الرأي

متى ندخل ” أمصارنا ” آمنين؟

الشروق أونلاين
  • 6377
  • 2

تبلغ ميزانية التسلح العربي سنويا ما لا يقل عن خمسين مليار دولار ينفقها العرب في شراء الطائرات العسكرية والدبابات المصفحة، وهي ميزانية سنوية تفوق ميزانية العلوم والتكنولوجيا التي تنفقها كل الدول العربية مجتمعة خلال العمر كله، ويتساءل عامة المواطنين عن الأموال “القارونية” التي تنفق لتسليح جيش لا يحارب وتجديد أسلحة كلنا نعلم أنها ستصبح قديمة بعد سنوات قليلة دون استعمالها، حتى لا نقول أنه لا يوجد أصلا من يتقن استعمالها، اللهم إلا في الشأن الداخلي لأجل قمع احتجاج شباب يطالب بالعمل أو الماء أو الكهرباء، أو لأجل حماية زعيم يزور بلده أو أي بلد عربي، وللأسف أيضا من أجل حماية سائح أو لاعب كرة ما صار يؤمن بإمكانية دخول أمصارنا آمنا سالما .

المدرعات المصفحة وطائرات الهيليكوبتر والرادارات والتحركات التمويهية والاستخباراتية وحالة الاستنفار والطوارئ التي صاحبت تواجد فريق شبيبة القبائل في القاهرة توحي أن البلدين في حالة حرب حقيقية، لا يمكن بعدها أن نتحدث عن أي استقبال أخوي أو ترحاب حاتمي، فأهل مصر يعلمون أن الطوق الأمني وحالة الاستنفار التي أعلنت منذ دخول فريق الكرة الجزائري أكبر وأهم من الطوق الأمني المصاحب لتواجد السفارة الإسرائيلية في القاهرة منذ أزيد عن اثنين وثلاثين عاما، وهو الاستنفار والتوتر الذي استغلته إسرائيل وتسلّت به صحافتها، وأكثر من ذلك  حاولت  أن  تلعب  فيه  دور  الوسيط  والناصح  عندما  طالبت  بعد  مباراة  الكرة  الشهيرة  في  أم  درمان  من  البلدين  ضبط  النفس والتعقل،  وذكّرتهما  بعلاقتهما  التاريخية  ومصيرهما  المشترك !

كلنا نعلم أن الذين بعثوا لعبة كرة القدم إنما بعثوها لأن يلعب الناس، وكلنا نعلم أن الذين بعثوا هذه المنافسات الكروية من كأس العالم وكأس رابطة أبطال إفريقيا إنما بعثوها ليتآخى الناس ويتعارفوا شعوبا وقبائل، لأجل ذلك نشاهد منافسات الكرة في أوربا وآسيا أشبه بمهرجانات حب وسياحة وثقافة تحضرها العائلات ويجالس فيها الألماني صديقه الإنجليزي رغم اختلاف الدين واللغة ورغم ما يوجد في تاريخهما المشترك من دم ودموع، ومباراة الكرة عندهم هي التي تجمع ما فرقته السياسة والتاريخ وتفتح أبواب السياحة المشتركة، بينما نحوّل نحن مباراة كرة إلى أزمة وهمّ ونكد ونعطي للعالم الذي لم يشاهدنا في مجالات الاقتصاد والعلوم والمال والأعمال ومختلف الفنون، فرصة ليتفرج علينا ويتمتع بصراعنا الكروي الذي حولناه إلى ما يشبه الحرب.. بل إنه فتنة أشد من القتل ومن الحرب..

كل الذين نسوا هموم المواطنين وكفاحهم لأجل لقمة العيش، وطالت أقلامهم وألسنتهم التاريخ والجغرافيا والشهداء، ماذا يقولون الآن وهم يشاهدون الجيوش ترابط حول فندق “ميريديان” بهليوبوليس بالقاهرة لحماية شباب يصلي ويصوم ويتكلم بلسان عربي، ولا ترابط حول تخوم سفارة إسرائيلية  دخلت  آمنة  ومازالت  آمنة  في  ضاحية  المعادي  بقلب  القاهرة  منذ  إثنين  وثلاثين  عاما .

 

 

 

مقالات ذات صلة