الرأي

ما بعد المرتبة الأولى

تقدّم منظمة الأغذية والزراعة العالمية “الفاو”، مدعَّمة ببيانات وزارة الزراعة الأمريكية، في الفترة الأخيرة، إحصاءات عن الإنتاج الفلاحي في مختلف بلاد العالم، وسط مخاوف الجفاف والتقلبات المناخية والحروب. والمتمعن في هذه الإحصاءات الدقيقة، وهذه البيانات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأحصتها وحللتها أيضا، ير تواجد بلاد كانت غائبة لعقود عن الإحصاءات، فصارت تنافس عالميًّا وتقدِّم الكمّ والنوع في أبهى حلّة، وهي الجزائر التي صارت تتربع على عرش الكثير من إنتاجات الفاكهة والخضر.

الانتصار الأول الذي حققته الجزائر هو تواجدها المستقرّ في الخارطة الفلاحية العالمية، فمثلا في الطماطم والزيتون والإجّاص والبطيخ صارت ضمن الكوكبة التي تقود هذه الفواكه والخضر الضرورية في تغذية الإنسان، ولكن هذا الانتصار يتطلب انتصارات أخرى في التغليف والتسويق والتصدير والتعليب والتصنيع، وهو التحدّي القادم.

منظمة “الفاو”، وضعت الجزائر مثلا في فاكهة الإجاص ضمن كبار المعمورة، والأولى على المستوى العربي بضِعف إنتاج مصر، وأضعاف ما تنتجه بقية البلدان العربية، ولكن المفارقة أن المصريين يصدِّرون من إنتاجهم الذي هو نصف إنتاج الجزائر، ويُصدّر غيرُهم، بينما يبقى إنتاج الجزائر للاستهلاك المحلي، وهو ما يضعنا أمام مشكلة استهلاك أيضا، كثقافة يجب أن تتماشى مع تطوُّر الإنتاج، فالفاكهة هي غذاء للاستهلاك، وليست للتخزين والتبذير والإتلاف.

صحيحٌ أن معركة الفلاحة هدفها الأول هو الاكتفاء الذاتي، وهدفها الثاني هو العيش في رخاء، لكن سوء الاستهلاك أيضا قد يطرح مشكلة اقتصادية واجتماعية، ويصبح الإنتاج والفائض لا معنى له في ظل فقدان الفرد الجزائري للاقتصاد الشخصي.

لو أوقفت أيَّ ربِّ أسرة جزائري في الشارع، وسألته عن كمية الفاكهة الموجودة في بيته ونوعها، لما أجابك بدقة، وربما ما أجابك أصلا، فقد يشتري العنبَ، وفي بيته عنبٌ، وقد تصاب الفاكهة التي ببيته، من كرز وموز، بالكساد، وهو وربة البيت لا يدريان.

تمنح أسواق الخضر والفواكه وحتى البقول وبقية المواد الغذائية من خبز وعصائر ومشتقات حليب، في ديكورها العامّ، جرعة معنوية للفرد الجزائري، فقد قدَّمت هذه الأسواق في كل ولايات الوطن، الأرض الجزائرية في أحلى حلّة من حيث الكمية والنوعية وحتى الأسعار التي دحرجت البطاطا إلى حدود الأربعين دينارا للكيلوغرام، وعندما تتوفر المادة يمكن العمل عليها، ودخول الأسواق العالمية كقوة عالمية، كما هي حال مصر في هذا الجانب.

لقد تمكّنت الجزائر في العقود القليلة الماضية، من توقيف حاويات البيض والجبن والتفاح والثوم التي كانت تشكل الزحام في الموانئ الجزائرية، وهي تسير بكل تأكيد لتوقيف حاويات الحليب والزيت والدقيق، وبمزيد من التحدي يمكنها أن تقلب الصورة رأسا على عقب، عندما تصبح السلعة الجزائرية منتظرة من هذا البلد أو ذاك. ولتنزعج فرنسا أو غيرها ولـ”تخبط” رأسها في الحائط.

مقالات ذات صلة