الرأي

محمّد معمري

في‮ ‬أواخر الستينيات من القرن الماضي‮ ‬لفت نظري‮ ‬خبر‮ ‬غريب سمعته،‮ ‬هو حضور الجنرال أوفقير‮ “‬جزّار المغرب‮” ‬إلى‭ ‬الجزائر،‮ ‬لتمثيل المغرب في‮ ‬تشييع جنازة لا أعرف صاحبها،‮ ‬ولتعزية أهله‭.‬‮ ‬صاحب هذه الجنازة شخص‮ ‬يسمى محمد معمري،‮ ‬الذي‮ ‬قدّرت أنه ليس كأحد من الناس،‮ ‬وإلا لما شهد أوفقير جنازته ممثلا لسيده‮.. ‬كنت أعلم أن فرنسا اختارت بعض الجزائريين لتستعين بهم ليكونوا لها في‮ ‬المغرب الأقصى،‮ ‬عندما تحتله،‮ ‬سمعها الذي‮ ‬تسمع به،‮ ‬وبصرها الذي‮ ‬تبصر به،‮ ‬ويدها التي‮ ‬تبطش بها،‮ ‬وقدمها التي‮ ‬تركل بها،‮ ‬وأنفها الذي‮ ‬تشم به‮… ‬

ومن الجزائريين الذين اختارتهم،‮ ‬ووضعتهم في‮ ‬القصر الملكي،‮ ‬ثلاثة أشخاص هم محمد معمري،‮ ‬وأبو العباس أحمد التجاني،‮ ‬وقدور ابن‮ ‬غبريط‮.. ‬وقد‮ “‬ستر‮” ‬الله ـ عز وجل ـ الأوّلين‮ (‬معمري‮ ‬والتجاني‮) ‬فلم‮ ‬يجر اسماهما بالسّوء على ألسنة الناس؛ وأما الثالث‮ (‬ابن‮ ‬غبريط‮) ‬فلئن لم‮ ‬يغفر له الله ليكوننّ‮ ‬من الأخسرين،‮ ‬وكيف لا‮ ‬يكون كذلك من اصطفته فرنسا ليكون مستشارها،‮ ‬و”إمامها‮” ‬في‮ “‬مسجدها‮” ‬بباريس من منتصف العشرينيات إلى‭ ‬منتصف الخمسينيات!؟

أنساني‮ ‬الشيطان أن أتذكر هذا الشخص إلى أن زرت ذات‮ ‬يوم الأخ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي،‮ ‬وتشعّب بنا الحديث إلى‭ ‬هذا الشخص،‮ ‬فعلمني‮ ‬مما علم من أنبائه،‮ ‬وأخبرني‮ ‬أنه على‭ ‬حظ من العلم،‮ ‬وأنه‮ ‬يَنظم الشعر،‮ ‬وله بعض التآليف المنشورة‮.. ‬وفي‮ ‬مكتبته ديوان له‮.. ‬فاستأذنته في‮ ‬الاطلاع عليه،‮ ‬فتكرم وأذن لي‮ ‬بذلك‮.. ‬فهو ـ إذا ـ أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي‮ ‬بن محمد بن معمر الزواوي،‮ ‬أصله من توريرت ميمون،‮ ‬من قبيلة بني‮ ‬يني‮ ‬في‮ ‬جرجرة،‮ ‬ولاية تيزي‮ ‬وزو‮.. ‬ولد في‮ ‬6‮ ‬جانفي‮ ‬1885،‮ ‬ولما بلغ‮ ‬السادسة من عمره توفّى الله والده فرعته عائلته،‮ ‬وأدخلته المدرسة الفرنسية،‮ ‬وتعلم مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية‮.‬

في‮ ‬1903‮ ‬أدخل‮ “‬المدرسة‮”‬‭ ‬في‮ ‬مدينة الجزائر،‮ ‬فتتلمذ على كبار أساتذتها،‮ ‬وأخذ عنهم مختلف الفنون والعلوم،‮ ‬وممن تتلمذ عنهم علي‮ ‬العمّالي‮ ‬ـ نسبة إلى‭ ‬بلدة عمّال القريبة من الأخضرية،‮ ‬شرق مدينة الجزائر ـ ومحمد ابن شنب،‮ ‬وعبد الحليم ابن سماية،‮ ‬ومحمد السعيد ابن زكري،‮ ‬وعبد القادر المجاوي‮.. ‬وتعلم الأدب الفرنسي،‮ ‬والحقوق،‮ ‬حتى تخرج في‮ ‬1908،‮ ‬وهي‮ ‬السنة التي‮ ‬ذهب فيها إلى‭ ‬الرباط‮ (‬؟‮) ‬ومن المعلوم أن الجزائريين كانوا آنذاك‮ ‬يعيشون تحت وطأة الإرهاب الفرنسي‮ ‬المتمثل في‮ ‬قانون‮ “‬الأنديجينا‮”‬،‮ ‬الذي‮ ‬يمنع الجزائريين من التنقل داخل الجزائر،‮ ‬فما بالك بالتنقل إلى‭ ‬غيرها من البلدان إلاّ‮.. ‬وإلاّ‮ ‬تديّر محمد معمري‮ ‬الرباط ـ‮ ‬1908‮ ‬ـ وأسس‮ (!) ‬بها مدرسة‮ (‬عربية فرنسية‮)‬،‮ ‬وأشرف عليها إلى‮ ‬1912،‮ ‬وهي‮ ‬السنة التي‮ ‬بسطت فرنسا‮ ‬يدها على‭ ‬المغرب الأقصى‮…‬

