ما فعلته إسرائيل مع “أسطول الصمود” سلوك قراصنة ومجرمين خارج القانون
القانون الدولي عجز عن مواجهة المجرمين في إسرائيل
لا نعرف جريمة حرب واحدة إلا وارتكبت في غزة
في هذا الحوار المطوّل مع “الشروق”، يقدّم رئيس مركز جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان أنور الغربي قراءة قانونية وحقوقية لتطورات الحرب على غزة، وتداعيات اعتراض الاحتلال الإسرائيلي لـ”أسطول الحرية” والمتضامنين الدوليين في عرض البحر. ويتناول الغربي، من منظور القانون الدولي الإنساني، قضايا الحصار والتجويع واستهداف المدنيين، معتبرا أن ما جرى بحق النشطاء “سلوك قراصنة ومجرمين خارج القانون”، وأن أغلب الجرائم التي يختص بها القضاء الدولي “ارتُكبت في غزة”.
كما يناقش الحوار حدود فاعلية المؤسسات الدولية، ودور المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، إضافة إلى مسؤولية المجتمع المدني والتحركات التضامنية في ملاحقة الانتهاكات وكشفها أمام الرأي العام العالمي، في ظل ما وصفه بعجز المنظومة الدولية عن فرض العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
كيف يقيّم القانون الدولي ما تعرّض له نشطاء “أسطول الحرية” من اعتراض واحتجاز من طرف الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل يمكن وصف ما حدث بالقرصنة البحرية؟
طبعا، القوانين والاتفاقات الدولية تنظم حرية الملاحة في المياه الدولية. هناك قانون البحار، وهو معروف ويمكن الرجوع إليه، وهي قوانين تنظم عملية الاعتراض وعملية التنقل الآمن. نحن نتحدث عن تنقل أفراد مدنيين مسالمين لهم الحق في التنقل، مواطنين أوروبيين أو عرب أو غير ذلك، لا يحتاجون لتأشيرات لركوب البحار والوصول إلى غزة. هذا حق طبيعي في التنقل، سواء كان برا أو بحرا أو جوا إذا أتيحت الإمكانية، وهو حق طبيعي لأي إنسان. ولا يحق لإسرائيل أبدا أن تعترض أناسا سواء في البر أو في البحر لقطع الطريق عليهم. هذه أساليب قطاع طرق وقراصنة، وليست أساليب مسؤولين في دولة يعطون أوامر لإيقاف الناس والتعامل معهم بشدة ووحشية لم يعرف لها العالم مثيلا من قبل.
ما أقدمت عليه إسرائيل هو اعتداء على القانون الدولي، واعتداء على العدالة الدولية، واعتداء على كل المواثيق والمعاهدات التي تنظم المنظومة الدولية منذ إنشائها من عشرات السنين. ما يشاهده العالم اليوم صوتا وصورة هو الحقيقة التي لم يكن يراها أو لا يريد أن يراها من قبل. الآن صارت مسجلة صوتا وصورة وتعرض أمام الشاشات.
ما هي القوانين والاتفاقيات الدولية التي تنظّم حرية الملاحة في المياه الدولية؟ وهل خرق الاحتلال هذه القوانين في تعامله مع النشطاء؟
لا يحق لإسرائيل بأي شكل من الأشكال اعتراض سفن مدنية تحمل مساعدات إنسانية متجهة إلى غزة. أولا، وضعية قطاع غزة إلى الآن غير واضحة حتى بالنسبة لإسرائيل نفسها. هل هو قطاع تحت الاحتلال؟ وبالتالي على إسرائيل مسؤولية في توفير ما يحتاجه القطاع الذي يخضع للاحتلال، بحكم المعاهدات والاتفاقات، واتفاقية جنيف الرابعة وغيرها من المعاهدات التي التزمت بها إسرائيل نفسها، والتي تلزمها بذلك بصفتها سلطة احتلال.
لكن إسرائيل تحاصر القطاع، وتمنع عنه المساعدات الإنسانية إلا بالحد الأدنى، بل أقل من عشر احتياجات السكان. ومع ذلك تمنع وصول هذا الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية، وخاصة الطبية منها، خاصة إذا علمنا أن هناك 20 ألف جريحا يحتاجون لمساعدة إنسانية عاجلة. وكان العشرات من الأطباء في اختصاصات مختلفة على متن الأسطول والسفينة الطبية للوصول إلى غزة والقيام بعمليات جراحية عاجلة بسبب تواصل منع المرضى من مغادرة القطاع للعلاج في الخارج.
