مبادرة لتفعيل قانون الوقاية من الفساد ومكافحته
القانون رقم 06-01 الصادر سنة 2006 والمتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته يُعَدّ من أهم ما في الترسانة الحقوقية الجزائرية من قوانين وفي ذات الوقت أقلها تطبيقا، بما يؤكد أن مشكلتنا الحالية والمستقبلية ليست في إصدار مزيد من القوانين إنما في تحيينها وتطبيقها.. ونحن اليوم نعيش أزمة مالية خانقة ليس أمامنا سوى أن نسعى إلى نفض الغبار عن هذه القوانين وتفعيلها إذا كنا بالفعل نريد الخروج من الأزمة بأقل الخسائر.
وجهة نظري في الموضوع تقوم على فكرة أننا لا يمكن أن نوكل مهمة إنقاذ الاقتصاد الوطني أو تصحيحه أو مرافقته إلى بر الأمان لمن لا يلتزم بتطبيق قوانين الجمهورية الصادرة لهذا الغرض وعلى رأسها قانون الوقاية من الفساد ومكافحته. إذا لم نتمكن من إيجاد الإطارات المسيِّرة من أعلى قمة الهرم إلى قاعدته التي تستطيع أن تتطابق حالتها مع هذا القانون وتطبِّقها على نفسها وعلى من يقعون تحت مسؤوليتها، فإن كل حديث عن الإصلاح وكل محاولة لطمأنة الناس وإعطائهم أملا جديدا في المستقبل، تُعَدّ فاشلة مسبقا ولا تزيد عن أن تكون ذرا للرماد في العيون.
في تقديري، علينا اليوم وقبل الغد إلزام كل مسؤول يدّعي الغيرة على الوطن والحرص على إنقاذه الالتزام بهذا القانون.
مَن مِنَّا يعرف ثروة كبار المسؤولين وممتلكاتهم وممتلكات أبنائهم بالتدقيق؟ هل هناك موقعٌ على شبكة الأنترنت يتضمن جداول بممتلكات المسؤولين كما هو في الدول الديمقراطية كما ينص على ذلك القانون في مادته السادسة: “…خلال الشهرين المواليين لانتخاب المعنيين أو تسلمهم مهامهم…”؟ هل لاحظنا معلقات بمداخل البلديات أو المجالس الشعبية الولائية تتضمن ممتلكات المنتخبين المحليين على المستوى البلدي أو الولائي كما تنص على ذلك نفس هذه المادة من هذا القانون؟
لا شيء من هذا نعرفه ونُمكن من التعليق عليه أو متابعته وفق أحكام ذات القانون، كل ما في الأمر هو بعض التصريحات التي يكتفي أصحابُها بمنع التعريف بها أو نشرها للجمهور الواسع تفاديا لكل حساسيات أو حسابات، وينتهي الأمر عند هذا الحد، وتتوالى الحكومات الواحدة تلو الأخرى تذكّرك بضرورة تطبيق هذا القانون ولا حياة لمن تنادي وكأنه قانونٌ وُضع ليُنشر في الجريدة الرسمية ولا يُعمَل به.
لذا، من واجبنا كخطوة أولى للمساهمة في إنقاذ ما تبقى من الثروة الوطنية، ومنع مزيد من التدهور أن نبادر إلى حملة واسعة لتفعيل هذا القانون وتطبيقه على نطاق واسع، وكشف كل مَن يسعى لعرقلة ذلك أو يعتبر أن فيه تكديرا للحياة العامة أو استفزازا للبعض. وأنا أدعو في هذا المجال إلى إطلاق مبادرة وطنية لأجل ذلك يتبنَّاها سياسيون ورجال أعمال مخلصون يبادرون قبل غيرهم إلى الامتثال للقانون وتجندهم للدفع بالآخرين إلى هذا الامتثال.
ولا نجد أفضل من مثل هذه المبادرة للفرز بين الذين يملكون الشجاعة السياسية ومن لا يملكونها، بين من تحوم حولهم الشبهات ومَن هم براء منها، بين من بإمكانهم أن يُعيدوا بعض الثقة للمواطنين وبين من لا يستطيعون ذلك.
ومن هنا يمكن أن تكون البداية؛ بداية حقيقية تحمل دلالتين أساسيتين على الأقل:
ـ دلالة الالتزام بالقانون.
ـ ودلالة الاستعداد لدخول مرحلة الشفافية في العمل السياسي وفي النشاط الاقتصادي.
وهما دلالتان أساسيتان لمعرفة ما إذا كان النظام ديمقراطيا من عدمه يتبنى الحكم الراشد أو يحكم الفساد معظم فصائله.
بكل تأكيد لن نصل إلى حال تشبه الديمقراطيات الغربية خاصة ذات الشفافية الكبيرة كما هو الحال في البلاد الأسكدنافية، ولكننا يمكننا أن نبدأ في قطع أول خطوة نحو ذلك.
