محمد مهاتير في حوار للشروق:بهذه الأفكار البسيطة تحققت المعجزة الماليزية
لم يكن اللقاء مع الرئيس الماليزي محمد مهاتير صعبا جدا ولم يكن أيضا سهلا جدا، بل كان بموعد دقيق جدا تم تحديده باليوم والساعة والدقيقة منذ سبعة أشهر كاملة اختصرت اللغز الذي جعل ماليزيا لا تقل تطورا عن أية دولة أوروبية ولكن بنفحة إسلامية تجعلك تشعر بالفخر وأنت في هذا البلد المسلم المتمسك بإسلامه حد النخاع والمتطور جدا….
-
فقد استطاعت ماليزيا أن تثبت للعالم أجمع أن المسلمين قادرون على تحقيق نهضة اقتصادية واعدة ليس بالضرورة عبر الطرق الغربية وإنما من كتاب الله وتعاليم الدين الحنيف، فاستطاعت أن تهزم الفقر بالضربة القاضية وتقدم نموذجا إسلاميا فريدا يحتذى به.. قائد هذا الإنجاز الذي يسميه الغرب بالمعجزة السيد محمد مهاتير استقبل الشروق اليومي بتواضع وصدق وحب في مكتبه الخاص بالطابق السادس والثمانين في قلب العاصمة الماليزية ومنحنا متسعا من معارفه فكانت فسحة اقتصادية راقية
-
بعد الاستقلال لم تتبع ماليزيا توجهات المؤسسات الدولية بل اختارت أن تتبع النماذج التنموية لجيرانها، ماذا أخذتم من اليابان؟ وماذا أخذتم من كوريا الجنوبية؟ وما هو النموذج الاقتصادي الأكثرُ فاعليةً اليوم؟
-
في البداية نستطيع أن نقول إن هناك بعض السياسات وبعض النماذج التنموية الناجحة، ويجب أن نأخذ منهم كنماذج للنهوض والتطور، إن أوربا أخذت فترة طويلة للوصول إلى التطور الذي هي فيه الآن، عكس كوريا واليابان حيث أخذت فترة قصيرة واستطاعت الوصول وبسرعة إلى التطور والتقدم الاقتصادي، أما نحن فقد قمنا بوضع الخطط منذ البداية وقررنا أن نبدأ بالتصنيع دون أن نهمل الزراعة، فركزنا على التصنيع الموجه للتصدير، مع إعطاء الاهتمام لتطوير الصناعات ذات الأولوية التي يتم اختيارها على أساس الميزة التنافسية العالمية، وتطوير القوى العاملة، واكتساب قدرات تكنولوجية.
-
أما النموذج الاقتصادي الأكثرُ فاعليةً اليوم هو:
-
– مستوى خط الفقر في البلد هو من أهم النماذج.
-
– ومستوى الدخل القومي للبلد مهم جدا.
-
فمثلا ماليزيا بعد الاستقلال ركزت على محاربة الفقر، حيث كانت نسبة الفقر في ماليزيا ما يقارب 70 %، وعملت على تخفيضه في الثمانينيات الى %30، وتم تخفيضه في بداية الألفية إلى حوالي 5 %، ووصل في سنة 2010 حوالي %3.4 وننوي تخفيظه إلى 1 % ونسفه نهائيا.
-
ماهي العلاقة بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي في ماليزيا؟
-
لا توجد علاقة مباشرة بين الاقتصاد والسياسة، لكننا لا نستطيع تحقيق معدلات نمو، إذا لم يكن هناك استقرار سياسي، حيث يعتبر الاستقرار السياسي أهم شي، وماليزيا دولة متعددة الأعراق، وعادة لا يكون هناك تجانس بين هذه الأعراق، لكننا في ماليزيا تعاونا حتى حققنا معدلات النمو الاقتصادي الذي نحن فيه اليوم.
-
على ماذا تقوم فلسفة التنمية في ماليزيا؟
-
تقوم فلسفة التنمية في ماليزيا على فكرة أن “النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل”، وعليه فإن مكاسب التطور الاقتصادي يجب أن تنعكس إيجابياً على المواطنين في تحسين نوعية حياتهم بما يشمل توفير الضروريات من الغذاء والعلاج والتعليم والأمن، وأن يكون أول المستفيدين من هذا النمو الاقتصادي هم الفقراء والعاطلون عن العمل والمرضى والمجموعات العرقية الأكثر فقراً في المجتمع والأقاليم الأقل نمواً.
-
كيف تعرّفون الفقر؟ أو بمعني ما هو حد الفقر في ماليزيا.
-
يُعرّف الفقر بأنه الأشكال المختلفة من الحرمان، أو عموما هو عدم قدرة الناس على إشباع احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية من التعليم، الصحة والتغذية، بالإضافة إلى نقص الأمن والحقوق السياسية.
-
كيف نجحت ماليزيا في القضاء على الفقر؟ بمعنى ما هي الاستراتيجيات التي وضعتها ماليزيا للقضاء على الفقر
-
حددت عدة إستراتيجيات لتقليل الفقر تمثلت في مايلي:
-
–أول شي أخذناه بعين الاعتبار هو ضرورة وجود استقرار سياسي.