وبالتالي، لا يوجد أي حق لإسرائيل بالمطلق في اعتراض السفن المدنية. إسرائيل تحججت في الماضي، عندما اعترضت الأسطول الثاني في ماي 2010 واغتالت 10 أتراك، بأنهم كانوا عنيفين واستعملوا أسلحة ضدها، ولم تثبت ذلك إطلاقا. ومع ذلك، الكل يعلم بأن السفن التي انطلقت لا يوجد بها أي شكل من أشكال التصدي أو العنف. وبالتالي، ما أقدمت عليه إسرائيل مخالف جملة وتفصيلا لكل الأعراف والقوانين.
ما الفرق قانونيا بين “الاعتراض الأمني” و”القرصنة” في عرض البحر؟
الاعتراض الأمني هو مصطلح قانوني، ويحق عندما يكون هناك إشكال أمني حقيقي، ويتم بشكل قانوني ويعرض للرأي العام داخليا أو خارجيا للقول بأنه تم اعتراض خطر على كيان أو شعب معين. وهذا حق لرد عدوان أو رد شكل من أشكال الاعتداء.
لكننا لسنا في هذه الوضعية. ما حدث هو قرصنة في عرض البحر، وسلوك قراصنة ومجرمين خارج القانون، يستولون على أملاك الغير وعلى حرية الغير بالقوة، مع استعمال القوة المميتة. ورأينا إطلاق نار في البحر، واحتجاز العشرات في سجون مائية عائمة لأول مرة في التاريخ، حيث يتم احتجاز أناس فوق سفن عسكرية وتعذيبهم جسديا، وعرضهم أمام الكاميرات والاعتداء عليهم بتلك الكيفية التي شاهدها العالم.
كيف ينظر القانون الدولي الإنساني إلى استهداف أو احتجاز ناشطين مدنيين ومتضامنين أجانب؟
طبعا، العالم كله صار ينظر إلى الواقع كما هو، بعد أن وثقت جهات عديدة، ومنها نحن في مركز جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلى امتداد قرابة 10 سنوات، الانتهاكات بحق الفلسطينيين، والاعتداء على حقوق الأسرى الفلسطينيين الذين يتجاوز عددهم عشرة آلاف محتجز، وعدد كبير منهم محتجز خارج السياقات القانونية تحت مسمى “الاحتجاز الإداري”، بمعنى لا توجه لهم تهم ولا يعرضون على المحكمة، ومع ذلك يتم احتجازهم لسنوات طويلة.
ما رآه العالم اليوم عبر الكاميرات والتسجيلات الرسمية، سواء من طرف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أو غيره، هو أمر كان يحدث سابقا لكن العالم لم يكترث له، ولم يكترث لنداءات الاستغاثة من المنظمات الكثيرة التي كانت توثق الانتهاكات بحق الفلسطينيين. وعندما تحدث بن غفير سابقا عن السعي لإعدام الأسرى الفلسطينيين، صدر بعد ذلك قانون في الكنيست الإسرائيلي بإعدام الأسرى، ومع ذلك لم نر هذه الهبة الدولية.
أما اليوم، فعندما شاهد العالم العشرات من الناشطين الأوروبيين وهم يهانون وتعذب كرامتهم وحقوقهم أمام العالم، أصبح مطلوبا التعامل مع هذه الانتهاكات بالقانون، وأيضا سياسيا، عبر وقف الاتفاقات بين الدول الأوروبية والدول الغربية بشكل عام مع إسرائيل، خاصة في ما يتعلق بمدها بالسلاح والمعدات العسكرية. فالسلاح الذي بيد الجندي الإسرائيلي هو في الغالب سلاح غربي، والمعدات التي يعذب ويقتل ويهدد بها هي من أموال دافعي الضرائب الغربيين. لذلك لا بد من تجريد هؤلاء من الأسلحة أو على الأقل التقليل من دعمهم حتى لا تستعمل بهذه الكيفية ضد المدنيين والعدالة.
