-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محفوظ نحناح استثناء في سياق مضطرب

صالح عوض
  • 3341
  • 0
محفوظ نحناح استثناء في سياق مضطرب

محفوظ نحناح واحد من انعكاسات الجزائر على صفحة التاريخ وكتابة بالنور والألم في سفر الجزائر الخالد.. والحديث عنه يشبه كثيرا الحديث عن الجزائر، عن عميق إيمانها وتميزها ووثبتها وروحها المنتصرة وتسامحها وكرمها وإقدامها ووعيها.. فهو ابن الجزائر بخصائصها وشخصيتها بأبعادها، لم يحدث بينه وبينها أي انفصام فكان صوتها أينما حل ورحل.

يصعب على من هو مثلي التحدث عن الشيخ محفوظ نحناح، ليس فقط للصلة الخاصة التي كانت تجمعني به على الصعيد الشخصي، حيث كنت أرى فيه أخا وأستاذا ومعلما، ولا على الصعيد العام حيث كانت فلسطين كلمة السر إلى قلبه وحبه للأمة، الأمر الذي يجعلك تشعر بأنه ابن لكل قطر من أقطار العروبة والإسلام يعي مشكلته ويحمل همه ويدرك أهمية حمايته لأن الأمة في وعيه مترابطة يؤثر بعضها في بعضها..

سأناقش هنا فكرة واحدة فقط في فكر الشيخ محفوظ نحناح هي فكرة الدولة.. فهو كقائد من قادة العمل الإسلامي كان يؤمن ويعمل بدأب من أجل توسيع رقعة الصحوة الإسلامية في الجزائر وقد بذل من أجل ذلك عشرات السنين من عمره خطيبا وداعية ومحاضرا ومحاورا ومنظما ومرشدا.. أسس المجموعات والجماعات وتنقل على مساحة وطن يشبه القارة شرقا وغربا وجنوبا في الأحياء الجامعية وفي المساجد والجامعات والمناسبات كلها دون كلل أو ملل.. فكانت الدعوة الإسلامية بمعنى الدعوة إلى إحياء القيم والمعاني النبيلة دأبه الذي لم يتوان فيه.. وفي هذا الباب يتفق مع كثير من قادة العمل الإسلامي في الجزائر وخارجها ولكن كان هناك شيء آخر ينمو داخله.. فكر سياسي خاص به لم يسبقه إليه أحد من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية بل هو فكر لم يجد رواجه في التراث الإسلامي العازف عن السياسة والمبتعد عن الحكام ودواليب الحكم.

تبلورت في الشيخ فكرة الدولة.. وإن كان في هذا يعبر عن عمق الفكر السياسي السني فالشيخ فقيه وقارئ تاريخ بتركيز ومتعرف بدقة على العلماء واختلافاتهم وتنوع اجتهاداتهم وضليع باللغة العربية حيث كان علماء الأمة الكبار قدوته في حرصهم كل الحرص على وحدة الأمة واعتبارهم الخروج عن وحدتها مهما كانت الأعذار أمرا مذموما.. الشيخ محفوظ كعالم مسلم ومثقف كبير هضم أفكار مالك بن نبي حيث كان تلميذا له، وأفكار سيد قطب حيث كان من مريديه، وأفكار البنا، حيث كان يعتبره قدوة، وأفكار البشير الإبراهيمي حيث كان يعتبره المعلم. ولم يتوقف عند هؤلاء بل اتجه شرقا وغربا في أفكار المسلمين من كل المذاهب والمدارس والجماعات، فكان بحق عالما باختلاف العلماء ومضطلعا بأحوال الأمم والمسلمين بالذات.. ولولا انشغاله بالعمل السياسي اليومي لكان قدم للنخبة علما غزيرا في الفقه الراقي والتفكير العميق والأدب الرفيع.

كانت هذه الخلفية الفكرية والعلمية بالإضافة إلى مكانة موقع الجزائر الجيو-استراتيجي والتاريخي في نفسه وما له من خصوصيات تملي عليه كما على أي سياسي جزائري سلوكا معينا خاصا.. لن أنسى يوم كنت أتجول معه بجوار مسجد الحسين رضي الله عنه في القاهرة الإسلامية وأخذنا بالتجول في أزقتها ودورها القديمة وإذا بالشيخ في حالة عنيفة من البكاء أذهلتني.. خير يا شيخ؟ فقال: انظر يا أخي هذا ما فعله أجدادنا الجزائريون.

هذا هو المناخ النفسي الذي تولدت فيه فكرة الدولة في الفكر الإسلامي لدى الشيخ.. فالدولة في فكر الشيخ محفوظ تساوي الأمة بحيث يصبح أي اختلاف مع أي طرف من أطراف الأمة لا يسوغ أبدا الخروج عن الأمة والحرب عليها بل الدفاع عنها وحمايتها وبذل الجهد لإبقائها قوية.. فأخذت الدولة في فكر الشيخ محفوظ ما لم تحظ به في الفكر الإسلامي المعاصر من أهمية.