لقد أصبحت معظم الديمقراطيات الغربية تنشر التصريح بممتلكات مسؤوليها على المباشر وعبر شبكة الانترنت وتتيح للمواطنين ولكل الهيئات الرسمية والخاصة الاطلاع والتعليق عليها على المباشر بما يجعل من الصعب الكذب في هذا المجال على الرأي العام. وإن بدت بعض الدول شاذة كإيطاليا في أوروبا على سبيل المثال فإن إعلامها يرصد باستمرار كل شاردة وواردة عن مسؤوليها ويُطيح بهم في بعض الأحيان.
بكل تأكيد إننا لا نتطلع أن نكون مثل الدانمرك أو السويد أو النرويج… ولا أن نُطبق القانون الذي أصدرناه بهذا الشأن بمثالية ولكننا ينبغي ان نتطلع إلى حد أدنى من تطبيق هذا القانون، وأن يبادر على الأقل من لا يسمح لغيره باتهامه بالفساد بأن يتميز في الصف الآخر، وأن لا يُبقي الغموض من حوله.
“لا نتطلع أن نكون مثل الدانمرك أو السويد أو النرويج… ولا أن نُطبق القانون الذي أصدرناه بهذا الشأن بمثالية ولكننا ينبغي أن نتطلع إلى حد أدنى من تطبيق هذا القانون، وأن يبادر على الأقل من لا يسمح لغيره باتهامه بالفساد بأن يتميز في الصف الآخر، وأن لا يُبقي الغموض من حوله.”
بكل تأكيد هناك إطاراتٌ سامية في الدولة، وحتى منتخبون نزهاء، لم يطلهم الفساد، ولكنهم مغمورون في نطاق أن كل شيء سيئ في هذا البلد، أو مساهمون بطريقة غير مباشرة في نشره من خلال صمتهم إن لم يتم إدراجهم ضمن فئة المتورطين.
هل من المقبول أن يبقى قانونٌ مثل هذا بما يحمل من أساليب وقاية وردع طيَّ النسيان والبلاد تريد استعادة كل دولار مفقود إلى ميزانيتها؟ هل من المقبول أن يبقى مسؤولون يرفضون الامتثال لهذا القانون في مناصبهم ويريدون من عامة الناس أن تدعمهم لمواجهة آثار الأزمة؟
يبدو أننا بالفعل في حاجة إلى بداية حقيقية في هذا المجال، تكون هي أساس الفرز: مَن يصلح للمرحلة القادمة ومَن لا يصلح؟ مَن يهمُّه بالفعل مستقبل الجزائر ومَن يعمل فقط لإلهاء الناس بوعود كاذبة ومزايا وهمية رافضا كل تحمُّلٍ حقيقي للمسؤولية وكل اعتراف بالأخطاء المرتكبة.
لقد صاغ المُشرِّع الجزائري بإحكام هذا القانون وضمّنه كل العقوبات والوسائل الرادعة واحتاط حتى للمعاملات الخارجية ولكيفية تهريب المال العام ونصّ بالحرف على العقاب الذي ينبغي أن يُسلَّط عل كل مخالف لأحكامه، (انظر المواد الخاصة بالعقاب) والقانون منشور عبر الأنترنت، https://droit.mjustice.dz/loi_prev_lut_corrupt_ar.pdf والمراسيم الرئاسية ومختلف المناشير الوزارية المتعلقة به والدعوة إلى تطبيقه منشورة كذلك لا ينقصها إلا التنفيذ.
مَن يقوم بذلك، مَن يدعو إلى ذلك؟ مَن يَشرع قبل غيره بالالتزام بذلك؟ قليل هم الفاعلون، وكثير هم الممتنعون رغم إلزامية القانون وحرصه على أن لا يتعدى زمن الإعلان عن الممتلكات الشهرين من تولي المنصب الجديد… ومعنى ذلك أننا لا يمكن أن نُحقّق الإقلاع الحقيقي ما دمنا لم ننطلق من تسوية هذا الملف بالذات.
إن الفزر الحقيق يبدأ في هذا المستوى، والصدق الحقيقي في العمل يبدأ أيضا من هنا، أما الإخلاص الحقيقي في خدمة الوطن والتضحية من أجله فلا يمكن أن يتحققا دون الاقتناع التام بضرورة الشروع في تطبيق القانون قبل الحديث عنه، وقبل دعوة الناس إلى الالتزام به.
إن للناس قدرة على التمييز بين الصالح والطالح والصادق والكاذب، فقط هم المسؤولون في كثير من المستويات العليا الذين لا يُصدِّقون أنفسهم ويريدون أن يصدِّقهم الناس، وتلك هي الطامة الكبرى، وذلك هو الفساد الأعظم.
لذلك فإن دعوتنا اليوم، إذا أردنا أن نشتغل لجزائر الغد، هي أن ارفعوا من شأن هذا القانون وامتثلوا له طواعية.. ألستم أنتم من صغتم هذا القانون؟ ما الذي يمنع من تفعيل تطبيقه وعلى الجميع، لنقرأ كلنا بشفافية تامة ما عند هذا أو ذاك ونعرف مقدار ما يستطيع أن يُنجزه هذا وذاك بمقدار ما استخدم من كذب ومَنع مثل هذا القانون أن يصبح سيِّدا في كافة المستويات؟