ما تخفيه الصفقة بين داعش وحزب الله
توصل أمس الأول الاثنين تنظيم الدولة وحزب الله إلى اتفاق أنهى معارك القلمون بتبادل الأسرى وجاثمين القتلى، والترحيل الآمن لمقاتلي التنظيم وأسرهم نحو منطقة دير الزور شرق سورية، في صفقة فريدة بين تنظيمين ميليشياويين باركته سورية ولبنان والمجموعة الدولية.
فقد استعاد حزب الله بموجب الصفقة بعض أسراه، وجثث مقاتليه وقتيل إيراني، وفوق ذلك انتزع من الحكومتين اللبنانية والسورية قرار التفاوض والتبادل، إن لم يكن قد فرضهما فرضا على الدولتين، حتى وإن كان قد تكبد في المعركة 11 قتيلا لتحقيق ما سوقه نصر الله كانتصار حرر جرود القلمون، وبدوره قد يدعي تنظيم الدولة الانتصار وقد استعاد ثلاثة أسرى من سجون لبنان، وتمكن من نقل أكثر من 300 مقاتل و700 من أسرهم نحو دير الزور.
الصفقة صدمت للبنانيين وبدت لهم على الشكل التالي: حزب الله “انتصر” باسترجاع مقاتليه الأسرى لدى تنظيم الدولة، الذي انتزع حق نقل مقاتليه وأسرهم في حافلات مريحة إلى ملاذ آمن اختاره بنفسه، فيما حرم الجيش اللبناني من تحقيق نصر كان وشيكا يقول بعض اللبنانيين، وفشل في استرجاع الجنود المختطفين، ورجل دين مسيحي، وصحفي ليناني.
كيفما كانت شطارة أمين عام حزب الله المعهودة، فإنه لن يستطيع تسويق الصفقة كحالة انتصار على التنظيم، لأن منطقة القلمون ـ يقول اللبنانيون ـ كانت ساقطة عسكريا منذ البداية، ولم يعد لها وزن في معارك سورية، فجاءت الصفقة لتحقق لتنظيم الدولة أكثر مما كان يحلم به، ليس فقط على الصعيد العسكري بتحقيق انسحاب آمن، بل على الصعيد السياسي أيضا، وقد منحته الصفقة صفة المفاوض على قدم المساواة، فباع حزب الله بعض جثامين قتلاه لينقذ ألفا من أنصاره على غرار ما كان يفعل حزب الله أو حماس مع الكيان الصهيوني.
غير أن الصفقة فيها كثير من مناطق الظل، وتعد بما هو قادم من تقسيم عرقي مذهبي لسورية ينفذ بمباركة دولية، حيث بدأت ترتسم خريطة التقسيم منذ تنفيذ عمليات التبادل مع المجاميع المسلحة شمال حلب وحمص، وفي الغوطة وبعض أحياء دمشق، وبدا واضحا أن الترحيل و”تبادل الأرض والبشر” ينفذ وفق خريطة تستجيب لحاجات الأطراف المنخرطة في النزاع السوري.
فالروس معنيون أكثر بتأمين قاعدتي طرطوس وحميميم، فيما تحرص إيران على تأمين خطوط الإمداد لحزب الله، وإعادة تجميع بعض شتات الشيعة في سورية، ونجحت تركية حتى الآن في تأمين مناطق نفوذ في الشمال تمنع قيام كيان كردي، فيما تجتهد الولايات المتحدة جنوب وشمال الفرات للتحكم في منطقة قد تسلمها لاحقا لكيانات موالية.
الصفقة تعد بما هو أخطر من ذلك، بالتمكين لقيام حالة من الغلبة المستدامة للميليشيات في المنطقة، تساعدها الفتن على انتزاع المبادرة من دول هي في حكم “الدول الفاشلة” في العراق، وسورية، واليمن، وليبيا، تمنع صياغة أية تسوية سياسية تتيح فرصا حقيقية لعودة الدولة القطرية، وقد تتعايش معها الأنظمة القائمة، وشعوب المنطقة، والمجموعة الدولية، بعد أن تحولها إلى كانتونات محاصرة كما هي غزة منذ أكثر من عقد من الزمن.