مجلس بحزبي السلطة فقط منذ ميلاد أول برلمان تعددي
لأول مرة منذ 15 سنة، لم يشهد المجلس الشعبي الوطني، عزلة كالتي يعيشها المجلس الحالي، فبالرغم من أن 26 حزبا حصل على مقاعد في تشريعيات العاشر ماي المنصرم، إلا أن التمثيل في هياكل المجلس، اقتصر على حزبي السلطة فقط، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، إذا ما استثنينا غير المتحزّبين (الأحرار).
ورفضت جميع الأحزاب التي يخولها النظام الداخلي للمجلس، أحقية التمثيل في الهياكل (11 مقعدا على الأقل)، وهي تكتل الجزائر الخضراء (49 مقعدا )، وجبهة القوى الاشتراكية (27 مقعدا)، وحزب العمال (24 مقعدا)، تولّي أي مسؤولية في هياكل المجلس، التي ينتظر أن تنصب رسميا غدا الأحد، احتجاجا على النتائج التي أعلنتها الداخلية وعدّلها المجلس الدستوري، دون أن يغيّر في واقع الأمر شيئا.
وسبّب قرار أحزاب المعارضة بمقاطعة الهياكل، ارتباكا وصعوبة في توزيع المناصب بين المجموعات البرلمانية الثلاث، حيث تحصّل الأفلان على خمسة مناصب من مجموع تسعة في مكتب المجلس، ورئاسة ثماني لجان دائمة.. مقابل ثلاثة مناصب نواب رئيس للتجمع الوطني الديمقراطي، ورئاسة ثلاث لجان دائمة، أما المجموعة البرلمانية للأحرار، فحصلت على منصب نائب رئيس ورئاسة لجنة دائمة.
وترفض أحزاب المعارضة، التسليم بشرعية النتائج التي أفرزت تشكيلة المجلس الحالي، وتشكك في المقاعد التي حصل عليها كل من حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، والتي تمثل الأغلبية المطلقة، ما يعني أن بإمكان حزبي السلطة، تمرير أي مشروع قانوني يُراد له أن يمرّر.
من الناحية الإجرائية، يمكن القول إن حضور المعارضة أو غيابها عن هياكل المجلس الحالي، يعتبر شكليا بموجب ما حصلت عليه من مقاعد، غير أن هذا المعطى لا يعني أن الأحزاب الخاسرة لا تملك أوراق ضغط على السلطة، ورفض تولّي المسؤولية في هذا المجلس، واحدة من الأوراق الرابحة التي رفعتها المعارضة لإحراج السلطة أمام الرأي العام المحلي والدولي.
ومن شأن قرار الأحزاب بمقاطعة الهياكل أن يضع السلطة في عزلة، ويمسّ بمصداقية القوانين والتشريعات التي ينتظر أن تصدر عن المجلس الجديد المطعون في شرعيته أصلا، وبالمقابل يعطي الموقف الذي تبنّته المعارضة، موقعا استراتيجيا يقوّي انتقاداتها ويؤسس لأي اتهام قد يرفع في وجه السلطة في حال تعرض استقرار البلاد لأي مخاطر بسبب حالة الاحتقان التي تطبع المشهد السياسي منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
أول المشاريع المستهدفة من قرار المقاطعة، يبقى مشروع التعديل الدستوري المرتقب طرحه في النصف الثاني من العام الجاري أو النصف الأول من العام المقبل. فالذين رفضوا تحمّل المسؤولية في هياكل المجلس، لا يُتصور أن ينخرطوا في المصادقة على مشروع قانون تعدّه وترعاه الأغلبية المسيطرة على البرلمان.
معلوم أن صاحب المقترح ممثلا في رئيس الجمهورية، كان قد أكد في خطابه بتاريخ 15 أفريل 2011، الذي طرح فيه الإصلاحات، قرر عرض التعديل الدستوري المرتقب، على استفتاء شعبي، وهذا من شأنه أن يتدارك أزمة شرعية البرلمان.
لكن، السؤال الذي يبقى بحاجة إلى إجابة هنا هو: لماذا قرر الرئيس طرح قوانين السلم والمصالحة الوطنية في 29 سبتمبر 2005، للاستفتاء الشعبي أولا، ثم البرلمان ثانيا؟ ولماذا يعكس الأمر هذه المرة مع التعديل الدستوري، البرلمان أولا، ثم الاستفتاء الشعبي ثانيا؟ هل إن الرئيس يستمع حقا لما يثار حول شرعية الغرفة السفلى؟