ما تقوم به إسرائيل اليوم هو اعتداء على القانون وعلى المجتمع الدولي برمته، وصمت المجتمع الدولي يزيد من شهيتها وتشددها في انتهاك حقوق الناس. ولعل ما يحدث يكون استفاقة للمنظومة الدولية لترى كيف تتعامل القيادة الإسرائيلية مع الفلسطينيين ومع من يفضح هذه الانتهاكات.
ما الرسائل السياسية والقانونية التي يحملها تعامل وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير مع النشطاء المعتقلين؟
في الحقيقة، لا توجد رسائل سياسية ولا قانونية، بل رسائل من عصابات، من أناس بيدهم السلاح والقوة المميتة يواجهون مدنيين عزل. هم فقط عاملوهم كما يعامل الفلسطينيون منذ سنوات. نفس الأشخاص، ونفس الوزراء الذين طالبوا سابقا بقتل الفلسطينيين وإعدامهم. ورأينا مشاهد خروج الأسرى الفلسطينيين خلال عمليات التبادل بأجساد هزيلة وكأنها خرجت من قبور، بعدما فقدوا نصف أو ثلثي أوزانهم، وكانوا يعيشون أوضاعا مأساوية.
هل يمكن اعتبار تصريحات أو مواقف بن غفير تجاه النشطاء نوعا من التحريض أو التشجيع على انتهاك القانون الدولي؟
ما نراه اليوم ليس سلوك وزير أو فرد، بل سلوك حكومة كاملة. عندما يقر الكنيست الإسرائيلي قرارا بإعدام الأسرى، فهذا قرار دولة وليس تصريحا فرديا. وعندما نرى تصريحات نتنياهو وأعضاء حكومته، ندرك أن هذه هي طبيعة الحكومة الإسرائيلية.
الرسالة الوحيدة التي يريدون إيصالها هي أنهم فوق القانون، ولا يخضعون له، ولا يبالون بأحد. هذه هي الرسالة الحقيقية. والتركيز على بن غفير فقط غير دقيق، لأنه يقول بصوت عال ما يفعله الآخرون بصمت، مثل نتنياهو وغيره. الرسائل الإسرائيلية للعالم هي رسائل دمار في فلسطين ولبنان والمنطقة كلها، والعالم اليوم يرى ذلك بوضوح.
هل يمكن للناشطين أو الدول التي ينتمون إليها اللجوء إلى القضاء الدولي لمتابعة إسرائيل قانونيا؟
طبعا، من حق الناشطين اللجوء إلى القانون ومتابعة إسرائيل أمام المحاكم الوطنية والدولية، وهذا حق طبيعي. وهناك من عبّر بالفعل عن رغبته في بدء الإجراءات القانونية، وبعضهم تحدث معنا بصراحة عن تبني قضيته وملاحقة إسرائيل حتى في الدول التي لا تعترف بها أو لا تربطها بها اتفاقيات.
ومن حقهم أيضا السعي لاستصدار بطاقات جلب بحق المسؤولين السياسيين أو الأمنيين الذين ارتكبوا هذه الانتهاكات بحق المدنيين الذين حاولوا فقط تنفيذ ما طالبت به محكمة العدل الدولية، والتي دعت إلى رفع الحصار وتوفير المساعدات الإنسانية والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ما قام به الناشطون هو تطبيق عملي لما عجزت الحكومات عن القيام به، وهو تطبيق للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وكذلك لقرارات أممية سابقة. ولذلك، فإن استهدافهم بهذا الشكل يعد أمرا خطيرا على العالم كله. وعلى الحكومات أن تقول لإسرائيل بوضوح: توقفي، لا يحق لك الاعتداء على العدالة الدولية وعلى المجتمع الدولي بأسره. وإذا لم يتم وقف هذا السلوك، فنحن ذاهبون نحو انهيار كامل للقوانين والمعاهدات الدولية التي استغرق إقرارها عقودا طويلة لتنظيم العلاقات بين الدول والأفراد.
ما دور المحكمة الجنائية الدولية في متابعة الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين والمتضامنين الدوليين؟
طبعا، هذا من الملفات التي من حق المحكمة الجنائية الدولية النظر فيها، فيما يتعلق بالاعتداء على الناشطين الذين سعوا للوصول إلى غزة بطريقة معلنة ومنظمة. وكما نعرف، فإن المحكمة الجنائية الدولية تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وجرائم عدوان.
