ورحيمها يدعو عباده لزيارته! يخرج أهل الجنّة من قصور وخيام الذّهب والفضّة، فإذ بالنجائب قد أعدّت، فيركبون النجائب إلى مكان هو أفضل مكان في الجنّة، فيجلسون على منابر من نور، وأخرى من لؤلؤ وزبرجد، وأخرى من ذهب وفضة، ويجلس أدناهم منزلة على كثبان المسك، ومن يجلسون على كثبان المسك لا يرون إخوانهم الذين يجلسون على منابر النور واللؤلؤ والزبرجد والذهب والفضّة أفضل منهم في العطاء.. وبينما هم في غاية النعيم والسعادة بذلك المكان، إذ يسمعون صوتا ما سمعوا مثله في الدّنيا ولا في الجنّة قبلها، صوت يقول لهم: “يا أهل الجنة سلام عليكم”، فيعرفون أنّه صوت الرّحمن الذي قرؤوا كلامه في الدّنيا واشتاقوا إلى لقائه، الرّحمن الذي ركعوا له في الجنّة وسجدوا، وطالما سبّحوه وحمدوه واستغفروه ودعوه ورجوه، فيردّون جميعا السّلام: “اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والاكرام”، كانوا يردّدون هذه العبارة كلّ يوم بعد السلام من الصّلاة، لكنّهم يقولونها يومها في الجنّة وقلوبهم تكاد تطير من الفرح والسّعادة أنّهم يكلّمون الله من دون واسطة ولا ترجمان. ثمّ يقول الرّحمن: “أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني؛ فهذا يوم المزيد؟”، ثمّ يسألهم: “يا أهل الجنة هل رضيتم؟” فيجيبون من دون تردّد: “وكيف لا نرضى وقد غفرت ذنوبنا وأدخلتنا الجنة؟!”.. فيقول الله: “يا أهل الجنة سلوني ما شئتم”، فيقولون: “يا رب ارض عنا”، فيقول –جلّ وعزّ-: “يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لما أدخلتكم جنتي، هذا يوم المزيد فسلوني”، فيجتمعون على كلمة واحدة: “يا رب أرنا وجهك ننظر إليه”؛ فتُكشف حُجُب النّور، ويتجلّى الرّحمن لعباده، فيغشاهم من نوره ما لولا أنّه سبحانه قضى ألا يحترقوا لاحترقوا، فما أُعطي أهل الجنّة نعيما ولا لذّة أحب إليهم من النظر إلى وجه ربّهم الكريم، حتّى أنّ عيونهم تبقى شاخصة ينظرون إلى ربّهم وينسون الجنّة وما فيها.. ليس هذا فحسب، بل لا يبقى أحد في ذلك المجلس إلا كلّمه ربّه مباشرة.
عندما يتذكّر العبد هذه اللّحظة يتساءل: ماذا أفعل في هذه الدّنيا الفانية؟ ما الذي غرّني بهذه الدّنيا الدنيّة حتى نسيت الموعد والمنتهى؟ كيف غرّني الشّيطان وغرّتني النّفس الأمّارة بالسّوء بهذه الدنيا المليئة بالأحزان والمنغّصات والمكدّرات حتى نسيت الجنّة ورؤية وجه الله الكريم؟ ما الذي دهاني حتّى نمت عن الصّلاة وأخّرتها وعجلت فيها لأتفرّغ للدّنيا؟ ما الذي غرّني حتّى عققت والديّ وقطعت أرحامي وخاصمت جيراني، وأكلت الحرام ونظرت إلى الحرام وتكلّمت في إخواني المسلمين واغتبتهم؟ ماذا في هذه الدّنيا يستحقّ أن أخسر لأجله جنّة الخلد وجوار الحبيب المصطفى والنّظر إلى وجه الله الكريم؟ هل يليق أن أخسر لذّة النّظر إلى وجه الله الكريم بسبب نظرة محرّمة إلى صورة محرّمة في الهاتف أو التلفاز أو الشّارع؟ هل يليق أن أخسر لذّة الكلام مع رحمن الدّنيا والآخرة بسبب كلام أختلسه بالليل مع فتاة فارغة لاهية عابثة؟ هل يليق أن أخسر قصور الجنّة وخيامها ومسكها وعيونها وأنهارها وبساتينها بسبب نصيب من الميراث أمنعه عن أخواتي أو عمّاتي أو خالاتي؟ هل يليق أن أخسر حُورا عينا كواعب أترابا بصحبة امرأة ربّما لا تساوي عند الله حصاة رمل ولا جناح بعوضة؟ هل يليق أن أخسر فواكه الجنّة المذلّلة بلقمة حرام أكسبها من بيع الدخان أو من سلعة أبيعها غاشا بها أخا مسلما؟
يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: “فيا عجبا ممّن آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي، وباع جنة عرضها السماوات والأرض بسجن ضيق بين أصحاب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بدور ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكارا عُرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان بأخريات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد الدنيا والدين، ولذة النظر إلى العزيز الكريم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الدميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت يوم المزيد في مجالس الفسق مع كل شيطان مريد”.