على أحسن احتمال كان الفكر السياسي الإسلامي يمارس الهدنة مع الدولة ولكنها هدنة مع عزلة نفسية وشعورية وهي هدنة توجس وريبة.. كان الفكر الإسلامي على طيلة عقود يرى في الدولة عدوا يجب تحطيمه وتقويضه والبناء على ركامه أو مرواغته وانتهاز الفرص معه في انتظار الانقضاض عليه.. وظلت هذه الفكرة حبيسة الصدور تخرج أحيانا إلى الواقع من خلال جماعات وتصرفات تفجيرية هنا أو هناك.

أما الشيخ محفوظ فقد فك الاشتباك بين النظام والدولة.. ففي حين كان لا يخفي موقفه من سلوك النظام في هذه القضية أو تلك إلا أنه كان يعتبر نفسه والنظام في سفينة واحدة هي الدولة التي ينبغي ألا يصلها أي سوء من أي أحد.. المسألة لم تقف عند حدود الفكرة المجردة التي تعتبر تجاوزا فكريا جوهريا لفكر الحركة الإسلامية بل اتجه بها لترجمتها واقعا عمليا في الجزائر وفي خارج الجزائر.. ففي الجزائر وفي اللحظات التاريخية الصعبة والقاسية التي تعرضت فيها الدولة لمحاولة التخريب والتدمير وقف الشيخ بكل بسالة يتصدى للهجمة وقدم خيرة إخوانه شهداء دفاعا عن الجزائر الدولة والوحدة.. وعندما شعر بأن الغربيين يريدون تدويل الأزمة وجاء الكباريتي مبعوثا في عملية استقصاء واستمزاج للواقع هب إليه الشيخ محفوظ يستنخيه بكل معاني العروبة في أهله وعشيرته ألا يورط الجزائر في لعبة الأمم.. وعمل ما يعرفه الجميع داخليا وخارجيا للتأكيد للجميع أن الذي يجري في الجزائر إنما هو محض إفراط في الاختلاف فيما لا يجوز فيه اختلاف.. في تلك المرحلة جاءه النقد من كل مكان في الحركة الإسلامية من الجوار ومن بعد الجوار حيث تنطع قادة حركات إسلامية له يردون عليه ويتبنون مواقف التطرف في مواجهة السلطة والدولة.. إلا أنه كان عملاقا في مواجهة العنف المسلح داخليا والملتبس بفكرة إسلامية متطرفة وخارجيا في مواجهة أصدقائه من قادة الحركات الإسلامية الذين بعد عشرات السنين عادوا يقتربون كثيرا من فكرته لكن بعد أن تنازلوا عن كل شيء وأصبحوا بلا لون..

وخارجيا تحرك الشيخ محفوظ لتعميم فكرته فكانت دمشق محطته ليتوسط بين الإخوان المسلمين وحافظ الأسد الرئيس السوري وألقى خطبة الجمعة في المسجد الأموي ولقي ترحيبا كبيرا في الأوساط السورية الرسمية والشعبية وكادت مهمته تنجح لولا أن الناس كانوا دون فهم قيمة الدولة بغض النظر عن النظام.. وتحرك الشيخ في أكثر من مكان لرأب الصدع بين المعارضات والدولة ليجمع الجميع داخل حيز الفعل الإيجابي لأنه يدرك بعمق ماذا يريد الغرب الاستعماري في بلداننا.. ويدرك أن تنامي فكرة الدولة في النخب الثقافية يجنب الأمة الانزلاق في المعارك الجانبية وكأنه كان يسابق الزمن ليقف حجر عثرة أمام مفرزات الربيع العربي الدامية.

لم تقف فكرة الدولة في فكر الشيخ محفوظ عند حد.. فهو سار واثق الخطى ليترشح لموقع الرئاسة في الجزائر لأنه يعتبر الجزائر سفينة كل الجزائريين وقد حررها الجزائريون جميعا وعليهم أن يحموها جميعا وأن يبنوها جميعا وهو واحد أصيل من هؤلاء الجزائريين محطما بذلك الشعور بالغربة الذي يشعره الإسلاميون في أكثر من مكان نحو الدولة.

بعد عشرات السنين من اجتهاده العظيم هاهم الإسلاميون يتوجهون نحو المشاركة في الحكم بل وطلب رأس الحكم ولكن بتنازلات كبيرة أما هو فقد صعد نحو الحكم وفي يد الدين وفي الأخرى فلسطين لم يتنازل قيد أنملة عن أي منهما.. في حين يضطر لائمو الأمس إلى أن يتخلوا عن كثير من فلسطين وكثير من الدين لعلهم يقبلون..

الشيخ محفوظ نحناح استثناء في الفكر والممارسة لم يتزحزح عن فكرته التي اكتشفها وكان خياره الأصعب لكنه الأسلم للشعب والأمة، وبلورها فكان بحق مجدد الفكر السياسي الإسلامي تجاه الدولة فأنقذ أجيالا من التطرف والحمق.. ولعل الأيام القادمة تشهد من يبرز اجتهاده بعمق وصدق ونقاء مجسدا في سلوك مسؤول ينعم به الناس فيعزز فيهم الطمأنينة والاستقرار، فيكون ذلك هو الوفاء الحقيقي لروحه ولفكرته، رحمة الله عليه رحمة واسعة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!