لدينا اليوم جريمة عدوان ثابتة، وجرائم حرب ثابتة بما ارتكب في غزة وفلسطين بشكل عام، وجرائم ضد الإنسانية تنظر فيها محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا.
صحيح أن إسرائيل ليست طرفا في نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، لكن فلسطين انضمت إلى المحكمة عام 2015، وهناك قرار للمحكمة في 5 فيفري 2021 أقر بانضمام فلسطين بشكل صحيح إلى نظام روما الأساسي، وبالتالي أصبحت الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ضمن الاختصاص القضائي للمحكمة.
وقد قدمت جهات عديدة، ومنها مركز جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان، إحاطات والتماسات للمحكمة، ومع عشرات الشكاوى الموثقة بالصور والفيديوهات، بدأ المدعي العام تحقيقات في ملفات متعددة. ومن المنتظر أن تصدر بطاقات جلب إضافية بحق مسؤولين متورطين في هذه الانتهاكات بحق المتضامنين.
كيف يمكن للمجتمع المدني الدولي وحركات التضامن المساهمة قانونيا وإعلاميا في حماية الناشطين وكشف الانتهاكات؟
طبعا، المسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية الناشطين فقط. والمشكلة ليست في غياب القانون الدولي، بل في غياب الإرادة السياسية لدى بعض الدول الكبرى لتطبيق هذا القانون بشكل عادل وغير انتقائي، وهذا يضعف مصداقية النظام الدولي ويفاقم الشعور بالظلم، خاصة في العالمين العربي والإسلامي.
أما كيف يمكن المساهمة في تغيير الواقع، ففي اعتقادي يجب أولا البناء على تحالف دولي مضاد لازدواجية المعايير، يضم دول الجنوب العالمي والعالم العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، ويمكن دعم دول مثل جنوب إفريقيا وتركيا في قضاياها القانونية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
والبعد الثاني هو الضغط لإصلاح مجلس الأمن، والمطالبة بتقنين أو إلغاء استخدام حق النقض “الفيتو” في القضايا الإنسانية وجرائم الحرب، بحيث لا يمنح هذا الحق عندما ترتكب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب. كما يمكن إنشاء آليات بديلة مثل “لاتحاد من أجل السلام” داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي آليات مهمة لتطبيق القانون الدولي.
وعلى المستوى الشعبي والمجتمعي، يجب دعم حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات للضغط السلمي على إسرائيل، والعمل على سحب الدعم الاقتصادي والسياسي عنها، لأن هذه الآليات أصبح لها تأثير متزايد على بعض الدول الغربية.
كما أن تشكيل رأي عام عالمي عبر الإعلام والفن والنشر الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي أصبح أداة مهمة لتغيير الصورة النمطية وتوسيع فهم الناس لطبيعة الاحتلال والانتهاكات. وأنتم أيضا، كإعلاميين، تعبرون عن آراء المجتمع المدني وتطلعاته في الحرية وتطبيق القانون.
وعلى المستوى القانوني والحقوقي، لا بد من مواصلة العمل الجماعي من خلال تكتلات ومجموعات مختلفة. ففي مركز جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلا، تم تجميع مئات المحامين من عشرات الدول حول العالم ضمن مبادرة قانونية لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.
كما يجب دعم عمليات جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات بالتعاون مع منظمات حقوقية محلية ودولية، وتقديم هذه الأدلة أمام المحاكم الوطنية والدولية. وهناك أيضا أهمية لاستخدام المحاكم الوطنية في بعض الدول الأوروبية التي تسمح قوانينها بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب استنادا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، حتى وإن لم ترتكب الجرائم على أراضيها.
وعلى المستويات التعليمية والإعلامية، هناك حاجة لتغيير الخطاب الأكاديمي والإعلامي، وإدراج القضية الفلسطينية والعدالة الدولية ضمن المناهج الجامعية ومراكز الأبحاث، والعمل على كشف التحيزات في الإعلام الغربي والدفع نحو صحافة أكثر توازنا وموضوعية.
