محاكم الاستعمار الجديد الخاصة
بعد تسع سنوات من التحقيق، وإنفاق مئات الملايين من الدولارات على المحققين والقضاة، وتعديل قائمة المتهمين أكثر من مرة، انطلقت، أمس، فعاليات ما يسمى بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في محاكمة غيابية لمتهمين أربع، قيل إنهم من حزب الله.
وبين قرار مجلس الأمن، الذي أنشأ المحكمة، وبداية محاكمة متهمين أشباح باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، شهدت منطقة الشرق الأوسط عشرات الجرائم الفظيعة في حق الملايين من العرب، على يد قادة دول مجرمة، عضو فاعل في الأمم المتحدة، حيث اشتركت الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن وإسرائيل، في قتل وتهجير الملايين من العرب والمسلمين في العراق، ولبنان، وغزة، وليبيا، وسورية.
لأجل ذلك، لن ينظر العرب إلى هذه المحكمة إلا على أنها محكمة تفتيش تؤسس لقضاء دولي خادم “للعقب الحديدي” ليس لأنها تستهدف فريقا سياسيا لبنانيا ليس على توافق مع قوى الاستكبار، ولكن لأن هذا القضاء الدولي المزعوم تجاهل من قبل دماء ومآسي ملايين العرب، قتلوا وعذبوا، واستبيحت أعراضهم بأمر مباشر من مجلس الأمن، وقواه الخمس العظمى.
المحاكمة سوف تتواصل بلا شك لعدة سنوات قادمة، ليس للكشف عن قتلة الحريري، لأن القتلة الحقيقيين هم فوق مساءلة القانون والقضاء الدوليين، ولكن لتثبيت سلوك قضائي دولي، سوف يشهر مستقبلا في وجه كل من يتحدى السلطة الدولية فوق الحكومات، التي يمثلها مجلس الأمن وأربابه المتخفون خلف الستار.
قبل اغتيال الحريري كان العالم قد شهد اغتيالات سياسية كثيرة، لقادة وزعماء في الشمال والجنوب، كان أشهرها اغتيال طغمة الأوليغارك للرئيس الأمريكي كينيدي، ثم اغتيال شقيقه لنفس الغاية، وأفلت القتلة من الملاحقة داخل الولايات المتحدة وخارجها، كان آخرهم شارون الذي مات حتف نفسه من غير محاكمة.
حتى الآن، وباستثناء محاكمة المنتصرين في “نورنبرغ” لبعض قادة الحلف المهزوم، أو محاكمة المهزوم ميليزفيتش، لم يمثل ولن يمثل مسؤول غربي واحد أمام محكمة دولية، مع كثرة مجرمي الحرب في هذا المعسكر الغربي، المسؤول بالإصالة والوكالة عن معظم الجرائم ضد الإنسانية، التي قضت في القرن الماضي على قرابة مئة مليون من البشر، وبدأت القرن الحالي بجرائم فظيعة في العراق وأفغانستان.
ولأن القضاء الدولي الذي ابتدعه كبار المجرمين من قادة العالم، يصرف النظر عن المجرمين الحقيقيين، فقد وجب على شعوب العالم مقاومته بشتى الطرق، ورفضه كما رفض من قبل قضاء القوى الاستعمارية، الذي اغتال الشهيد زبانة، وبن مهيدي، ومئات من قادة ثورة التحرير، وسجن منديلا، وبن بلة، وغاندي، وآلاف من المناضلين من زعماء ثورات التحرير، فهو مثل القضاء الاستعماري القديم، قد نشأ لخدمة سادة الاستعمار الجديد، ولا يمكن لضحاياه إلا أن يكونوا، مثل أسلافهم، من المقاومين لسادة الاستعمار الجديد، هم أبرياء حتى حين يثبت القضاء الدولي إدانتهم.