الرأي

محاكمة بلا مخالب لوحش الفساد

حبيب راشدين
  • 1779
  • 0
ح. م

اختتمت الثلاثاء فعاليات “محاكمة القرن” بالبليدة، بصدور أحكام وصفت بـ”المخففة” على بعض المتهمين وتبرئة آخرين، كأن أعلاها الحكم على المتهم الأول عبد المومن خليفة بـ18 سنة سجنا، وغرامة مالية لا تزيد عن 10 آلاف دولار، في إخراج مهذب لما وصفه بعضهم بـ”الصفقة” التي كانت متوقعة، منذ أن خلد عبد المومن إلى الأرض، وتراجع عن تصريحاته النارية المهددة بتوريط رؤوس كبيرة.

ردة الفعل عند طاقم دفاع عبد المومن كانت متوقعة، حتى أن بعضهم لم يخف سعادته بالحكم، فأثنى على القضاة وعلى القضاء الجزائري، خاصة وأن بعض المحامين كان قد أعرب قبل ساعات عن قلقه حين اطلع على أجوبة القضاة بثبوت التهم الكثيرة الواردة في لائحة الإتهام وعلى رأسها:   تكوين جمعية أشرار، والسرقة المقترنة بظروف التعدد، والنصب والاحتيال، وخيانة الأمانة، وتزوير محررات مصرفية“.


تحقيق قاصر قيّد أيدي القضاة

وحدها تهمة تكوينجمعية أشراركانت تكفي للحكم بالسجن المؤبّد، في حالات أخرى كان أثرها أقل خطورة على الأمن والإقتصاد، وقد نحتاج إلى انتظار صدور مسودة الحكم لنتعرف على الحيثيات التي اعتمدها القضاة، وساهمت في تليين الحكم، وإلا يكون من الصعب تفهّم منطوق الحكم، مع ثبوت مثل هذه التهم الخطيرة. 

وبالتوقف عند منطوق الأحكام فقط، فإن الحكم بـ18 سنة على المتهم الرئيس، وبعشر سنوات على متهم مغمور مثل السيد قليمي جمال، المدير السابق لتلفزيون الخليفة، يكفي وحده لدعم ما ذهب إليه أحد المحامين بوجود صفقة يكون قد استفاد منها المتهم عبد المومن، الذي قضى قرابة نصف مدة الحكم بسجنٍ بريطاني من خمس نجوم، وقد يستفيد من تخفيض في ما بقي من المدة بموجب قرارات العفو الرئاسي المعتادة. 

ومع احترام السلطة التقديرية للقضاة، والأخذ بعين الاعتبار القصور الواضح في ملف التحقيق الجنائي، فإن المحاكمة قد أخفقت في تحقيق مبدأ العدالة حتى قبل أن تبدأ، بامتناع التحقيق عن الإحاطة بمَواطن نشوء الجناية الكبرى التي ارتكبت في حق الاقتصاد الوطني، والعبث بالمال العام، والتغرير بالمودعين الصغار، وتهريب أموال طائلة إلى الخارج قدّرتها بعض الأوساط بثلاثة إلى خمسة مليار دولار.


حضر الجناة وغاب المذنبون 

المحاكمة لم تف بالهدف الذي كان يتوقعه المواطنون من محاكمة مثالية للفساد، تحاكم منظومة الفساد التي سمحت لرجل أعمال مغمور، ورث عن والده صيدلية ومخبرا صغيرا، ليؤسس في بحر ثلاث سنوات مؤسسة عملاقة أخطبوطية، برقم أعمال بمليارات الدولارات، وبانتشار كاسح في المجال المالي البنكي والمواصلات والاتصالات، لم يكن ممكنا لولا وجود منظومة دعم من الفاسدين داخل مؤسّسات الدولة، أو في الحد الأدنى وجود قصور آثم مزمن، سوف ينتج لنا مع الزمن نُسخا من مجمع الخليفة.

ومع ما شاب المحاكمة من قصور، فقد أفضت إلى خلاصة متوقعة، وهي أن مجمع الخليفة برمّته أسِّس على باطل بعقود ووثائق مزوّرة، وتسهيلات مشبوهة من المؤسسة البيروقراطية، وغض للطرف من قبل مؤسسات الرقابة المالية والإدارية، وتراخي آثم من قبل الحكومات المتعاقبة في إحاطة هذا الوحش المتنامي بما ينبغي من رقابة ومحاسبة، مع ظهور مبكر لمؤشرات الفساد في سلوك المجمّع، وتحديدا في نماء قاعدته المصرفية وهي متحرّرة من جميع القيود الصارمة المفروضة على بقية مكونات القطاع المصرفي العمومي.

واحدٌ من مظاهر الفساد الذي لم تُحِط به المحاكمة، له صلة بالظروف التي نظمت بها عملية إدارة افلاس المجمع، والتي شابها كثيرٌ من المخالفات القانونية، سمحت لجماعة الأشرار باستكمال عملية التهريب والتنظيف، يفترض أن تكون محل تحقيق قضائي مستقل، كما كان يفترض أن تحرّك أكثر من قضية مستقلة ضد جميع المؤسسات التي ساهمت مباشرة، بقصد إجرامي أو لقصور آثم، في أن تتمكن هذه الجماعة الإجرامية من تنفيذ واحدةٍ من أكبر وأخطر عمليات السطو الموصوف على المال العام،  وأموال صغار المودعين، والتغرير بمؤسّسات عمومية والاحتيال عليها في وضح النهار.


رسائل غواية للمتربّصين بدروب الفساد

أخطر ما في هذه المحاكمة، مع التماس الأعذار مسبّقا للقضاة، أنها تبعث برسائل خطيرة، مضللة ومغرية لمجتمع الفاسدين من ذوي الياقات البيض كما لصغار المجرمين، وقد تمنح مستقبلا سابقة قضائية يمكن أن يُحتجّ بها للدفاع عن المجرمين والفاسدين.

الرسالة الأولى هي لمجتمع كبار الفاسدين تقول: أنه كلما كان الجرم عظيما، تعدّدت فيه التهم والمخالفات، واتسعت فيه قاعدة المتورطين والمستفيدين صعودا نحو مواقع المسؤولية العليا، كلما ضاق الهامش المتاح للقضاء في ملاحقة المجرمين في الواجهة، حماية لمن لا يفترض أن تطالهم يد العدالة.

أما الرسالة لجمهور صغار المجرمين والفاسدين فقد يلخصها المثل الشعبي: “أن تسرق بقرة أفضل لك وأسلم من سرقة بيضةما دامت الغرامة التي غُرّم بها رجلٌ متهم بوضع اليد على مليارات الدولارات جاءت أقل من غرامة حكم بها قاضي في غرب البلاد منذ خمس سنوات على شابّ عاطل، اتهم بسرقة أثات منزلي لا تزيد قيمته عن 20 مليون سنتيم.

 أما الرسالة الثالثة الخاطئة فهي لعموم المواطنين، تدفع بهم إلى قطع حبل الرجاء حيال فرص تضييق الخناق على الفساد والمفسدين أو قطع دابرهم، وقد ضمنوا مسبقا الإفلات من الرقابة زمن الرتع والإعتلاف، والإفلات من القصاص العادل حتى بعد ثبوت التهم عليهم في محاكمة اشتغلت مثل الطاحونة التي يُسمع لها جعجعة ولا يُرى لها طحين.

مقالات ذات صلة