متلازمة الأجداد العبيد.. كبار السن في غير أدوارهم
تلعب رعاية الأجداد لأحفادهم دورا محوريا، في بناء شخصية الطفل واستقراره النفسي والعاطفي. وفي ذات الوقت، هي تساعد في الحفاظ على صحة دماغ الأجداد وتقوية ذاكرتهم، إلى غيرها من الفوائد النفسية والجسدية، التي يجنونها جراء ذلك. لكن شريطة ألا تزيد هذه الرعاية عن حد المساعدة البسيطة، غير الإلزامية. فالدراسات العلمية كشفت أن تكليف وإلزام كبار السن بمهمة رعاية أحفادهم، ستعرضهم لضغوط نفسية وجسدية شديدة، ستؤدي إلى إصابتهم بمجموعة أعراض، تسمى متلازمة الأجداد العبيد.
إذا زاد الشيء عن حده…
كشفت دراسة أجريت في العاصمة الألمانية برلين، أن الأجداد والجدات الذين يساعدون، من حين إلى آخر، في رعاية أحفادهم أو يقدمون المساعدة للآخرين، يعيشون لفترة أطول مقارنة بغيرهم. فذلك يمنحهم هدفا في الحياة، ويشعرهم بجدوى وجودهم، وبأنهم مفيدون، ويبقيهم نشيطين جسديا وعقليا، ويحسن أداءهم الإدراكي، وصحتهم العقلية والجسدية.
وشدد الباحثون في الدراسة على اقتصار الرعاية على المساعدة من حين إلى آخر، وليس التفرغ الكلي لتربية الأحفاد والاعتناء بهم. إلى رعاة دائمين للأحفاد وآباء لهم، سيكون له أثر سلبي عليهم، لأنه سيصيبهم بما يسمى متلازمة الأجداد العبيد. وهو مصطلح يطلق على ظاهرة اجتماعية، تشير إلى استنزاف طاقة كبار السن عبر إلزامهم برعاية أحفادهم. وهي التي تعتبرها منظمة الصحة العالمية كنوع من الإساءة إلى دور الأجداد.
وتتميز متلازمة الأجداد العبيد بحالة من الإرهاق الجسدي والنفسي، تصيب كبار السن، نتيجة تكليفهم المفرط برعاية وتربية أحفادهم، ما يتسبب في تدهور جودة حياتهم، بدلا من الاستمتاع بتقاعدهم، جراء تحميلهم مسؤولية تربية الأحفاد بشكل شبه كامل، وكأنه واجب مفروض عليهم. فيتحولون إلى آباء بدلاء، مما يفقدهم حريتهم وراحتهم البدنية والنفسية، بتحولهم إلى مربين دائمين، بدل مساندين مؤقتين. فتكليفهم بمعظم مهام رعاية الأحفاد من تنظيف، وطبخ، ومتابعة ومراجعة دراسية، وغيرها من المهام التي يجب أن يقوم بها في الأصل الآباء أعراض متلازمة الأجداد العبيد، كالإرهاق الجسدي، التوتر والاكتئاب، وأحيانا الشعور بفقدان الحرية، مشاكل صحية، بسبب الضغط المستمر، وشعور خفيف بالاستغلال، رغم حبهم لأحفادهم.
استعباد في مهام رعاية الأحفاد
وللأسف، تنتشر هذه المتلازمة بكثرة في مجتمعاتنا العربية، لكن، دون الانتباه إليها وإلى تأثيراتها السلبية على كبار السن، وبالأخص، عند الجدات اللواتي يتم استغلالهن، بل وحتى استعبادهن في مهام تربية ورعاية الأحفاد. وكأنه واجب مفروض عليهن، دون الاهتمام لمغبات ذلك على صحتهن النفسية والجسدية. فمازلت أذكر، في هذا الإطار، حال سيدة عجوز التقيتها ذات يوم، وهي تنتظر دورها وحيدة في أحد المستشفيات. كانت تضع ضمادة على أصبع قدمها الكبرى. وبدا جليا أن الحالة تتعلق بالقدم السكرية. حاولت جرها لتتحدث عن معاناتها. فاسترسلت وكأنها كانت تنتظر أذنا صاغية لآلامها. فشرحت كيف أن زوجة ابنها الوحيد تستغلها في رعاية أطفالها، وتعتبرها كأم بديلة أو مربية، دون راتب. وروت كيف أن تلك الكنة تذهب غالبا في عطل وخرجات استجمامية وسياحية، رفقة زوجها. وتترك أطفالها برفقتها لأيام طويلة. وبمجرد أن تعود، كما قالت الجدة: “أدخل مباشرة في غيبوبة سكر، من ثقل حجم الضغط والإجهاد وشقاوة الأحفاد، دون أن يأبه لي أحد”. والمؤلم في الموضوع، كما ذكرت الجدة، أن زوجة ابنها تبخل عليها حتى بمبلغ 10 دج، كثمن تذكرة نقل، حين تحتاج لزيارة الطبيب.
رفقا بالأجداد
يؤكد الخبراء أن الشيخوخة يجب أن تكون فترة تحرر من الأعباء والمهام الثقيلة، بما في ذلك مسؤوليات تربية الأحفاد. وأن تقتصر علاقة الأجداد بأحفادهم على الاستمتاع برفقتهم والرعاية البسيطة، من حين إلى آخر، حتى يستفيد الطرفان من منافع هذه العلاقة الخاصة. لكن، دون إلزامهم بذلك، أو إثقالهم بحجم مسؤوليات لا تتناسب مع قدراتهم الجسدية والنفسية