وأخيرا، على المستوى الفردي، فإن الوعي ثم الفعل هما الأساس، سواء عبر التوعية بالحقوق أو المشاركة في الحملات أو دعم الصحافة الحرة والمستقلة. ولا يجب التقليل من قيمة أي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو أي عريضة أو ضغط شعبي، فكل ذلك يصنع فرقا على المدى الطويل. ونحن نؤكد، بقراءة قانونية للمشهد، أن هناك حاجة ماسة لتنسيق الجهود ورصد ما يجري وتحويله إلى إجراءات قانونية منظمة تحقق العدالة للضحايا وتعيد الثقة في القانون الدولي والمؤسسات الدولية.
هل التحركات البحرية التضامنية وسيلة قانونية وأخلاقية مؤثرة على الاحتلال؟
نعم، ليس فقط التحركات البحرية، بل أيضا التحركات البرية والضغط على مصر لفتح معبر رفح. فلا يمكن لمصر أن تتحجج بأن المعبر مغلق من الجانب الإسرائيلي فقط، بل مطلوب أيضا من المجتمع المدني الضغط على السلطات المصرية لفتح المعبر وترك المجال أمام المتضامنين للوصول. فعندما وصل إلى مصر العام الماضي أربعة آلاف متضامن من ستين دولة، لماذا منعوا من الوصول؟ ولماذا توقفت القافلة البرية في ليبيا ولم يسمح لها بالمرور؟ هذه أيضا مسؤولية الدول العربية.
وأعتقد أن الجزائر يمكن أن تلعب دورا مهما في هذا الملف، باعتبارها دولة محورية وكبيرة في إفريقيا، وتاريخها معروف في دعم القضية الفلسطينية. ويمكن للجزائر أن تؤدي دورا دبلوماسيا عبر الجامعة العربية والمحافل الدولية، وأن يكون لها موقف رسمي وشعبي داعم لهذه التحركات.
ولا شك لديّ في أن هذه الحملات البحرية التضامنية ستتواصل. فنحن نتحدث اليوم عن المحاولة رقم 64 منذ عام 2007 للوصول إلى غزة. وقد نجحت ثماني سفن فقط في الوصول في بدايات 2008، ثم منعت بقية السفن، لكن ذلك لم يمنع المتضامنين من مواصلة المحاولات.
وخلال السنوات السبع الماضية، حاول نحو 2800 متضامن من حوالي 80 دولة مختلفة الوصول إلى غزة، وهذه الأعداد ستتزايد بلا شك، لأن عجز الحكومات والآليات الدولية عن تنفيذ القوانين ووقف الاتفاقات مع إسرائيل لن يمنع الناشطين من التحرك والقيام بما تمليه عليهم إنسانيتهم وأخلاقهم ومبادئهم.
كيف يعرّف القانون الدولي الجرائم المرتكبة في غزة، خاصة ما يتعلق بالحصار والتجويع واستهداف المدنيين؟
القانون الدولي، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة، ينص على حماية المدنيين حتى وقت الحرب. وإسرائيل اعتدت على المدنيين ومنعت إيصال المساعدات الإنسانية والمستلزمات الأساسية لهم.
إذا أخذنا النصوص القانونية وقارناها بسلوك إسرائيل، سنجد أنهما في مسارين متوازيين لا يلتقيان. فالقانون الدولي في اتجاه، وما تقوم به إسرائيل في اتجاه آخر، وكأن القوانين الدولية لا تطبق عليها.
ورأينا كيف تم استهداف قضاة المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدار بطاقات جلب، في سلوك غير مسبوق، حيث يستهدف المتهم القضاة أنفسهم. وبالتالي، السؤال الحقيقي ليس كيف يصنف القانون الدولي هذه الجرائم، بل لماذا يعجز عن تطبيق العدالة على كبار المجرمين؟ وهذا السؤال يجب أن يطرح على الحكومات والبرلمانات والمجتمع المدني وكل الجهات الدولية، حتى يصبح القانون مطبقا على الجميع من دون استثناء.
هل يمكن تصنيف الحصار المفروض على غزة كجريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية؟
طبعا، القانون الدولي صنف الجرائم في غزة من خلال قرارات عديدة تتعلق بالحصار والتجويع واستهداف المدنيين. هناك قرارات صادرة عن مجلس الأمن، رغم استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد بعضها، وهناك قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وتقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة.