وفي‮ ‬هذه السنة أيضا عينته فرنسا،‮ ‬أو أمرت بتعيينه،‮ ‬ترجمانا بالإدارة المكلفة بحفظ الأوراق بالصدارة العظمى،‮ ‬ومكلفا بما‮ ‬يمكن تسميته‮ “‬العلاقة‮” ‬بين السفارة الفرنسية والصدارة العظمى،‮ ‬أي‮ ‬رئاسة الوزراء‮. ‬

حاز معمري‮ ‬ثقة من بيدهم أمور المغرب،‮ ‬فعهدوا إليه في‮ ‬1915‮ ‬ـ إضافة إلى ما سلف ـ بتعليم أبناء السلطان‮ ‬يوسف،‮ ‬الذي‮ ‬أتاه اليقين في‮ ‬1927،‮ ‬وممن تتلمذوا عنه محمد الخامس والحسن الثاني‮.. ‬خلف محمد الخامس أباه،

‮”‬فاختار‮” ‬معمري‮ ‬لرئاسة ديوانه،‮ ‬وكلفه بأمور الأسرة الملكية والقصور،‮ ‬مع النيابة عن مدير التشريفات والأوسمة‮.. ‬ليُعين في‮ ‬1950‮ ‬وزيرا لمصالح القصور والتشريفات،‮ ‬إضافة إلى‭ ‬نيابة وزير الأوسمة‮..‬

وعندما نشب الخلاف بين السلطان ومحمد الخامس والسلطات الفرنسية الباغية،‮ ‬لوقوف محمد الخامس مع شعبه وحركته الوطنية،‮ ‬عزلت فرنسا وعملاؤها‮ (‬الجلاوي،‮ ‬وعبد الحي‮ ‬الكتاني،‮ ‬وابن عرفة‮) ‬محمد الخامس،‮ ‬فطلب محمد معمري‮ ‬من المسؤولين إعفاءه من الوظيف،‮ ‬وعاد إلى‭ ‬مسقط رأسه ليمكث حولين كاملين،‮ ‬إلى أن أُكرهت فرنسا على‭ ‬إعادة محمد الخامس الذي‮ ‬قدّر لمعمري‮ ‬نبل موقفه فاستصحبه معه إلى المغرب،‮ ‬وأعاده إلى منصبه‮.. ‬

ترك معمري‮ ‬أعمالا منها‮ “‬حسن التصنيف في‮ ‬مبادئ التصريف‮”‬،‮ ‬و”تحفة الحذاق في‮ ‬تهذيب الأخلاق‮”‬،‮ ‬و”بيان الحقيقة في‮ ‬المسألة المغربية‮”‬،‮ ‬و”نبراس الإسلام‮”‬،‮ ‬وهي‮ ‬قصيدة من‮ ‬365‮ ‬بيت،‮ ‬مع ترجمتها إلى اللسان الفرنسي،‮ ‬و”حسن الوفاء‮…” ‬وهو ديوان شعري‮ ‬يضم‮ ‬5000‮ ‬بيت،‮ ‬يشيد فيه بـ‮ “‬مآثر ملوك العرش العلوي‮”.. ‬من‮ ‬1915‮ ‬إلى‮ ‬1964‮.. ‬وكأنه لم‮ ‬يكن في‮ ‬المغرب الأقصى،‮ ‬وفي‮ ‬الجزائر‮. ‬وفي‮ ‬الأمة العربية والإسلامية إلا‮ “‬مآثر ملوك العرش العلوي‮”.. ‬فقضى‮ “‬نصف قرن‮” ‬كاملا‮ ‬يمدح من‮ ‬يستحق المدح من هؤلاء الملوك ومن‮ ‬يستحق القدح‮..”‬معتقدا ـ كما قال ـ‮ : ‬أن السلطان ظل الله في‮ ‬الأرض،‮ ‬يأوي‮ ‬إليه الضعيف،‮ ‬وبه‮ ‬ينتصر المظلوم،‮ ‬فمدحه إعانة لجنابه على‭ ‬تقوية نفوذه بحثّ‮ ‬الناس على‭ ‬طاعته وإعانته،‮ ‬وبهذه النية لازمت في‮ ‬كل ما كتبت نظما أونثرا في‮ ‬مدح أولي‮ ‬الأمر الذين تشرفت بخدمتهم في‮ ‬مدة تنيف عن نصف قرن‮…”.‬

وأما ثالث الثلاثة أبو العباس أحمد التجاني‮ ‬فلا أعرف ـ لحد الآن ـ سبب وجوده في‮ ‬المغرب الأقصى،‮ ‬إن كان ولد فيه أو سافر إليه اختيارا أو اضطرارا،‮ ‬ولكنني‮ ‬أعلم أنه كان إصلاحي‮ ‬النزعة والاتجاه،‮ ‬وانتسب إلى‭ ‬جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،‮ ‬وكان من كتاب جريدة البصائر‮.. ‬وله صولات وجولات في‮ ‬الدفاع عن القرآن الكريم،‮ ‬والرد على‭ ‬المستشرقين،‮ ‬وحبذا لو تجمع هذه المقالات وتنشر،‮ ‬إحياء لصاحبها،‮ ‬وليستفيد منها من‮ ‬يريد‮.. ‬ومما قاله محمد معمري‮ ‬وأراه أكثر انطباقا على زمننا هذا وعلى حكامنا‮:‬

عمّ‮ ‬الحواضر ظلمة وجهالة‮ ‬

وفشا التعدي‮ ‬من قويّ‮ ‬يرتدي‮ ‬

لا العقل‮ ‬يرشد لانتهاج هداية

ودهى البوادي‮ ‬فتنة تتوسع

برد الغواية للرذائل‮ ‬يفزع

لا الدين‮ ‬ينهى المفسدين ويقمع

مقالات ذات صلة