الرأي

ما كان ابن نبي تقدميا ولا يساريا ولكن كان حنيفا مسلما (*)

لوحظ في هذه السنة اهتمام طيب بالمفكر الإسلامي الكبير مالك ابن نبي – عليه الرحمة – وذلك بمناسبة الذكرى العشرين لوفاته، ونتمنى أن يكون هذا الاهتمام بداية جدية للاستفادة من فكر الرجل في حل مشكلاتنا، فقد كان – رحمه الله – ممن يمقتون “تحنيط” الأفكار، ويتخذونها زخرفا.

وقد كانت جمعية الجاحظية، التي يرأسها الأستاذ وطار من بين المهتمين، فبرمجت محاضرة في مقرها، ألقاها الأستاذ فضيل بومالة. 

لقد انتابني شعوران عندما أعلنت الجاحظية عن برمجة محاضرة عن المفكر مالك ابن نبي، شعور المتفائل ببداية عودة فئة من مثقفينا إلى حقيقة الشعب الجزائري والاهتمام برموزه، بعد حين من الدهر اتبعت فيه هواها، وأتبعت مجموعة من الشبان، وشعور المتخوف من أن يكون هذا الاهتمام لتمييع فكر الرجل، وتحريف مبادئه، وإخراجه من “عالمه” الذي عاش فيه، وإدخاله إلى وسط مختلف عن وسطه، ذلك أن نظرة مالك بن نبي إلى الإسلام كلية، وأن ليس لأزمة المسلمين من دون الإسلام كاشفة، بينما نظرة الجاحظية إلى الإسلام “تراثية” “انتقائية”، وإذن فلكل وجهة هو موليها. وللأسف، فإن الشعور الثاني هو الذي تحقق، فقد قرأت في جريدة “المساء” ليوم الأربعاء (3-11-1993) كلاما منسوبا إلى الأستاذ وطار يصف فيه المفكر مالك ابن نبي بأنه “كان تقدميا” و”كان من أكثر مثقفي عهدة يسارية واشتراكية”، فقلت: اللهم إن هذا منكر من القول وزور. 

لقد علمنا المفكر مالك ابن نبي أن للصراع الفكري صورا شتى وأساليب متعددة، تهدف جميعها – ما ظهر منها وما بطن – إلى “تجميد” فكرة ما، وإحداث “منطقة فراغ” حولها لعزلها عن المجتمع فلا يحدث فيه تأثيرها، كما تهدف تلك الأساليب إلى “تشويه” صاحب الفكرة فيفقد مصداقيته. 

ومن الأساليب المستعملة في الصراع الفكري ما سماه الأستاذ مالك ابن نبي “طريقة الاستبدال”، و”طريقة الإكثار”. 

فأمام الطريقة الأولى – استبدال – فمعناها وضع فكرة “بديلا” عن فكرة أخرى، وأمام الطريقة الثانية فمعناها إضافة فكرة أو أفكار على فكرة للتنقيص من قيمة الفكرة المضاف إليها، أو إغراقها لتضليل الناس عنها. 

إننا نستطيع تطبيق هذين الأسلوبين، على كلام الأستاذ وطار عن المفكر مالك ابن نبي، فإلصاق “التقدمية” بالمفكر مالك ابن نبي ووصفه بها يمكن اعتباره “بديلا” عن الفكرة التي عاش مالك ابن نبي طول عمره مؤمنا بها عن علم، مجادلا عنها بقوة، مجاهدا في سبيلها بحماس، وما عرف الناس عنه التزاما بغير الإسلام. ومن نسب إليه فكرة أخرى فهو لا يعرفه أو يكيد له. 

