متى نستمتع بالكرة؟
ما علاقة مباراة كرة القدم التي أقيمت بين ناديي برشلونة الإسباني وجوفنتوس الإيطالي في ملعب برلين الأوليمبي مساء السبت الماضى في نهائي الدوري الأوروبي، بمباريات كرة القدم الرسمية التي تقام على مدار العام فى كل دول افريقيا بلا استثناء؟لا علاقة بين الجانبين إلا في الخطوط العريضة للعبة.فريقان وحكم وملعب وكرة ونفس قانون اللعبة؟باستثناء تلك العناصر المشتركة، فلا وجود لأوجه الشبه الأخرى بين قمة برلين وبين المباريات التى تشهدها ملاعب مصر والجزائر وتونس والمغرب والسودان وغانا ونيجيريا وساحل العاج.. وغيرها من الدول الإفريقية الأقل نجاحا في عالم كرة القدم.
ثمانون ألفا من المتفرجين فى مدرجات الملعب.. وهو عدد متكرر أسبوعيا لمباريات أندية القمة في أوروبا، بينما لا يتواجد هذا العدد فى مباراة في إفريقيا إلا لمرة أو مرتين فقط خلال العام.. وغالبا في مباريات المنتخبات الفاصلة وليس الأندية.
جماهير برشلونة وجوفنتوس صنعت عددا من اللوحات الفنية الرائعة في المدرجات قبل انطلاق المباراة.. ومارست النموذج تلو النموذج في التشجيع الحماسي المنظم مع احترام كامل للمنافس، وخرج جمهور الخاسر من الملعب بهدوء بعد أن شكر لاعبيه على ما بذلوه من جهد لم يحالفه التوفيق.. ولم ترتكب جماهير الفريقين أي حادثة مزعجة قبل أو بعد اللقاء في شوارع برلين.
اما عن المباراة نفسها فحدث ولا حرج.
كرة قدم مختلفة فى كل شيء عن الكرة في بلادنا.
المهارات مختلفة.. التحركات مختلفة.. التمريرات مختلفة.. أما عن العمل الجماعي فهو الأمر الأكثر اختلافا عن كرتنا.
وهل من الممكن أن نرى في ملاعبنا هدفا مماثلا لهدف الكرواتي راكيتش لبرشلونة.. هدف شارك فيه عشرة لاعبين دون أن يلمس المنافسون الكرة.. وانتهى بتمريرة حريرية لأنييستا من النوع الذي لا يمكن لمن يتابعه أن يخطئ المرمى.
ومن المهارات إلى الجهد الفائق المبذول من كل اللاعبين لكل الوقت بلا كلل أو ملل أو إحساس بالتعب او اختلاس للراحة.. وهو أمر يكشف فارقا رئيسيا بين لاعبين يدركون ان كرة القدم التي تمثل مصدرا وحيدا لدخلهم وحياتهم، ويعلمون ان الواجب يحتم عليهم تقديم كل ما لديهم من جهد وموهبة وطاقة للإخلاص فى عملهم.. وبين لاعبين في بلادنا يدركون تماما ان كرة القدم تمنحهم المال سواء أجادوا او تخاذلوا، لأن رؤساء أنديتهم أو مدربيهم او رجال الإعلام المتعصبين لفرقهم سيدافعون عنهم بالباطل اذا تعرضوا للوم او عقوبات.
ومن مهارات لا نمتلكها إلى جهد وعطاء دائمين، وإلى انصهار كل اللاعبين فى عمل جماعي نموذجي يجعلهم على قلب رجل واحد لكل الوقت.. بينما يغيب هذا الأمر الأخير عن العرب تماما ليس فى كرة القدم فحسب، ولكن فى كل مناحي الحياة بداية بالسياسة والاقتصاد ونهاية بالرياضة.. ويزيد من غيابنا عن مناهج العمل الجماعي اننا اعتدنا التصفيق للأعمال المنفردة والمهارات الفردية وإعلاء شأن أصحابها بدلا من نقدهم ولومهم على نرجسيتهم المرفوضة.
حتى التحكيم من الرجل التركي شوكير كان مليئا بالدروس لأبنائنا من الحكام فى الشجاعة واللياقة والعدالة والحزم دون النظر لأسماء ونجوم وضغوط.
كل ما سبق يمثل جوانب مهمة من الفوارق بين ارتفاع مستوى مباريات الكرة الأوروبية وتدنيها افريقيا وعربيا.. لكن الفارق الأوسع كان فى البث التليفزيوني للمباراة.
تكنولوجيا من كواكب اخرى لم نبلغها ويبدو اننا لن نبلغها الا بعد سنوات طويلة.. بعد ان تبادلت عشرات الكاميرات الموزعة بإتقان واحترافية بين اركان الملعب الكشف عن كل همسة ولمسة ولفتة ونظرة من اي لاعب فى اي وقت.. وقبل ان يتساءل المتفرج الجالس على الأريكة والممسك بكوب الشاي امام الشاشة مع نفسه حول مشاعر ميسى عندما سجل زميله نيمار الهدف الثالث فى ختام المباراة (وبقي ميسي بلا أهداف فى اللقاء) تنطلق الكاميرات إلى وجه ميسي الغارق فى سعادة صادقة.. ونتأكد ان مشاعر الحب والتفاهم بين نجوم البارسا تمثل جانبا رئيسيا فى انتصاراتهم وبطولاتهم المتتالية.
مشاهدة مباراة كرة القدم من الملعب متعة ضخمة.. لكن البث التليفزيوني الراقي نجح فى تحويل المتعة الكاملة إلى المنازل ايضا.. وكلاهما لا يتحققان فى ملاعبنا سواء متعة الذهاب إلى الملاعب او المشاهدة عبر الشاشات.
ضاعت فرصتنا فى الوصول لذلك الحلم.. ونرى انه لن يصل إلى أولادنا.. ونتمنى أن يتمتع أحفادنا بكرة القدم بعد عشرات السنين حتى ولو على نفس النحو الذي يناله الأوروبيون اليوم.