ورأينا كيف تعرضت المقررة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، للاستهداف بعد إصدار تقاريرها. وهذا يؤكد أن من يرتكب الجرائم يسعى أيضا إلى استهداف الشهود والقضاة وكل من يوثق الحقيقة.
إسرائيل لا تريد للعالم أن يرى ما يحدث، ولا تريد شهودا ولا توثيقا. الرسالة التي تحاول إيصالها هي: “أغمضوا أعينكم واتركونا نقتل ونحاصر ونستهدف المدنيين”. ولذلك، فإن ما يحدث اليوم من توثيق هو كل ما لا تريده إسرائيل، لأنه يثبت الجرائم ويحفظ حق الفلسطينيين والعالم في معرفة الحقيقة وملاحقة المسؤولين عنها.
ما هي أبرز الجرائم التي وثّقتها المنظمات الحقوقية الدولية بحق الاحتلال خلال الحرب على غزة؟
التصنيف القانوني يكفي فيه الرجوع إلى تعريف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لندرك أن أغلب هذه الجرائم ارتكبت في غزة. نحن نتحدث عن إبادة لعشرات الآلاف من الناس، ثلثهم من الأطفال والنساء والمدنيين، وعن تدمير كامل لـ80 بالمئة من البنية التحتية، وقصف وتدمير 90 بالمئة من المدارس والمستشفيات، والاعتداء حتى على الوكالات الأممية.
إذا لم تكن هذه جرائم حرب، فما هي جرائم الحرب إذن؟ نحن لا نعرف جريمة حرب واحدة إلا وارتكبت في غزة. واليوم ينتظر العالم حكم محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا، رغم محاولات إسرائيل تعطيلها بكل السبل.
كما أن هناك تقارير صادرة عن لجان تحقيق أممية وعن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وثقت الانتهاكات منذ سنوات، خاصة منذ فرض الحصار على غزة عام 2007، مرورا بحروب 2008 و2012 و2014 وغيرها.
فالقتل والاستهداف لم يتوقفا يوما، وعلى المجتمع الدولي أن يحاسب إسرائيل حتى لا نصل إلى عالم بلا قانون ولا عدالة ولا أي محددات تحكم العلاقات الدولية.
ما هي أبرز الجرائم التي وثقتها المنظمات الحكومية الدولية بحق الاحتلال خلال حرب غزة؟
طبعا، كل الجرائم التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية وقع ارتكابها في غزة، سواء بشكل كامل أو جزئي. جرائم حرب؟ نعم، تم ارتكاب جرائم حرب. جرائم ضد الإنسانية؟ نعم، تم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. جرائم إبادة؟ نعم، تم إبادة أحياء بكاملها، وعائلات بكاملها محيت من السجل المدني بالكامل. وليس فقط البشر، بل المدارس أُبيدت، والمستشفيات أُبيدت، وكل شيء أُبيد.
اليوم هناك مشكلة كبيرة في غزة، وهي مشكلة الفئران التي أصبحت تؤرق سكان غزة في الخيام بسبب تكدس النفايات والجثث والدمار في كل مكان. صارت هذه الفئران كبيرة الحجم وتهجم على الأطفال في الخيام وتتسبب في كوارث كبيرة، حتى أصبحت من أبرز مشاكل غزة اليوم. كما أُبيدت القطط والكلاب بسبب المجاعة والاستهداف والخوف من القنابل. الإبادة اليوم شبه كاملة، فلا توجد قطط في قطاع غزة، ولا طيور، ولا أشجار، وتم اقتلاع النخيل والأشجار، وعشرات الآلاف من الهكتارات تم القضاء عليها بالكامل.
وبالتالي، إسرائيل أبادت كل شيء في قطاع غزة، البشر والحجر، وكل كائن حي كان ضحية لسلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي. وبالتصنيف القانوني والحقوقي، أتحدث دائما بالتصنيف القانوني والحقوقي، فإن هذه الانتهاكات موثقة بالأرقام. فالقتلى من الفلسطينيين أكثر من ثلثهم من الأطفال، والثلث الآخر من النساء، والمفقودون حوالي 20 ألفا، وهناك تقارير أخرى تتحدث عن مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين. وعدد الجرحى هو ضعف عدد القتلى، أي مقابل كل قتيل هناك جريحان.