-
–خلق فرص عمل للشعبـ، بحيث يجب أن يكون هناك وظيفة لكل شخص.
-
– رفع مستويات تدريب العمالة وزيادة الرفاهية العامة.
-
– التركيز على تحسين الزيادة النوعية والكمية في عوامل الإنتاج المتاحة للفقراء
-
–الاهتمام بتنمية الريف وهذا أدى إلى الإسهام في القضاء على الفقر في ماليزيا.
-
– كما عملنا على أن تكون هناك استثمارات محلية، وعملنا على استقطاب الاستثمارات الأجنبية خاصة الصناعية، حيث مثلا في ماليزيا كان هناك تقريبا 200 شرط للاستثمار، لكن الحكومة من خلال شعار” ماليزيا المتحدة” عملت على تقليص هذه الشروط لتسهيل عمل المستثمرين من أجل إزالة كل العوائق، لكن بقاء الشرط الأساسي بالنسبة للاستثمار الأجنبي والمتمثل في تحقيق الإنجاز التصديري، والهدف من هذا كله هو توفير فرص العمل للقضاء على الفقر.
-
–مصاحبة المستثمرين من خلال شعار “الصداقة مع الأعمال” لزيادة جذب المزيد من الاستثمارات، حيث يوجد في ماليزيا شركات كبيرة سواء كانت للقطاع العام أو القطاع الخاص، حيث تعمل كل الشركات مع بعض وفق هدف أساسي وواحد هو النهوض بالاقتصاد الماليزي، كما تعمل الحكومة على تشجيع ومساعدة رجال الأعمال والمستثمرين من خلال توفير حوافز مثل تخفيض الضرائب.
-
فيما تمثلت إستراتيجية توزيع الدخل في ماليزيا؟
-
تبنت ماليزيا إستراتيجية لتوزيع الدخل في كل السياسات والخطط التنموية، من خلال مكافحة الفقر المدقع، وإعادة هيكلة العمالة، وزيادة تنمية الأعمال التجارية والصناعية للأغلبية الفقيرة من السكان الأصليين، حتى يتمكن السكان الأصليين من الانتفاع من الثروة القومية للبلد؛ مما أفضى إلى نتائج مهمة، منها انخفاض معدلات الفقر وتناقص فوارق الدخول بين المجموعات السكانية المختلفة.
-
ما دور القطاع غير الحكومي في التخفيف من نسبة الفقر في ماليزيا؟ وكيف دعمتم المرأة الماليزية ليكون لها دور في التنمية؟
-
في أي مجتمع يجب أن يكون هناك وضع اعتبار كبير للمرأة، حيث أن المرأة تمثل نصف المجتمع، إذا لم نعط الاعتبار لهذه النسبة معناه سوف يخسر الاقتصاد، والمرأة ساهمت وتساهم في خلق ثروة كبيرة للاقتصاد خاصة إذا كانت متعلمة، والاستثمار في التعليم ضروري جدا بحيث نجد في ماليزيا ما يقارب %60 من الطلبة في الجامعات الماليزية هم إناث، كما نجد أن المرأة الماليزية دائما تكون جادة العمل، واستطاعت المرأة أن تشتغل في مناصب سياسية، حتى في المؤسسة العسكرية، ولا يوجد لدينا أي تمييز بين المرأة والرجل بحيث عملنا على إعطاء المساواة في الأجور بالنسبة للجنسين، كما تم تعيين امرأة ماليزية لتمثيل المرأة في منظمة الآسيان.
-
كيف ساهمت جهود تقليل الفقر في تقليل التوترات العرقية في ماليزيا؟
-
نجد أن التفاوت الكبير في الدخل، وعدم العدالة في توزيع الثروة كان سبباً في وقوع اشتباكات دامية بين الملايو الذين يشكلون الأغلبية 55 % والصينيين الذين يشكلون الأقلية 25% في شهر ماي 1969 . حيث كانت في ماليزيا نسبة الفقر كبيرة جدا عند المالاويين السكان الأصليين أكثر من الصينيين القاطنين، باعتبار أن الصينيين لديهم مهارات وكفاءات وأموال، وأن هناك وجود تمييز عرقي موجه ضد العرقية الأكبر والأكثر أصالة، وتجذرا في البلاد، ما يعني حتما، عدم إمكانية قيام أمة ماليزية بالمعنى الصحيح، وبذلك عملت الحكومة على تقليل نسبة الفقر عند المالاويين، من هنا ساهمت جهود تقليل الفقر بجدارة في تقليل التوترات العرقية، وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي، من خلال تعليم المالاويين، وتدريبهم، وإعطائهم مهارات، وخلقنا لهم فرص عمل، وخاصة مناصب حكومية، وعملنا على تقليل نسبة البطالة بين المالاويين، عبر إعادة هيكلة المجتمع الماليزي على نحو يصحح الاختلالات الاجتماعية، والاقتصادية القائمة، كما عملنا على رفع مستويات دخل المالاويين حتى لا نخاف مستقبلا من أي شي.
