محافظو بيع يتورطون في مزايدات وهمية للاستحواذ على ”خردة” بمبالغ 5 آلاف مليار سنويا
طالب مختصون من قطاع محافظي البيع، الحكومة بمراجعة شروط مزاولة المهنة بشكل جذري كونها مهنة على علاقة مباشرة بالقطاع الاقتصادي، الذي عرف تغيرات جذرية منذ 1996من خلال عمليات الخوصصة والانفتاح الاقتصادي الواسع الذي رافقته عمليات خوصصة وتصفية لآلاف الشركات المحلية والوطنية العمومية، إلى جانب تصفية قطاعات عالية الحساسية ومنها البنوك الخاصة التي ظهرت إلى الوجود بموجب قانون النقد والقرض لسنة 1990 .
-
وتتم عملية البيع بالمزايدة بشكل مفتوح لجميع المشاركين من الجمهور الواسع، باستثناءات طفيفة متعلقة بالمواد المقننة مثل النفايات الحديدية وغير الحديدية، التي تتطلب دفتر شروط خاص، يحدد بناء على المراسيم التنفيذية التي تضبط العملية والتي تستوجب التحديد الدقيق للمشتري والوجهة التي تأخذها السلعة بعد رسو المزاد مع اشتراط وجود سجلات تجارية سليمة ورخص قانونية بمزاولة النشاط موضوع المزايدة، وتشرف على بعض المواد الخاصة مصالح عمومية محددة على غرار المديرية العامة للجمارك ومديرات أملاك الدولة.
-
وكشف مصدر من القطاع في تصريحات لـ”الشروق”، أن التشريعات الحالية التي تحكم المهنة ومنها المرسوم التنفيذي رقم 97 ـ 33 المؤرخ في 11 جانفي 1997 والأمر المنظم للمهنة رقم 96 ـ 02 المؤرخ في 10 جانفي 1996 والمرسوم التنفيذي 96 ـ 291، لا تشترط على المشاركين في عمليات المزايدة المختلفة الكشف عن مصدر الأموال التي تتداول خلال جلسات بيع مختلف المنقولات والمواد التي يتم بيعها في جلسات عامة للجمهور.
-
مضيفا أن تقديم الضمان المالي للمشاركة في عملية البيع أو حتى لإتمام عملية البيع النهائي، يتم عادة نقدا خارج كل عمليات الرقابة من أية سلطة كانت، مما يسمح بتبييض مبالغ مالية هامة من خلال بيع المنقولات المختلفة من طرف محافظي البيع على المستوى الوطني، مشيرا إلى تداول مبالغ هائلة سنويا خلال جلسات البيع العمومية لمختلف المنقولات من قبل الإدارات والمؤسسات والهيئات العمومية والخاصة، ومنها المحجوزات التي تتم على مستوى مختلف الوحدات التابعة للمديرية العامة للجمارك أو المؤسسات العمومية الكبرى، وعلى رأسها مجموعة “سوناطراك”، ومختلف الشركات التابعة لها وشركة ”سونلغاز” القابضة وشركاتها الفرعية الـ37 وخاصة التي تتعامل في مجال تركيب الخطوط والكابلات، وشركات البناء والأشغال العمومية بالنسبة للنفايات.
-
.. وكذا بالنسبة للقطاعات التي تحاول تجديد حظائرها من العتاد والسيارات والشاحنات والتجهيزات المكتبية، أو حتى بالنسبة لبيع المنقولات المحجوزة من قبل البنوك والمؤسسات المالية المختلفة في حال تقديمها كضمانات من قبل المقترضين، أو حالات التصفية عندما يتعلق الأمر بشركات ومؤسسات تم حلها على غرار البنوك وشركات الطيران الخاصة الجزائرية والأجنبية العاملة بالجزائر التي تم تصفيتها بقرار من الحكومة شهر مارس 2005 .
-
-
حرب داحس والغبراء للفوز بعمليات التصفية
-
التصفية بالنسبة للمؤسسات العمومية الاقتصادية أو البنوك الخاصة، يتم إجراؤها بتكليف من مصفي الشركات موضوع التصفية لبيع منقولات قيد التصفية، وعادة ما يتم الاختيار على أساس المصالح الضيقة والعلاقات الشخصية والمنفعة المتبادلة بيم الأطراف موضع العملية، حيث يتم اللجوء إلى حيل رهيبة لتحقيق منافع مادية باللجوء الى التزوير واستعمال المزور.
-
وخاصة عندما تكون الشركات المعنية بعيدة عن دائرة الاختصاص التي تغطي مكتب المحافظ سواء داخل إقليم الولاية أو على المستوى الوطني، وعادة ما يكون الحصول على الملفات بمقابل، كما يقوم المحافظ بنقل العتاد على حسابه حتى يصبح تحت دائرة اختصاصه ويقوم بكراء حظيرة لتخزينه، وتكون العملية مسيلة للعاب عندما يكون العتاد قيد البيع مهما أو يتضمن تجهيزات حديثة أو مواد ثمينة، وهو ما يشعل عادة حرب داحس والغبراء بين المحافظين المختلفين والبالغ عددهم حوالي 300 محافظ بيع على مستوى الغرف الجهوية الثلاث بشرق وغرب ووسط البلاد، ويمكن أن يصل رقم أعمال بعض المكاتب إلى 60 مليار سنتيم سنويا، مما حول بعض محافظي البيع الى أباطرة مال حقيقيين.
