-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محاولة لاغتيال وسطية الإسلام

الشروق أونلاين
  • 2769
  • 0
محاولة لاغتيال وسطية الإسلام

كثر الحديث في الوقت الراهن عن وسطية الإسلام، وعن ضـرورة تفعيـل الخطاب الوسطي، ليس في الوسط الإسلامي فقط، ولكن بتسويقها إلى الأمم الأخرى أيضا، وذلك حتى يدركوا حقيقة هذا الدين وأنه ليس دين عنف أو إرهـاب للناس، فهـو دين سماحة يعطي السلم والأمن لكافة الناس، ولا يجادل عاقل في أن الإسلام دين أمن وسلم وسعادة، وهذه كلمات خلابة التي يجمعها رابط متين اسمه الوسطية، غير أن الوسطية تتعرض لمؤامرة كبيرة تتمثل أساسا في إفراغها من محتواه، فتتحول إلى جسد بلا روح وهيكل لا حياة فيه.

والغريب أن وسطية الإسلام تحارب  بالوسطية ذاتها، وهذا ما يسمى بمحاربة الإسلام من داخله وعمقه، ولقد تمّ استغلال بعض المتطرفين الذين أساءوا فهم وتطبيق الإسلام، وتم اختراع واختراق منظمات أخرى تشوه الإسلام باسم الإسلام، وذلك لتحقيق هدفين رئيسيين هما:

تشويه صورة الإسلام في عيون الغرب لوقف زحفه، فقراءتهم الاستشرافية تقول إن فرنسا وألمانيا بعد أربعين سنة ستصيران إمارتين إسلاميتين، وأن السلاح الوحيد لإيقاف هذا الزحف هو تشويه الإسلام بالمسلمين، وذلك بإبعادهم عن الفهم العلمي والصحيح للإسلام، وإعاقتهم عن تطبيق أحكامه وأخلاقه التي تظهره في ثوب قشيب.

الأمر الثاني هو إفراغ الإسلام من روحه الحقيقية، وذلك بدعوة المسلمين إلى الوسطية، ولكنها تختلف عن وسطية الإسلام المعهودة التي توازن بين المادة والروح والنقل والعقل والحب والبغض والولاء والبراء.. إنها وسطية تجعل المسلمين نعاجا مستأنسة لا ينكرون منكرا ولا يقرون معروفا، لا يفكرون في الجهاد، والدفاع عن الأرض والعرض، فمجرد التفكير في هذا يعتبر عنفا وخروجا عن وسطية الإسلام، وقد جمع أحد الجبابرة العرب رجال الدين في بلده وقال لهم: “إن النصوص والأفكار التي يقدسها الناس منذ مئات السنين، والتي تريد أن تزيح ستة ملايير من البشر من غير المسلمين ليبقى المسلمون وحدهم على هذه الأرض، إن هذه النـصوص ينبغي إزالتها”، فما كان من رجال الدين إلا أن ضربوا أخماسا بأسداس مصفقين ومحتفـين بقوله الذي أخذ منهم ملء السمع والبصر.

إن الوسطية تُغتال هذه الأيام باسم الوسطية ذاتها، وباستخدام أقنعة واهية تتمثل في محاربة العنف والتطرف، ولا يوجد عاقلٌ يقبل العنف أو يرضى بترويع الآمنين سواء كانوا مؤمنين أو كافرين باسم دين من الأديان أو فلسفة من الفلسفات، ولكن العبث بالمصطلحات المشحونة فكريا ونفسيا لاستدرار عواطف الجماهير وتجفيف منابع الدين يعتبر مكرا واستغباء للناس.

والوسطية التي يُنَظِّرون لها على أنقاض الفهوم الخاطئة والتطبيقات الرعـناء وهم يستنجدون في ذلك برجال السياسة والدين هي وسطية الانبطاح والذل، والركون إلى الذين ظلموا، وسطية يعيش فيها المسلم خانعا للآخرين كخنوع العبد للسيد، لا حق له في العيش على هذا الكوكب إلا إذا ضحى بثلاثة أرباع أو أربعة أخماس من دينه؛ بحجة أنها تحرّض على العنف تلميحا أو تصريحا.

وسطية الإسلام الحقيقية مطلبٌ ضروري وملحّ إذا أردنا أن نُظهر جمال الإسلام ونزيّنه في عيون الآخرين لاعتناقه، ولكن الوسطية التي تقلص الدين كما يُقلص نصٌّ أدبي أو فلسفي وهو قياس مع الفارق؛ إذ أن تقليص النصوص لا يُذهِب لبّها وجوهرها، وتقليص الدين باسم وسطية ما بعد الفوضى الخلاقة يُذهب روح الدين وصفاءه، فهذه الوسطية حلقة في سلسلة طويلة تهدف إلى إبعاد المسلمين حقيقة عن دينهم، وأخطر ما يخيف أعداء الإسلام أن يفهم المسلمون دينهم فهما صحيحا وسطيا، ولو استعرضنا اهتمام المستشرقين وأتباعهم على سبيــل المثال بالتراث الإسلامي لوجدناهم يركزون على المذاهب الباطلة والأفكار المنحرفة، ويعمدون إلى المذاهب الإسلامية القريبة إلى الفهم الصحيح والوسطي للإسلام فيشوهونها، إن لويس ماسينيون وهينري كوربان وغيرهما من المستشرقين مثلاً اهتموا بإحياء التصوف السلبي الذي يمكن الآن استخدامُه في تفعيل ما سميناه بوسطية ما بعد الفوضى الخلاقة، فأحيوا تراث الحلاج وابن عربي وابن سبعين وغيرهم، وفي مقابل هذا نجد مثلا نصر حامد أبا زيد في كتابه “الشافعي وتأسيس ايديولوجيا الوسطية في الإسلام” يهاجم هذا القطب العملاق من أقطاب الفكر الإسلامي، ويدّعي أنه مارس عملية تخدير للعقل الإسلامي حين جعل السنة مصدرا للتشريع وأعطاهـا صفة القداسة، رغم أنها مجرد “عمل بشري غير مقدس” كما وصفها!؟

 وفي الأخير نحذّر أمتنا من وسطية ما بعد الفوضى الخلاقة ونقول لهم على المهيع القرآني “لاتسمعوا لهـذا القول والغوا فيـــه لعلكم تغلـبون”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    اي وسطية هذه وسطية دين الديموقراطية والملوخية الامريكية
    وسطية تستفتي في نواقض الوضوء ولا تستفتي في نواقض الاسلام
    ام وسطية سلميتنا اقوى من الرصاص التي انتهكت بها الاعراض
    ام وسطية استسلامية روحانية صوفية قبورية تبركية بالزردات في الزويا
    فحقيقة المعركة بين الدولة الاسلامية والعالم هي بين الاسلام المنزل والاسلام المبدل بين علماء الاسلام وعلماء الحكام وعملية الفرز تجري على قدم وساق
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله
    كتاب يهدي وسيف ينتصر