كما يمكن اعتبار وصف ابن نبي بـ “اليسارية والاشتراكية” “إكثارا”، مما يؤدي إلى تعويم أفكاره “الأصيلة” في مستنقع من الأفكار الدخيلة فلا يهتدى إليها، ويُفقدها كثيرا من قيمتها. وهذا ما أكده المفكر ابن نبي في قوله: “إن القيمة الخاصة بفكرة تنقص عموما بمجرد أن نضيف إليها قيمة أخرى”. ويسمى مالك ابن نبي هذه الظاهرة “رياضة الأفكار” التي “لا تقبل القسمة ولا ضرب” كما يقول. 

هذا من حيث الأفكار، أما من حيث المصطلحات فالأستاذ وطار من أعرف الناس بدلالاتها، وما تتضمنه من إيحاءات، وما تحمله من شحنات لها أكبر التأثير على عقول الناس ونفسياتهم، فيتخذون مواقف مع هذه الفكرة أو مع نقيضها، ومع صاحبها أو ضده. 

ومن أجل ذلك يستغل خبراء الصراع الفكري ومخططوه قضية المصطلحات لتحريف الكلم عن مواضعه، خاصة إذا كان مصطلح ما من المشترك وضعا، المفترق معنى، وهنا لا يخرجنا من إشكالية المصطلح إلا معرفة الجهة التي استعملته، وأضرب مثلا لهذا الإشكال بما نسب إلى الإمام عبد الحميد ابن باديس – رضي الله عنه ورحمه – من أنه قال: “اللهم اجعلنا في الدنيا من أصحاب “اليسار”، واجعلنا في الآخرة من أصحاب اليمين”، فجاء الشيوعيون بعدما تبيّن أنهم كانوا “يحرثون في البحر”، وعرفوا حقيقة رصيدهم في ضمير الشعب الجزائري، وحاولوا “سرقة الإمام ابن باديس لما يمثله في ضمير الشعب الجزائري، ولما يتمتع من مصداقية لديه، مستغلين ما تثيره كلمة “اليسار” الواردة على لسانه من لبس لدى الناس الذين لا يعلمون أن كلمة اليسار في الإسلام طيبة، وأن من مشتقاتها اليسر، واليسرى، والميسرة..، ولكنها (كلمة اليسار) شوّهت عندما سطا عليها تيّار، كان الأولى أن يطلق على أتباعه مصطلح “أصحاب الشمال” – بكسر الشين-، لأنهم حوّلوا حياة الناس إلى سموم، وحميم، وظل من يحموم فقد عسروا ولم ييسروا، ونفروا ولم يبشروا.. 

ولذلك يجب منهجيا أن ينظر إلى المصطلح – أي مصطلح – بتمعن، وأن يحدد بدقة، وأن يتعامل معه بصرامة، وأن يوضع في إطاره الفكري الخاص. 

إننا لا نشك في أن ابن نبي قد دعا إلى التقدم الحقيقي، ونعلم أنه قضى حياته كلها في جهاد مضن شاق في سبيل التقدم، لأن التقدم الحقيقي هو “روح الإسلام”، الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن العبودية إلى الحرية، ومن الكسل إلى العمل، ومن الفوضى إلى النظام، ومن القذارة إلى الطهارة… ولكن هل تتبادر هذه المعاني السامية، والأفكار النبيلة إلى أذهان عامة الناس عندما يقال لهم إن ابن نبي “كان تقدميا؟”. 

إن الجواب سيكون بالنفي، لأن “التقدمية” اقترنت في أذهان الناس بكل ما هو سيء وقبيح، ولأنهم جرّبوا أن كل “تقدمي” هو “مجمع” للآفات الفكرية، والأخلاق السيئة، من إلحاد وإباحية، وفجور، وخمور، واتباعية للخارج، ومعاداة لكل فكر أصيل، وحرب على كل خلق نبيل، وإشاعة للفواحش عبر كل وسائل الإعلام والتوجيه من إذاعة، وتلفزة، وجرائد، وجمعيات، ومسرح، وسينما، وشركات نشر الكتب… 

وأما من حيث الواقع فلو كان مالك ابن نبي “تقدميا” و”يساريا” لأقام له “التقدميون” – وقد كانت، ومازالت بأيديهم مقاليد كل شيء في الجزائر – في كل قرية ومدينة مهرجانات، ولأشادوا به، ولرفعوه مكانا عليا، ولاتخذوه أسوة، ولنشروا كتبه، ولأذاعوا أفكاره، وأحسب أن الأستاذ وطارا من أعرف الناس بما قاساه مالك ابن نبي من “التقدميين” وما عاناه من “اليساريين”. 