ونحن نتحدث عن قطاع غزة، مساحة صغيرة جدا، ومع ذلك، فإن حجم القنابل التي ألقيت عليه خلال فترة وجيزة تجاوز بأضعاف ما ألقي على هيروشيما وناكازاكي. كما دخل القطاع أكثر من 360 ألف جندي إسرائيلي، بما يعني جنديا واحدا لكل مساحة ضيقة جدا، حتى يدرك الجميع حجم ما نتحدث عنه.
وقد ارتكبت كل أنواع الانتهاكات، من اعتداءات جنسية موثقة تحاول إسرائيل اليوم التهرب منها بعد صدور تقارير في مجلات وصحف أمريكية معروفة، إلى الانتهاكات بحق الأطباء، حيث ما يزال مدير المستشفى أبو صفية وثمانية أطباء آخرين محتجزين لدى إسرائيل. كل القطاعات المهنية تضررت بشكل مباشر من سلوك إسرائيل، وبالتالي، فإن كل أنواع الجرائم ارتكبت خلال هذه الحرب.
لماذا تبدو آليات المحاسبة الدولية عاجزة حتى الآن عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية؟
بخصوص الأسباب التي تفسر لماذا تبدو المحاسبة الدولية عاجزة حتى الآن عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية، فهناك عدة أسباب. أولها التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، حيث تعتبر إسرائيل حليفا رئيسيا للولايات المتحدة وأغلب الدول الأوروبية، سواء من الناحية الأمنية أو التكنولوجية أو التبادل الاستخباراتي، وهذا ما تحاول إسرائيل تسويقه لتلك الدول. وهذا يجعل من الصعب على الدول الغربية اتخاذ مواقف قانونية وسياسية قوية ضدها، حتى مع وجود انتهاكات موثقة.
وفي بعض الدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا توجد لوبيات مؤيدة لإسرائيل تتمتع بنفوذ كبير على صناع القرار، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية المعروفة بـ”إيباك”، ولوبيات أخرى في فرنسا وغيرها. وهذه الجهات تؤثر على الخطاب السياسي والإعلامي، وغالبا ما تصور أي نقد لإسرائيل على أنه معاداة للسامية، مما يعيق الحوار الموضوعي حول الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها، ويخلق مناخا من الرعب والخوف من الاستهداف بهذه التهمة.
والبعد الثالث هو ما يسمى الخوف من زعزعة الاستقرار الإقليمي، حيث ترى بعض الدول الغربية أن استقرار إسرائيل مهم لاستقرار المنطقة، وأن أي ضغوط قانونية عليها قد تهدد هذا الاستقرار، كما يرون، وبالتالي تصبح محاسبة إسرائيل عامل خطر على مصالح الغرب.
أما النقطة الرابعة، فهي ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث يطبق القانون الدولي بشكل انتقائي، وتستخدمه القوى الكبرى عندما يخدم مصالحها وتتجاهله عندما يعطلها. فقد تمت محاسبة دول أخرى، لكن عند الحديث عن حلفاء الغرب مثل إسرائيل يتغير ميزان العدالة.
وهناك أيضا مخاوف داخلية لدى هذه الدول، إذ تخشى بعض الدول أن يؤدي دعم ملاحقات قانونية ضد إسرائيل إلى فتح الباب أمام مطالب مماثلة ضدها بسبب انتهاكات ارتكبتها في مستعمراتها أو حروبها السابقة، مثل فرنسا في الجزائر وشمال إفريقيا، أو بريطانيا في مستعمراتها، أو الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
والنقطة السادسة هي التلاعب بالسرديات، حيث تقدم وسائل الإعلام الغربية غالبا الرواية الإسرائيلية باعتبار أن إسرائيل “تدافع عن نفسها”، بينما يصور الفلسطينيون كإرهابيين أو مصدر تهديد، وهذا الخطاب يجعل من الصعب على الرأي العام الضغط باتجاه محاسبة قانونية حقيقية. وهذه من أبرز الإشكالات المتعلقة بالمحاسبة الدولية.