محاكم الثورة و”غلطات الثوار”
من يتجاهل 132 سنة من الاستيطان الفرنسي للجزائر يفقد هويته، ومن لا يفتح أرشيف ثورته للجيل الصاعد سيغرق في وحل أرشيف المستعمر، ومن لا يرصد “غلطات” الثوار وأخطاء القيادات قد يضيع في تفاصيلها التي يقدمها الغير، وحتى لا نبقى سجناء شعار: “انتصرت الثورة ولم ينهزم الاستعمار” علينا أن نتحدث بصراحة عن ماضينا.
القضاء والثورة
أغلب من كتبوا عن القضاء خلال الثورة المسلحة استندوا إلى بيان أول نوفمبر وقرارات مؤتمر الصومام وميثاق طرابلس واختصروا أحاديثهم عن نوعين من المحاكم وهي المحاكم الشعبية والمحاكم العسكرية (الثورية)، فالأولى مختصة في الشأن المدني والثانية في الشأن العسكري، وهي تتشكل من مسؤول الناحية وهو ممثل النيابة والمساعدين المحلفين إلى جانب المدافع القضائي (لمزيد من التفاصيل انظر كتاب القضاء إبان الثورة التحريرية لوزارة المجاهدين).
تعتمد أحكام القضاء على تعليمة عامة للجنة التنسيق والتنفيذ بالإضافة إلى تعليمات مجالس الولايات المتعلقة بما يسمى فيها بـ”الغلطات”، ففي “المقررة العامة” للولاية الرابعة رقم 18 الصادرة بتاريخ 18 أكتوبر 1958م نجد ثلاثة أصناف من الغلطات، تسعة منها تدخل في فصل “الغلطات الصغيرة” المختصرة في الاستماع إلى صوت البلاد أو الأسطوانات المنافية للأخلاق أو لعب الدومينو والميسر (الكارطة) وعقوبة مثل هذه الأخطاء تبدأ من مضاعفة العمل والحراسة مرورا بحلق الرأس أو الدفن في الأرض وانتهاء بالتوبيخ، أما الفصل الثاني المتعلق بـ”الغلطات الخطيرة” فتتجسد في 18 مخالفة منها عدم تنفيذ المقررات وإفشاء السر العسكري أو خصام المسؤولين أمام المجاهدين أو تضييع الوثائق ونسيانها أو النعاس أثناء الحراسة أو الأخلاق الرذيلة ومثل هذه الأخطاء تبدأ عقوبتها من التخفيض في مستوى المسؤولية إلى سحب الرتبة العسكرية نهائيا.
إن أغلب الأحكام التي تستوجب الإعدام أثناء الثورة هي تلك التي تستند إلى المخالفات الموصوفة بـ”غلطات خطيرة جدا” وتتمثل في ثماني غلطات منها: الخيانة والانضمام إلى العدو أو الفرار وترك المجروح والسلاح أو تكوين أحزاب أو السرقة.
إذا كانت أخطاء الفصل الأول والثاني تختلف إحكامها من ولاية لأخرى فإن الأخطاء الواردة في الفصل الثالث تكاد أن تكون أحكامها مشتركة، ويرجح البعض أن الحكم بالإعدام في حق مجموعة لعموري أو عبان رمضان هي تنفيذ لهذا الفصل.
وهناك من يرى بأن إعدام عبان لم يكن قرارا لأصحاب الباءات الثلاث(عبد الحفيظ بوصوف، لخضر بن طوبال، كريم بلقاسم)، زاعما أنه تم التوافق في السجن بين الزعماء الخمسة والقادة الثلاثة ويستدل بـلائحة “قائمة الأكل” التي تقدم للزعماء وتسرب مع توقيعاتهم إلى الخارج في حالة اتفاقهم على اتخاذ القرار، وقد أجري لقاء مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة وطرحت عليه السؤال فلم يؤكد أو ينفي ذلك.
يقول سعد دحلب في مذكراته (المهمة منجزة، ص 68): “عبان وحده حاول التمرد ولم نمده بأي دعم مادي…عبان لم يكن يعرف الاعتدال أما بن خدة وأنا فقد وضعنا أنفسنا، وبدون تردد تحت تصرف لجنة التنسيق والتنفيذ الجديدة”.
.
من هم الضباط الأربعة؟
يقول المقربون من بوصوف بأن “يمينه تجهل ما تفعله شماله” والسؤال: لماذا لم تكشف مخابراته محاولة الانقلاب التي قادها لعموري ضد الحكومة المؤقتة وكشفها المجاهد الليبي سالم شلبك (مذكرات الرئيس علي كافي، ص 268)، ما أثار انتباهي وأنا اقرأ مذكرات(رجال الخفاء، ص 216) لمحمد لمقامي (أحد ضباط بوصوف) هو أن أربعة ضباط من جيش التحرير كانوا في سجنه بالمغرب وأنه كان مطلوب منه أن يسمح لهم بالفرار حتى يتجنب مسؤولية رؤيتهم ولكن المفاجأة كما يقول صاحب المذكرات هو أن هؤلاء الضباط غير المرغوب فيهم خلال الثورة تبوأوا غداة الاستقلال وظائف سامية في دواليب الدولة .
صحيح أن فرنسا لم تتخل عن حزبها في الجزائر فقد وفرت له ضمانات في اتفاقيات أيفيان التي تنص على ضرورة “حماية الأفراد الذين كانوا معها من أول نوفمبر لغاية 1962م”، وصحيح أن المادة 16 من الاتفاقية تفرض على الجزائر تسهيل مهمة “دفع المعاشات المستحقة على فرنسا للمحاربين القدامى والمتقاعدين”، لكن هل يعقل أن يتلقى جنرالا متقاعدا من الجيش الجزائري معاشه الثاني من فرنسا ونقول إننا حررنا بلادنا منها، لو تكشف السماء للرأي العام الجزائري ربما نطوي ملفا خطيرا وهو العناصر التي ما تزال تعتبر الاحتلال الفرنسي للجزائر مكسبا وطنيا.
لو أن عبد الحفيظ بوصوف ورجالاته كتبوا أسرار الثورة دون خوف ممن استولوا عليها بعد الاستقلال لما أصبحنا نخاف من كشف مستورها.