لقد خطت الأقدار في صحيفتي أن أكون أحد الشهود على العراقيل الكثيرة التي وضعها “التقدميون”، والحواجز العديدة التي أقامها “اليساريون” لمنع استيراد كتب مالك ابن نبي “التقديم اليساري”، وإن سمحوا بدخول كمية قليلة من كتبه فذرا للرماد في العيون، وتبريرا لتضخيم كمية الكتب المستوردة من “الفكر الأحمر التقدمي”. 

إنني أعرف، ويعلم غيري، أن طلبة سجلوا أطروحات عن فكر مالك ابن نبي، وبحثوا عن كتبه ذات الفكر “التقدمي” في الجزائر في عهدها “التقدمي” فلم يجدوا لها أثرا، فتخلى بعضهم عن بحوثهم، واحتال بعضهم لإدخالها إلى الجزائر خفية كما يهرب المجرمون المخدرات، ووصل الأمر بأحد المهتمين بفكر مالك ابن نبي إلى حد نسخ أحد كتبه، مخافة أن يصبح محل متابعة من “التقدميين” إن هو صوّر الكتاب، وتسرب خبر التصوير – إنني لا أرى معنى لوصف مالك ابن نبي بـ “التقدمية” و”اليسارية” و”الاشتراكية” إلا إبعادا لفكر مالك ابن نبي، وعزله عن هذا الشعب الذي يحاول أن يعود إلى “الرشاد” بعد مرحلة “التيه” التي قاده إليها وفيها” التقدميون وأرهقوه في أثنائها من أمره عسرا، حيث لم يؤمن من خوف، ولم يطعم من جوع، وهم – اليوم – يسلمونه إلى وحش آخر يسمى الرأسمالية، لتدق عظمه بعدما أذابت “التقدمية” شحمه، وأكلت “اليسارية” لحمه، وتركته يلهث وراء سراب كلما جاءه لم يجده ماء.

وأخيرا، نرجو الأستاذ وطارا، ومن على مذهبه، أن لا يذبحوا “المنهج” قربانا لـ “المذهب”، وأن يقدموا مالك ابن نبي كما أراد لنفسه، لا كما يريدونه هم، فابن نبي لم يبتغ غير الإسلام دينا، ومشروع مجتمع، ومنهاج حياة…

أما محاولة وصف مالك ابن نبي بـ “التقدمية” و”اليسارية” فهي.. كما يقول الإمام الإبراهيمي – كمحاولة مزج الماء بالزيت، “فهما لا يمتزجان إلا لحظة التحريك العنيف، ثم يعود كل منهما إلى سنّته من المباينة والمنافرة”، لأن الأفكار الأصلية تدافع عن نفسها ودائرتها كما يؤكد المفكر مالك ابن نبي. 

وإذن، فما كان مالك ابن نبي تقدميا ولا يساريا، “ولكن كان حنيفا مسلما”، وما كان من المفسدين. 

(*) هذه الكلمة سبق نشرها في “الشروق العربي” منذ ثلاث وعشرين سنة، وقد طلب بعض الإخوة الذين لم يطلعوا عليها، أو بعض من كانوا صغارا، وصاروا اليوم كبارا، أن يعاد نشرها، فلبّينا رغبتهم بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لوفاة الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله، وتقبله بقبول حسن.. 

مقالات ذات صلة