كان الصّالحون من عباد الله إذا لقي أحدهم أخاه أو بعث إليه برسالة يقول: “اصبر يا أخي، فإنّما هي أيام قلائل، والموعد الجنّة” (صفة الصّفوة).. كانت هذه وصيتهم في زمان الخير والصّلاح، فما أحوجنا إلى هذه الوصية في زماننا هذا، زمان الفتن والشهوات والشبهات! ما أحسن أن يذكّر بعضنا بعضا باللّقاء في الجنّة، حتى لا تركن نفوسنا إلى الدّنيا الفانية! ما أحسن أن يذكّر الأخ أخاه إذا ألمّت به بلية أو أصيب بهمّ أو غمّ، فيقول له: “اصبر يا أخي، إنّما هي أيام قلائل والموعد الجنّة بإذن الله”! وما أحسن أن يذكّر الأخ أخاه بالجنّة إن رآه قد شغل قلبه وعقله وروحه بالدّنيا، وتهاون في دينه ونسي الآخرة، فيقول له: “لا تنس أنّ هناك نعيما أعلى وأعظم وأبقى وأدوم، هو نعيم الجنّة”!
الجنّة سلعة الله، وسلعة الله تستحقّ أن نتعب لأجلها، تستحقّ أن نجاهد لأجلها أنفسنا لنحافظ على الصلوات في أوقاتها في بيت الله، ونأخذ لأجلها ولو نصف ساعة من ليلنا لنقوم بين يدي الله ببعض الرّكعات، نطيل فيها السّجود ونسبل الدّمعات وندعو الله ألا يحرمنا لذّة النّظر إلى وجهه الكريم.. الجنّة تستحقّ أن نأخذ لأجلها شيئا من أموالنا نبذله لأهل الرباط، وفي بناء بيوت الله ومدارس القرآن، وفي إعانة الفقراء والمحتاجين بيننا.. سماع كلام الله في الجنّة يستحقّ أن نعمر لأجله أوقاتنا في هذه الدّنيا بتلاوة وحفظ وسماع القرآن.. النّظر إلى وجه الله في الجنّة يستحقّ أن نديم لأجله النّظر في المصاحف، ونغض لأجله أبصارنا عن الحرام.
الأرواح إذا طال بعدها عن طريق الجنّة فإنّها تتعب وتشقى، والقلوب تقسو وتمرض وربّما تموت؛ فحري بنا أن نعود بقلوبنا وأرواحنا وأنفسنا إلى طريق الجنّة.. لا يغترنّ شابّ بشبابه، فكم في المقابر من الشّباب! ولا يغترنّ صحيح بصحّته؛ فكم أخذ موت الفجأة من الأصحّاء! كم في المقبرة الآن من أناس كانت تحليلاتهم تخرج من المخابر سليمة مائة بالمائة! وكم في المقبرة من إخوان لنا كانوا يمتّعون بالصحّة والعافية ويمارسون الرياضة!
والله لو كان أحدنا يملك في هذه الدّنيا قصرا واسعا له فيه الخدم والحراس، وله معه بستان فيه ما لذّ وطاب، وعنده من المال ما يكفي العمر كلّه، ويملك سيارة فارهة يجوب بها الأرض حيث شاء، ما كان من العقل أن يخسر لأجل هذا النّعيم الفاني جنّة نعيمها باق وفيها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وصحبه، وفيها النّظر إلى وجه الله الكريم.. كيف بمن ينشغل في هذه الدّنيا بحظّ قليل ينازعه فيه إخوانه وجيرانه؟! كيف بمن تحتوشه الهموم والغموم وتعتريه الأمراض والأسقام، أن ينسى جنّة لا تعب فيها ولا نصب ولا مرض فيها ولا همّ؟!

مقالات ذات صلة