-
وكشف مصدر من قلب القطاع لـ”الشروق” بعض الحيل والتقنيات المستعملة للفوز بصفقات البيع بالمزايدة، ومنها قيام بعض المكاتب الخاصة بمحافظي البيع بالتكفل بنقل المواد موضوع المزايدة من دائرة اختصاص إلى دائرة اختصاص أخرى، فمثلا يوجد مكتب محافظ البيع الذي يتم الاتفاق معه للإشراف على العملية(بطريقة غير قانونية) بولاية غربية على سبيل المثال، فيما يوجد المقر الاجتماعي للشركة موضوع التصفية أو بيع منقولات في دائرة اختصاص محكمة بمنطقة أخرى، وفي هذه الحالة يتم نقل العتاد إلى غاية الولاية المعنية لوضعه ضمن دائرة اختصاص محافظ البيع المعني بالعملية، ومن ثم تتم العملية بشكل صحيح ومطابق للتشريع المعمول به ظاهريا، في حين أن القانون المنظم للمهنة والذي لم يتغير منذ 1996، يعتبرها تجاوزا يعاقب عليه بعقوبات صارمة.
-
ومن الحيل الأكثر شيوعا خلال عمليات البيع بالمزايدة، تحديد السعر الافتتاحي بقيمة عالية من أجل توجيه العملية نحو مشترين محتملين، وعند الوصول إلى عملية التسجيل النهائي للعملية يتم تسجيلها بمبلغ لا يتجاوز في بعض الحالات ربع المبلغ المعلن للحصة موضوع البيع، وبالتالي تتكبد الخزينة العمومية خسائر كبيرة بخصوص حقوق التسجيل، فيما يستحوذ على الفارق المشرف على عملية البيع والمشتري، وهي الحيلة الأكثر استعمالا عند بيع النفايات الحديدة أمام الجمهور، حيث يتم اللجوء إلى هذه الحيلة من قبل مافيا النفايات، فضلا عن التلاعب بخصوص حجم الكميات الفعلية موضوع البيع.
-
كما يتم في بعض الحالات اللجوء إلى إنشاء مؤسسات ذات مسؤولية محدودة لبيع الحصص بسعرها الحقيقي وبالتالي يتم تكبيد الخزينة العمومية الملايير التي تذهب في هذه الحالة الى جيوب بعض البارونات المتحالفين مع مسؤول العتاد ومسؤول الحظيرة والممثلين القانونيين للمؤسسات.
-
-
المهنة الوحيدة التي لم تتغير منذ 1996
-
خلافا للعديد من القطاعات ذات الصلة ومنها التوثيق والمحاماة والمحضرون القضائيون، التي تعرضت إلى عدة تعديلات في شروط المزاولة والتشريعات التي تحكمها، لم تتعرض مهنة محافظي البيع إلى أي تغيير منذ 1996 ولم يتم اقتراح أي تعديل من قبل رؤساء الغرف الجهوية والغرفة الوطنية منذ ذلك التاريخ على الرغم من التحولات العميقة التي عرفتها البلاد منذ ذلك التاريخ، وخاصة على الصعيد الاقتصادي، حيث تم تعديل قانون الاستثمار عدة مرات. كما تم خوصصة وتصفية الآلاف من المؤسسات العمومية المحلية والولائية والعشرات من المؤسسات الوطنية الكبرى في الفترة بين 1997 و2010، كما لا يوجد أي قانون أساسي يضبط المهنة، على الرغم من وجود رهانات ومصالح مالية كبرى من وراء حل وتصفية الآلاف من الشركات والمؤسسات الاقتصادية عمومية وخاصة ضخمة جدا في قطاع البناء والأشغال العمومية والري والنقل والفلاحة والتجارة والصناعة والبنوك، ومنها بنك الخليفة وبنك الريان الجزائر ويونين بنك وأركو بنك والبنك الصناعي والتجاري الجزائري والشركة الجزائرية للبنك، وألجيريان أنترناشيونال بنك، وهي العمليات التي سمحت بنقل ملكيات هامة جدا لا تقدر بثمن لصالح أشخاص تحولوا بفضلها إلى أثرياء جدد بين عشية وضحاها على حساب الخزينة العمومية والبنوك العمومية التي منحت قروضا ملايير الدولارات، تمت الاستفادة منها بطرق غير شفافة في الغالب، مما يستوجب من وكلاء الجمهورية التحرك للإشراف المباشر على اختيار المكاتب منعا لحدوث التلاعب بين مكاتب محافظي البيع.