متعوّدة دايما !
لا غرابة لو وضعت أنا أو أنت، الشريط اللاصق على الفم، ليس لغلقه ومنعه من الحديث، ولكن لكي تتألم ولا تتكلـّم، وأنا وأنت نسمع ونرى ونشمّ ونلمس بكلّ الحواس الخمس، طبقة سياسية تتنابز بالألقاب وتسبّ بعضها البعض، في مرحلة كان لا بدّ عليها، أن تـُظهر “حنة يديها” ولا تتخم الرأي العام بالهدرة الفارغة التي تقلب المواجع وتنبش الجراح!
دعونا نركز هذه الأيام على هذه الطبقة السياسية التي لا تقترح البدائل والحلول، وتغرق في النزاع والصراع وتأليب “الجياع”، وهي بذلك، كمن يُحاول إطفاء النار بالبنزين أو المازوت، وإذا سمع صوتا يحذره من أن يحرق نفسه بهذه اللعبة البلهاء الحمقاء، فإنه يتحدى من باب الاستعراض والمغامرة والمقامرة، فيصبّ الوقود على قدميه!
هذه الطبقة السياسية، شفاها الله وعافاها، مثلما هي “متعوّدة دايما”، لا تـُبادر إلى تفكيك القنابل، ولا تـُسارع إلى إطلاق الاقتراحات، وإنـّما تسكت دهرا ثم تنطق كفرا، وإذا خاطبها الجاهلون قالت سلاما!
لم تتحرّك هذه “الكلاس” الموبوءة بكلّ أمراض الدنيا، إلى تطمين الزوالية في مشاكلهم الاجتماعية، لم تجتمع بنوابها وأميارها، لم تلتق وزراءها وسيناتوراتها، لم تجتمع ولم تنزل إلى الميدان لاكتشاف الحقيقة وإرجاع الحقّ إلى أصحابه، وهي تـُضرب على طول السنة عن “فعل الخير” لأن البُخل أهلكها!
نعم -حاشا اللـّي ما يستهلش- لكن تكاد الطبقة السياسية المطبّلة في الحكومة والراقصة في المعارضة، تتفق على “راس” الغلابى والمعدومين والمعذبين في الربوات المنسية، لا تتذكرها ولا تذكرها إلاّ إذا عادت الحملات والهملات الانتخابية، ففي قاموسها للضرورة أحكام!
الطبقة السياسية سواء كانت في الموالاة أم المغالاة، مهتمة بما يدخل جيبها ورصيدها وسيرتها الذاتية، وفي أحسن الأحوال، من يُفرغ في حسابات العائلة والحاشية وذوي القربى، وما عدا ذلك، فإنها لا تأبه للأحداث والحوادث، حتى وإن أعلمتها مصالح الرصد الجوي بتسونامي قادم!
مثلما فشلت الطبقة السياسية في حلحلة المشاكل المهنية والاجتماعية للكثير من القطاعات الوظيفية، وفشلت في جعل البرلمان هيئة لتمثيل الأغلبية بدل التمثيل عليها، وإخضاع المجالس “المخلية” لرقابة الشعب، وفشلت في إجبار الوزراء والولاة والأميار على خدمة المواطنين بدل تهييجهم وتيئيسهم، فإنها عجزت أيضا عن إطفاء نار الفتنة في غرداية!
اغتيال الثقة والصدق وفنّ الإقناع، وإعطاء الكلمة للكذب والنصب والعبث، هو الذي منع أصحاب الحلّ والربط من تكريس “التصالح والمصالح” بغرداية، ونفس المعضلة تقريبا وراء انفجار قنبلة الغضب بمنطقة الشاوية، والأسباب متطابقة أو متشابهة بشأن مفجرات الكثير من الاحتجاجات التي يبدو أنه يُراد لها أن تسلك طريق الكرة الثلجية!