-
لماذا ابتداء من سنة 1998 غيرتم وجهة نظركم على ضرورة التركيز على “كيفية صنع الثروة أكثر من توزيعها” لماذا؟ وهل هي الرؤية نفسها إلى اليوم؟
-
أول شي ركزنا عليه هو تخفيض نسبة الفقر إلى نسبة أدنى، كما ركزنا على خلق فرص العمل وليس على جمع الثروة، حيث يكون مستوى دخل العمال عاليا، هذا ما سيعطيهم الدفع أكثر للعمل بجدية وتفاني. كما عملنا على إعطاء العمال ثقافة تكنولوجية وهذا يتطلب مستوى عال من التعليم، حيث ركزنا على العلوم والرياضيات، وهذا سيساهم في تطوير أفكارهم ويكون لديهم عقول اقتصادية، ونحن قد تطورنا، ونريد كفاءات عالية في كل المجالات.
-
كيف عالجت ماليزيا تكلفة التنمية؟
-
لاحظنا تنامي عدد من المشكلات الاجتماعية الناجمة عن التغييرات المتواترة في مستوى المعيشة بصفة عامة، ومن بينها ظهور بعض مؤشرات لعدم العدالة التوزيعية، لذلك عملنا على تخفيض نسبة الفقر لأن ذلك قد يشكل تهديدا للاستقرار السياسي لماليزيا.
-
كما عملنا على التمسك بالقيم الآسيوية التي تولي اهتماما خاصا بالعلاقات الأسرية بصفة عامة، وتؤكد محورية دور الأسرة في المجتمع. بالإضافة إلى ضرورة الحد من الآثار الاجتماعية السلبية للتنمية على مختلف أفراد الأسرة بصفة عامة، باعتبار أن لهذه الأخيرة أهمية كبيرة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، الذي يمثل ركيزة أساسية لكل من الاستقرار السياسي، والاستقرار الاقتصادي، بالإضافة إلى ذلك ركزنا على ضرورة عدم طلب قروض أجنبية خاصة قروض قصيرة الأجل، نحن نركز على تطوير البيئة، وخلق الثروة هذا يجعل العمال أكثر نشاطا، نحن لا نجلب قروضا إلا في حالات استثنائية تكون التكلفة فيها قليلة أي حوالي %0.7، وماليزيا تعتبر أكبر دولة في العالم في معدل الادخار من خلال صندوق احتياطي العمال، حيث أن هذا الصندوق يقرض الدولة في أحيان كثيرة، ويقوم باستثمارات كبيرة تعود على العمال بالربح، لأن الصندوق يعمل بطريقة إسلامية من خلال نظام المشاركة.
-
ما هو مستقبل التنمية في ماليزيا؟ هل سيكون الغد أفضل؟
-
يجب أن تكون هناك قيادة على دراية كافية بالوضع الاقتصادي والسياسي للدولة، وتكون كذلك على دراية بالاستراتيجيات التي تساهم في النمو الاقتصادي للبلد، وأنا آمل أن يستمر النمو الاقتصادي، كما هو الآن، ونحن مستمرون بالنهوض بالاقتصاد.
-
ما هي النصيحة التي تقدمونها لبلد يحتل المرتبة الخامسة عالميا في احتياطي الغاز، ومرتبة متقدمة عالميا في احتياطي البترول، ولديه احتياطات من العملة الأجنبية تقدر بـ150مليار دولار، وعدد سكانه 37 مليون نسمة، ولديه نسبة فقر تتعدى7 بالمائة، ولديه نسبة بطالة تتعدى 10بالمائة؟
-
أولا: لا يجب أن نعطي نقودا، وإنما نحرص على خلق فرص العمل، حيث عادة ما نجد أن فرص العمل في الصناعة تكون أكبر من الزراعة.
-
ثانيا: تدريب العمالة، وإعطاؤهم كفاءات في جميع المجالات، مع ضرورة اكتساب مهارات في التصنيع، والإدارة، والتسويق، ومهمة توفير التدريب الأساسي والتدريب أثناء الخدمة لابد أن يشارك فيها القطاعان العام والقطاع الخاص.
-
ثالثا: تبني سياسات تنموية حاسمة إزاء القطاع الخاص، من خلال سلطة الترخيص، والموازنة والنظام الضريبي، والحوافز المالية، وغيرها من الإجراءات التنظيمية، وأنظمة الحوافز، والضبط، لضمان أن يعكس القطاع الخاص أهداف، واحتياجات البلاد بما يتلاءم مع الخطط الموضوعة.
-
رابعا: العمل على منح قروض للمؤسسات الصغيرة وتسهيل الإجراءات القانونية لعملهم، مع ضرورة تدريبهم قبل العمل وإعطائهم مهارات.
-
خامسا: إعطاء الفقراء مساعدات من خلال قروض بنكية لفتح مؤسسات صغيرة للخروج من دائرة الفقر.
-
كل هذه الإجراءات سوف تخلق فرص عمل وبالتالي تخفيض الفقر.