متى نتقن فن تبنّي هموم الناس؟
ثمة أكثر من تساؤل، اليوم، عن مدى وفاء الأحزاب والحركات السياسية، والجمعيات والمؤسسات العاملة ضمن ما يُعرف بـ”المجتمع المدني”، في وطننا الجزائر خاصة، وفي غيره من أوطان العرب والمسلمين عامة.. مدى وفائها بالالتزام الرئيس والمركزي وهو “تبَنّي” هموم الناس ومشكلاتهم، والعمل على التخفيف من آلامهم وعذاباتهم ومعاناتهم، بالقدر الممكن.
ويعنينا هنا أكثر أمر الحركات الإسلامية، سواء منها ما كان حركة حزبية، أو حركة جمعوية.
وليس المجال هنا مجال محاسبة أو مساءلة، بقدر ما هو مجال تذكير بما يجب أن يكون دائم الحضور في أذهان المشتغلين في الشأن العام.. ألا وهو: تبني هموم الناس بصدق وعمق، والعمل على خدمتهم والوفاء بذلك، أيا كانت الظروف والأسباب، وأيا كانت الإكراهات والمعوقات.
ليس من المبالغ فيه القول: إن مبرر وجود تلك الحركات والأحزاب والجمعيات هو في الأصل خدمة المجتمع، في مختلف ميادينه وحقوله وبما يفيد مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية وينهض بها، ويجعلها أكثر قدرة على العيش الكريم.
وإن في نصوصنا الدينية الكثير الكثير مما يحث على ذلك، ويرغّب فيه، بما يقي المجتمع من العلل والأدواء التي تخرّب نسيجه، وتمزّق أوصاله، وتجعله يهتلك ويمضي إلى التآكل والانهيار. ونذكر من ذلك هنا بعضا منها، على سبيل الاستئناس؛ لأنها كثيرة وفيرة.
ـ عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمُه، ولا يُسْلِمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كُرْبَة، فرَّج الله عنه بها كُربة من كُرَب يوم القيامة، ومن سَتَر مُسلمًا، سَتَره الله يوم القيامة).
ـ وعن جابر وأبي طلحة رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما مِن مسلمٍ يَخذُلُ مسلمًا في موضع تُنْتَهَكُ فيه حُرْمَتُه، ويُنْتَقَص فيه من عِرْضِه، إلا خَذَله الله في مَوطن يُحِبُّ فيه نُصْرَتَه، وما مِن مُسلمٍ يَنْصُرُ مُسلمًا في مَوضِع يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِه، ويُنْتَهَك فيه من حُرْمَتِه، إلا نَصَره الله في موطن يحب فيه نصرته).
ـ وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصالٍ من الخير: أوصاني أن لا أنظرَ إلى مَن هو فوقي، وأن أنظرَ إلى مَن هو دوني.. وأوصاني بِحُبِّ المساكين، والدُّنُوّ منهم.. وأوصاني أن أَصِلَ رَحِمي، وإن أَدْبَرَتْ.. وأوصاني أن لا أخاف في الله لَوْمَةَ لائم.. وأوصاني أن أقولَ الحقَّ، وإن كان مُرًّا.. وأوصاني أن أُكْثِرَ من: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه كَنْز من كنوز الجنة).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمســكين، كالمجاهد في سبيل الله)، وأحسِبُه قال: (وكالقائمِ لا يَفْتُر، وكالصائم لا يُفْطِر).
وعن البَراء بن عَازِب رضي الله عنه، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَبْعٍ، ونَهَانا عن سَبْعٍ، فذكر عيادةَ المريض، واتِّبَاعَ الجنائز، وتَشْمِيت العاطس، وردَّ السلام، ونصرة المظلوم، وإجابة الدَّاعي، وإبرار القَسَم).
إن الأحاديث والنصوص في هذا الشأن خاصة، أكثر من أن تُحصى، وهي بمثابة قواعد ذهبية في مجال الخدمة العامة، تيسر سبيل المجتمع إلى التكافل والتعاضد والتماسك، كما تيسر سبيل الآخذين بها إلى الرضوان.
ولكن ما هو نصيب الأعمال الخيرية في واقعنا المعيش؟ وما هو مقدار ما حققته الحركات والجمعيات، وهي عندنا في الجزائر بالآلاف، ومنها بالأخص الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني والديني؟
وإن كان الأمر لا يقتصر على الجمعيات والحركات، وإنما يمتد إلى الأفراد القادرين من دون استثناء، رجالا ونساء؟ شيبا وشبابا، الميسورين ومن دونهم.
أعتقد أن ثمة أكثر من خلل وظيفي في نسيجنا الاجتماعي؛ بالنظر إلى ما تعانيه فئات المجتمع وشرائحه المختلفة في مختلف المجالات: المرض، الفقر والعوز، سوء المسكن، تدني المستوى المعيشي…
ولستُ أتصور أن مشكلتنا تكمن في نقص الكفاءات، والأطر والكوادر، أو تكمن في قلة الموارد والخيرات، أو تكمن في ضعف الوازع الإنساني الاجتماعي والديني، بدليل أن في شعبنا هبّات يقل مثيلها في الأوقات الحرجة كالعواصف، والكوارث، والمناسبات الأليمة الخاصة كالفيضانات والزلازل.
حيث يعطي أروع الأمثلة على التضحية والإقدام ويعبر عن إيجابيته وحسن استجابته؟ فما الذي يمنعه ـإذن ـ من أن يكون كذلك دائما وباستمرار؟
ما الذي يمنع في مدينة ما مثلا أن يتداعى الأطباء والطبيبات والممرضون والممرضات مرة في الأسبوع للفحص المجاني لحي من الأحياء أو بلدية من البلديات؟ وما الذي يمنع الموسرين من شراء الأدوية وتوزيعها على المرضى المعوزين، بالتنسيق مع من يهمه الأمر؟ وما الذي يمنع الأساتذة والمربين من الاهتمام بالشباب في صور مختلفة، ومنها دروس الدعم المجانية؛ حيث صارت الدروس الخصوصية تأكل الأخضر واليابس من جيوب الفقراء والمساكين؟ تلك هي الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات حاسمة.
لست ُ أدري ما الذي دهانا حتى صرنا بمثل هذا “اليباس” في المجال الإنساني؟ ولا أعلم كيف نستطيع استعادة “الوهج” في مجال البذل والعطاء وتقديم الخير ومساعدة المحتاجين والفقراء والمساكين. وهو جوهر من جواهر وجودنا ومبرر من مبررات آدميتنا وإنسانيتنا. ولكني أذكر أن عدد المتطوعين في الغرب بالملايين، وهم الذين قاموا ويقومون بأدوار كبيرة وعظيمة لخدمة مجتمعاتهم، في كل الميادين؛ حتى صار قطاع “التطوع” والعمل الخيري الإنساني يُسمى القطاع الثالث، بعد القطاع الحكومي والقطاع الخاص .وقد نعود إلى الموضوع لأهميته..